النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

الانتحار في سماء الإسمنت المسلح!!

رابط مختصر
العدد 9544 الأربعاء 27 مايو 2015 الموافق 8 شعبان 1436

قلت: ما أزال رغم توحش الحالة الإنسانية وتشيئها أؤمن بعمق بان جوهر الإنسان هو إنسانيته العميقة، التي محورها المشاعر، ولذلك يظل الحب جرسها المجلجل مخترقا الحدود والمنطق والقيود، خارج سياق المنطقة الحديدية التي تقوم بتحويل قسري للمشاعر نحو وجهة غير معلومة لاغتصاب ما بقي من رمق انساني فينا.
قالت ببرود وخيلاء: خرافة المشاعر هذه خلقها الإنسان ليتسلى بها، لأنه لا يستطيع العيش خارج مظلة الوهم، العيش في فقاعة الأوهام هو بالضبط ما يفعله الإنسان، ولذلك فإن ما تسميه (مشاعر الحب) لا يعدو كونه نتيجة تفاعل كيميائي عادي نفس مشاعر الخوف، والإحساس بالجوع، تنشأ في دواخلنا نتيجة إفرازات وتفاعلات كيماوية تدفعنا تجاه شخص معين دون سواه، وعندما يحصل الانجذاب يفرز المخ مواد كيميائية تجعلنا نشعر بالارتياح نحو ذلك الشخص، ويبقى الدماغ بعد مرور فترة من الزمن يفرز مادة الأندروفين وهي مادة تشبه المورفين تكون مسئولة عن الإحساس بالأمان والطمأنينة والانجذاب والاحتواء، وذلك كلما كان الارتباط قوياً وعفويا. وكثيرا ما يكون شعور المحبين بأنهم حيارى وقلقين تدور من حولهم الأرض في حالة من الحلم الدائم، عائدا إلى أنهم مغمورون في تلك اللحظات «الرومانسية» بفيض من الإفرازات الكيميائية التي ينتجها الدماغ وتسري عبر الأعصاب وتجري في الدم، فيشعرون بما تسميه الحب على سبيل الاصطلاح، والغيرة والشوق والانتظار واللهفة والغضب وحتى الرغبة في الموت في حال فقد الحبيب أو هجرانه، جميعها مسميات وهمية صنعها الإنسان في سياق ثقافة الوهم والدخان الهلامي، نفس وهم الدخان المنفوث عند التدخين، ونفس وقع الحشيش بالنسبة للمدمنين.
 قلت: ما أسخفه من تحليل، كيماوي بلاستيكي تقدمينه هروبا من مواجهة أجمل في الانسان! وهو تحليل مكابر مراوغ لا يعجبني ولا يقنعني، لأنني مدرك إدراكا كأنه اليقين أن في هذا الشعور كيمياء روحية وكيمياء- فيزيائية تتفوق علينا وتستعصي عن التفسير، فكأنها السحر، ومن المهم الاعتراف أن الحب- كما يعرفه الإنسان من قديم الزمان- يرقق روح الإنسان ويجعل إحساسه الإنساني بشأن كل ما حوله ومن حوله مرهفا وعذبا وناعما، ليس أمام من يحب فقط، بل حتى في إحساسه الإنساني بشأن الكائنات من حوله كالنباتات والطيور والزهور والفراشات والسماء والهواء وكل شيء تقريبا، وكل ما في الطبيعة يصبح رقيقا، وكأن إحساس الحب يملأ عينية فلا يرى في الوجود إلا كل ما هو جميل وجذاب وحالم. ولذلك أرفض ان يكون هذا الإحساس الذي قد يدوم عشرات السنين ولا يمحي من الوجدان والذاكرة مجرد حالة كيميائية كما يقول علماؤك.
قالت: ما يؤكد قولي ان قابلية التحول في هذا الشعور واردة في كل لحظة، فالعشرة الطويلة قد تجر معها الملل فتحدث الصحوة  من الحلم، فيكتشف الحبيب حالة الانطفاء التي يموت معها إحساس الحب الذي قد يتحول إلى لامبالاة أو حتى إلى كراهية.!
قلت: إن المشكلة الحقيقية تكمن في أن البشر بطبائعهم وبشخصياتهم الإنسانية المتقلبة وبأحوالهم النفسية المتحولة، وبأوضاعهم الاجتماعية المتغيرة،  يتغيرون كل يوم، فيرتبطون بالآخرين بشبكة علاقات متداخلة خاضعة للتبدل، وهو التبدل الذي يقبلونه بل ويسعدون به في كثير من الأحيان، في المجالات المعيشية اليومية، مثل تغيير السكن والديكورات والوظائف والمطاعم والملابس وغيرها من الأمور، لكنهم يتحملون بصعوبة بالغة التبدلات في عواطفهم ومشاعرهم، فهي، حتى وان حدثت فعلا، فان الكثير منهم يتجاهلها أو يلجأ إلى المواربة،  والى الصور المتضمنة تعبيرا عير مباشر عن انتهاء الحب، ولكن الهروب من مواجهة هذه الحالة لا يستمر طويلا، إذ تنشأ حالة من البرود والجفاف في العواطف قاسية ومدمرة لحياة الإنسان خاصة عندما يكون مضطرا  للإبقاء على العلاقة كمجرد تعبير اجتماعي مظهري أمام الناس، أو كتعبير عن نوع من الالتزام العائلي أو الأخلاقي أو الديني، ويكون الحب قد مات بالفعل وانتهى، ولذلك تنشأ حالة من الصراع النفسي مريرة قد تفقد الكثير من الناس صوابهم، وتنتهي بالانتحار النفسي أو الفعلي وصورهما أصبحت اليوم مشهودة.
ومما يؤكد سخف التحليل الذي أوردته للتو فإنه بالإمكان حقن مادة الأندروفين المعروفة في الوريد مباشرة لنعيش إحساس الحب الجميل مدى الحياة، وانتهى الأمر، في حين ان الواقع يخالف هذه الخرافة مخالفة بينة، والدليل على ذلك أنه عندما ينتهي الحب بداخلنا لا شيء يبقى تقريبا سوى الخواء والموت البطيء! ولكننا في غمرة الحزن والضيق نتناسى انه، وبعد موت حب ما، هنالك دائما فسحة جديدة، فسحة لحب جديد، ولأمل جديد، ولحياة جديدة تنتظرنا، إن لم نكن نراها لحظة خيبة الأمل، فإن هنالك دوما صباحا جديدا نفيق فيه ونحن أحرار، لا ننظر خلفنا إلا للذكري، ونبدأ نستعيد حريتنا التي فقدناها في سكرة ما تسمينه «الأندروفين»، واسميه عمقنا الإنساني الأكثر جوهرية» إنسانيتنا» التي بدونها يتوقف الإنسان عن أن يكون إنسانا، ويصبح مثلا مجرد قطعة من البلاستيك بدون روح.

همسة
هنالك من يحلو لهم ممارسة رفاهة، نصب الفخاخ لخلق الله، وينفثون سمومهم في كل اتجاه، ويسعون إلى استدراج المستهدفين إلى حروب ينشغل فيها الكل بفنون التخريب، يرتدون الوطنية في شكل «كذبة فاخرة» لكي يشرّعوا لسلوكهم العدواني ولعنفهم السلمي!!
أنت تبني وهم يهدمون... أنت تشيّد وهم يحطّمون... أنت تزرع وهم يحرقون... أنت تنزف وهم يسعدون... أنت تجتهد وهم يحبطون.. لا تفاجئ إذا وجدت كلّ مضمون مشاعرك على قارعة أفواههم.
هم متأكدون انك لن تنخرط معهم ولن تستجيب لطلبهم بانتدابك لتكون محرك الطاحونة، ولكنهم يتظاهرون بأنهم أسمى منك، وان لديهم «منطقة حرة» لتنشيط التبادل الكارثي، يشغلون طاحونة التخريب في الفضاء الإنساني والمشاعري والقيمي المعتاد، ولذلك يبذلون كل ما في وسعهم لتحويل أي مشهد إلى مقبرة.. ولا يرتاحون إلا إذا غرّد البوم في ارجائنا... تجدهم في كلّ مكان وكلّ زمان... في كريات الدم الحمراء وكريات الدم البيضاء... في تخوم المدن والقرى والأرياف، في رحلة الشتاء والصيف وفي سنوات الخير والقحط والجفاف!!. فاللهم احفظنا من طواحينهم! إنك مجيب الدعوات...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها