النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

بمنطق الاحتواء، لا بمنطق المواجهة

لماذا تشغل إيران نفسها بنا؟

رابط مختصر
العدد 9542 الإثنين 25 مايو 2015 الموافق 6 شعبان 1436

السؤال أعلاه ضروري وموضوعي ولا نية فيه للهزل، لأن إيران لديها ما يكفي بما يمكن أن تشغل نفسها به، فلماذا تنشغل بنا دائما، وتسأل عن أحوالنا؟
الجواب المحتمل هو أن إيران تشغل نفسها بدول الجوار العربي إما محبة فينا لوجه الله، وإما أنها تعتبرنا من رعاياها فتريد شملنا برعايتها، وأيا كان الجواب، وفي جميع الأحوال فإنها تنشغل بنا على ما يبدو، عن شأنها الداخلي المركب من التسلط الديني- السياسي والبؤس الاجتماعي- الاقتصادي، ولذلك يحرص كبار مسؤوليها على الاهتمام بشؤوننا الداخلية وتخصيصها بعناية خاصة بمناسبة وبدونها. فلماذا كل هذا الانشغال بنا؟ مع ان إيران لا تواجه أي تهديد من الجوار العربي لا امني ولا سياسي ولا عسكري ولا اقتصادي ولا ثقافي، ومع أن الجوار العربي ينشد علاقات طبيعية مع إيران كدولة كبرى في المنطقة ويمكن بالتعاون معها بناء شراكة أمنية واقتصادية متكاملة للأمن والازدهار، دون التدخل في الشؤون الداخلية للدول..ولذلك لا يهمنا الشأن الإيراني الداخلي ضمن الالتزام السياسي والأخلاقي والقانوني باحترام الخيارات الداخلية لإيران ولشعبها ولقيادتها، وخاصة تلك الخيارات التي ليس لها أي تأثير سلبي علينا بشكل مباشر أو غير مباشر، حيث لا يمكن أن نطالب إيران بعدم التدخل في شؤوننا، ونعمل في ذات الوقت على التدخل في شؤونها.
إن دول الخليج العربية الجارة لإيران قد سبق لها في أكثر من مناسبة أن عبرت، وبشكل علني ورسمي لا لبس فيه، أنها ضد التدخل في الشأن الإيراني الداخلي، وضد ضرب إيران لأي سبب كان، بل عبرت عن حق إيران المشروع في خياراتها الداخلية وفي امتلاكها للطاقة النووية المدنية النظيفة، مع تشجيع إيران على التعاون مع المجتمع الدولي بشأن ملفها النووي، وبحل مسألة الجزر الإماراتية المحتلة سلميا، وبعد التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية وتحريك مليشياتها– كما هو الحال حاليا- داخل الأراضي العرقية والأراضي السورية.. ولأن بيننا وبين إيران علاقة جوار وتاريخ ودين مشترك ومصالح مشتركة، فلا يمكن أن نتجاهل ما يحدث في هذا البلد الذي لا غنى عنه في معادلة الاستقرار والسلام، ولا يمكن إن نتجاهل أيضا ما يصدر عنه من قول او فعل يمس استقرار دول المنطقة واستقلالها الداخلي، ولذلك لا يمكن أن نصم آذاننا عما يحدث وعما يصدر بهذا الخصوص، لأن له تأثيرا مباشرا على الإقليم العربي كافة، وعلى الإقليم الخليجي خاصة، فالتسلح المبالغ فيه والتوجه إلى امتلاك السلاح النووي أو التدخل في الشأن العربي الداخلي بات حقيقة مرعبة ومقلقة تثير المخاوف والشكوك المشروعة حول نوايا النظام الإيراني الذي لا يبدو أنه قد تخلص من التبشير بالثورة والرغبة في نشرها تنفيذا لوصية الخميني.. والتصريحات المتشنجة والمتضمنة مطالبات تاريخية وتجاوزات غير معقولة تمس سيادة دولة عربية مستقلة تخيفنا وتقلقنا فقد ترددت مقالات لكتاب كبار مقربين من المؤسسة الحاكمة في طهران تنادي بتبعية البحرين لإيران، وتصريحات أخرى باستمرار احتلال الجزر الإماراتية الثلاث ورفض أي حل سلمي في هذا المجال مستندة إلى منطق القوة وحده، لا إلى منطق الشرعية..
الجانب الثاني المثير للقلق والمخاوف أن الغرب عامة والأمريكان خاصة، ما يزال يراهن على استغلال وتوظيف الحالة الإيرانية لممارسة لعلبته الشهيرة في ضرب العرب والمسلمين بعضهم ببعض، لتحقيق الفصل الثاني من مسرحية خلط الأوراق، بعد احتلال العراق ونشر الفوضى فيه، والتشجيع على تفكيك سوريا وتهشيم الكيان الوطني الموحد للدولة السورية، بإعادة ترتيب أوضاع المنطقة نحو مستقبل مجهول، خاصة وان إيران تمتلك قدرات وطموحات تسهل لها لعب دور الشرطي في المنطقة، وهو ما تحاول انتزاعه مجددا. وقد بينت الأحداث خلال السنوات الماضية أن إيران قد نجحت في توظيف قدراتها وخبرتها ومواردها وعلاقاتها ودعايتها في الابتزاز، وأنها ماضية في السيطرة على المنطقة، وسط ما يشبه التواطؤ الكامل مع الأمريكان، حيث أصبحا حليفين في العراق وفي أفغانستان، وشركاء في الوضع في سوريا، وشركاء في توزيع الأدوار والمنافع والمصالح. والمشكلة أن الإيرانيين قد يغريهم ما باتوا يمتلكونه من أوراق وإمكانيات فيتمادون في سياسات خارجية تحرض العالم ضدهم، وتؤدي في النهاية إلى تحويل المنطقة إلى جحيم جديد يأتي على الأخضر واليابس وإغراق الجميع في ورطة تقوض أي أفق للتنمية والسلام.. وبالعكس من ذلك تماما نجحت إيران في تحقيق ثلاثة انجازات على طريق إدخال المنطقة في الفوضى:
-    الابتزاز النووي، ضمن قراءة لمخاوف الأمريكان والغربيين من إمكانية امتلاك إيران للسلاح النووي، وإمكانية استخدامه لمهاجمة إسرائيل «وهي كذبة سخيفة».
-    تشكيل المليشيات العقائدية وتمويلها ونشرها في الدول العربية وتبنيها ورعايتها بالمال والعتاد والتدريب في ذات فكر نشر الثورة، وبناء منظومة للسيطرة على الإقليم، لابتزاز القوى الكبرى وإجبارها على التعامل معها كوصية على أمن المنطقة ومقدراتها وشعوبها..
-    بناء منظمة متكاملة من إعلام الدعاية الإيديولوجية من البروباغاندا السياسية والعقدية الفجة لصناعة الأوهام «عشرات القنوات الفضائية الناطقة باللغة العربية تمولها إيران وموجهة إلى المواطن العربي.
ولأن الغربيين عامة والأمريكان خاصة يبنون مواقفهم وردود أفعالهم وسياساتهم وقراراتهم الإستراتجية على أساس من الدراسة والعلم، فإن الدراسات البحثية التي ينجزها خبراء من الصف الأول تنصح القادة الأمريكيين بالتعامل مع إيران الآن بمنطق الاحتواء، لا بمنطق المواجهة الهوجاء، فثمن المواجهة سيكون كارثيا على كل الأطراف، وتجمع ثلاث دراسات صادرة مؤخرا عن مؤسستين أمريكيتين «راند ومعهد الدراسات الإستراتيجية والدولية» على نصيحة القادة الأمريكيين: «التعامل مع إيران كشريك وليس كعدو، وتطوير نظام إقليمي في المنطقة يشمل إيران». وهو ما يعني حمل الدول العربية على قبول إيران جزءا من منظومة النظام الإقليمي الخليجي شاءت أو أبت، ومراعاة المصالح والمطامح الإيرانية في هذه المنطقة، ومنها طموحها في أن يكون لها نصيب من النفوذ في المنطقة العربية التي هي الآن في «موقع المؤثر الإستراتيجي فيها»..
إننا لسنا مع التحليلات التبسيطية التي تناقش المسألة الإيرانية من منظور مذهبي طائفي، وذلك لأن سياسة إيران الخارجية جزء من مشروعها الشامل لامتلاك القوة والسيطرة والهيمنة على المنطقة، حيث توظف جميع ما لديها من أوراق يمكن أن تجعل رهاناتها صحيحة في اللعبة الإقليمية والدولية لتحقيق مصالحها القومية بالدرجة الأولى، ولا علاقة للمذهب بهذا الموضوع إلا في أذهان البسطاء، فإيران تعمل حثيثا على أن تصبح «نواة مركزية لهيمنة في منطقة جنوب غرب آسيا أي المنطقة العربية تحديدا التي تشمل شبه الجزيرة العربية والعراق وبلاد الشام..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها