النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10969 الأحد 21 أبريل 2019 الموافق 16 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:48AM
  • الظهر
    11:37AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:04PM
  • العشاء
    6:34PM

كتاب الايام

المتغطي بأمريكا عريان... وتداعيات رضاها عن إيران

رابط مختصر
العدد 9540 السبت 23 مايو 2015 الموافق 4 شعبان 1436

عندما يتحدث المراقبون عن نتائج قمة ما، عربية أو دولية، لا يجب الاعتماد كليا علي  مضمون ما خرج به المشاركون من تصريحات وأحاديث صحفية، لأن المتبع في مثل هذه الحالات يكون التزاما بعدم التشكيك في جدوى المؤتمر او تلك القمة، ويتفق الجميع حتى لو تفرقت بهم السبل داخل أروقة القمة، على كتمان فحوى الخلافات وعدم الحديث سوى عن نقاط الالتقاء.. وأمامنا نموذج قمة كامب ديفيد الأمريكية – الخليجية.
فوفقا لتصريحات وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، فإن دول الخليج راضية عن نتائج قمة كامب ديفيد، حيث أعرب عن رضاه التام عن النتائج التي أسفرت عنها القمة التي جمعت قادة الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي. وطبيعي أن يصفها الجبير بأنها تاريخية وغير مسبوقة، وهذا أمر مؤكد، فالقمة حدث مهم وتاريخي في نفس الوقت. ومن المؤكد أيضا أنها ناقشت قضايا كثيرة تهم المجتمع الخليجي، مثل تكثيف وتعزيز العلاقات الأمنية والعسكرية الاستراتيجية بين دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة، وكذلك خطط مواجهة الإرهاب، والأهم في هذه المرحلة وهي كيفية مواجهة التحديات التي تتعرض لها المنطقة وعلى رأسها تدخلات إيران في شؤوننا الداخلية.
لا ننكر بطبيعة الحال، أن الخليجيين أحرزوا تفاهمات جيدة فيما يتعلق باتفاقات التدريب العسكري المشترك، وتقديم أنظمة متطورة لدول مجلس التعاون الخليجي، وتطوير منظومة الدفاع الصاروخي والقدرات الصاروخية البالستية، وتطوير نظم الإنذار المبكر، وإنشاء قوات للتدخل السريع، وتطوير قدرات تلك القوة.. وكل هذا يعزز العلاقات الاستراتيجية العميقة بين الجانبين. وطبيعي أيضا ألا تغفل القمة سبل التصدي لوقف تدفق المقاتلين الأجانب إلى تنظيمي «داعش» و«القاعدة» وغيرهما من المنظمات الإرهابية، وكيفية وقف تمويل المنظمات الإرهابية ومواجهة التطرف العنيف، وكيفية تكثيف التعاون الاستخباراتي للتصدي لظاهرة  هؤلاء المقاتلين الأجانب، والتعامل مع التحديات المتعلقة بمكافحة التطرف العنيف.
ونأتي للقضية الأهم في القمة، وهو ما يعد لغزا حتى وقتنا الراهن وتحديدا ما يتعلق بإيران والمخاوف الخليجية من تمدد نفوذها في حال توقيع الاتفاق النووي بشكل نهائي ورفع العقوبات عنها، ويبدو أن الطرفين –الأمريكي والخليجي– اتفقا على ان افضل السبل هو الكتمان فيما يتعلق بهذه القضية. خاصة وإن وزير الخارجية السعودي لم يفصح مباشرة عن تفاصيل ما تم الاتفاق عليه في القمة حول المسألة الإيرانية، وأعاد التأكيد على رضا دول مجلس التعاون الخليجي على التوضيح الأمريكي حول المفاوضات مع إيران وموقف واشنطن تجاهها، وأن الخليجيين سيرحبون بأي اتفاقية تمنع إيران من الحصول على سلاح نووي.
إلى هنا ينتهي الكلام الرسمي الذي تحدثنا عنه ولا ينقل الواقع الذي نراه ونتلمسه، لأن هذا الواقع يؤكد أن المجتمع الخليجي لا يثق بالرئيس الأمريكي باراك أوباما، خاصة عندما يقول ان بلاده ملتزمة بصدق بالدفاع عن أمن الخليج. وبالمناسبة يكرر أوباما هذا الكلام منذ كلمته أمام الجمعية العامة للأم المتحدة في سبتمبر 2013 وحتى الآن، وفشل في توصيل رسالته لقادة الخليج. وأقل ما يوصف به الموقف الأمريكي أنه «مشتت» او «متذبذب». ونعترف بأن لأمريكا مخططا استراتيجيا للشرق الأوسط، فهي تسعي للتوصل لاتفاق مع إيران تقول عنه أنه سيحد من قدرتها على تصنيع سلاح نووي.. وفي نفس الوقت تسعى لتعزيز القدرات العسكرية للدول الخليجية عبر اتفاقيات تسليح، وتعاون عسكري جديدة.. وبالتالي، يتحقق الهدف من الاستراتيجية الأمريكية للمنطقة، حيث يتحقق وضع متوازن في نهاية المطاف، لا تمثل فيه إيران تهديدا خطيرا في مواجهة الخليج الذي يستعيد ثقته في قدراته العسكرية والأمنية على المستوى الإقليمي.. وبالتالي يتحقق ما تسميه واشنطن «المقاربة المزدوجة»، أي تتمكن دول الخليج من امتلاك القدرة على التعامل مع إيران من موقع متكافئ متوازن.. ومن بين المبررات الأمريكية لتدشين هذا الوضع، إعلان تأييدها لحملة «عاصفة الحزم» العربية ضد المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران، في إطار سعيها لإعادة التوازن إلى المنطقة رغم يقينها بأن إيران تصول فيها وتجول في دول المنطقة وعواصمها، ولا تريد التراجع عن غيها التوسعي في الإقليم.
نحن لا نعلق بدورنا على تلك المقاربة الأمريكية للمنطقة، خاصة في ظل رؤية أمريكية موازية تعتبر أن تهديدات المنظمات الإرهابية مثل «داعش» و«القاعدة» وغيرها هي التي تمثل تهديدا داخليا لأمن الخليج. وعليه، يجب على الخليجيين التركيز على مواجهة هذه التهديدات،  بدلا من التركيز فقط على التهديدات الخارجية الممثلة في إيران..هذا مع اعتراف واشنطن ذاتها بأن منطقة الشرق الأوسط تعيش أسوأ أيامها بسبب حالات الفوضى الناجمة عن انهيار أنظمة دول عديدة فيها، مثل ليبيا واليمن وتونس ومصر، مع انهيار سوريا رغم استمرار نظام بشار الأسد حتى الآن، ثم لدينا عراق ضعيف مستنزف هو الاخر، لتساهم إيران بدور كبير في اشعال حروب طائفية بالوكالة، أدت إلى نشر الفوضى في العراق، وسوريا، وأخيرا اليمن. ومع الاعتراف الأمريكي بتلك الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة، تدعي واشنطن أن المباحثات الأمريكية – الإيرانية بعد انقطاع وعداء استمر 36 عاما، ستقود المنطقة الى  الاستقرار، وإن كان تدريجيا.
التهديدات الإقليمية التي يتعرض لها الخليجيون والتدخل الإيراني في شؤونهم الداخلية ومحاولة بسط الهيمنة على مضيق باب المندب ومساندة الحوثيين هناك، لا تعتبر مخاوف في واشنطن، فأحد الكتاب الأمريكيين القريبين من البيت الأبيض استغرب بشدة رفض القادة الخليجيين لتصريحات باراك أوباما غير الموفقة والتي قال فيها: «أكبر تهديد يواجه الخليج قد لا يأتي من إيران، وغزوها لهم، بل قد يأتي من داخل بلدانهم».. ثم يعلق هذا الكاتب على كلام الرئيس الأمريكي، بأنه لا يجب أن يشعر القادة الخليجيون بالقلق، فمثل هذا الحديث المتسم بالصراحة -أي حديث أوباما- يعبر عن صداقة حقيقية وتحالف أصيل.. صداقة مع الخليج وتحالف أصيل معهم!!. فهل هذا كلام يعقل!
واستشهد هذا الكاتب بجزء من حوار لفيلم «العراب» وهو من أشهر الأفلام الأمريكية وأروعها، حيث قال بطله مايكل كورليوني في جزئه الثاني: «لتحتفظ بأصدقائك على مقربة منك، ولكن احتفظ بأعدائك على مسافة أقرب».. ثم يدعي أن واشنطن تطبق نفس نصيحة كورليوني، فالولايات المتحدة تتقرب من إيران وفي نفس الوقت تعقد مع الخليجيين قمة كامب ديفيد.
نعم.. نعترف نحن الخليجيين بأن الرئيس الأمريكي يفتح بعض الملفات الصعبة في نهاية فتراته الرئاسية الثانية، ويريد أن يذكره التاريخ بأنه الرئيس الذي قرر انهاء القطيعة مع كوبا، وهو نفسه الذي أذاب الجليد مع إيران، وهي حقيقي مهمة صعبة لا دخل لنا بها، ولا يهدئ هذا مخاوفنا من إعادة الدفء الى العلاقات الأمريكية – الإيرانية على حساب مخاوف الخليج، علما بان المخاطر التي قد تنجم عن أي اتفاق نووي مرتقب سيزيد من هذه المخاوف، فرفع الحظر الدولي عن إيران سيزيد ميزانياتها العسكرية بما تتعاظم معه تهديداتها للمنطقة، فإيران الفقيرة أنفقت مليارات من قوت شعبها المحتاج على موازنات عسكرية وتمويل انقلابات وميليشيات عربية لزعزعة الأمن في الدول الخليجية والعربية، فما بالنا وهي دولة تستعيد أموالها المجمدة وتنامي صادراتها من النفط بأسعار السوق! ولم يعبأ أوباما وأركان إدارته أن كانت إيران ليست بكوبا، فقادة الدولة الفارسية يمثلون تهديدا أمنيا على جيرانهم وآيديولوجية نظامهم  الديني تقوم على التغيير والهيمنة، بدليل ما نراه في محيطنا اليوم.
يدرك الخليجيون، أن المفاوضات الأمريكية – الإيرانية ستفتح المجال لإيران لمزيد من العبث بمقدرات وأمن المنطقة، لأن الاتفاق المحتمل لن يقلم أظافر إيران نوويا، كما يدعي الأمريكيون، ولكنه سيفتح لها بابا ملكيا لتهديدنا، ليس عسكريا وماليا ودعائيا كما كان في السابق، ولكن نوويا بعد الرضا الأمريكي عن قادة دولة فارس.. فما يتبقى لنا إذن بعد أن زرعت إيران الفتن الطائفية وتهيئة البيئة الخصبة للتطرف والإرهاب وزعزعت الأمن ونجحت جزئيا في توسيع نفوذها وبسط هيمنتها.
إجمالا.. لا يمكن الوثوق بأمريكا بعد أن كشف الخليجيون وجهها الحقيقي، فواشنطن لم تقف بجانب دول مجلس التعاون، بل تبنت «مواقف مطاطية ورمادية» حيال قضاياهم، وأمامنا ما ذكره الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك: «المتغطي بأمريكا عريان».. وقد أفلح حقا في وصف أمريكا بكلمات معدودة ولكنها معبرة، ومعه كل الحق، فبعد أن بنى تحالفا استراتيجيا بين مصر وأمريكا خلال سنوات حكمة ووقف الى جانب الولايات المتحدة في قضايا عديدة منها فتح المجال الجوي للطيران العسكري الأمريكي وكذلك قناة السويس للأساطيل الأمريكية في استثناء وحيد للولايات المتحدة، باعته واشنطن في أول محطة وتبنت خطى خلفه الرئيس محمد مرسي رغم انتمائه لجماعة متطرفة، ولكن واشنطن وقفت الى جانبه ودعمت حكم الإخوان لمصر ونست تماما حسني مبارك، فما كان منه سوى وصفه الدقيق في إحدى جلسات محاكماته. وعلى نفس المنوال، تركض الإدارة الأمريكية خلف إيران رغم وصف قادة الدولة الفارسية لأمريكا بأنها «الشيطان الأكبر»، ثم يتخلى الأمريكيون عن الوقوف بجانب حلفائهم الخليجيين، ليطبق أوباما كلامه بأن مخاوف الخليج لا تأتيهم من إيران ولكن من داخلهم، ليبرر حنثه بوعوده بمساندة الخليج رغم دعمه لحملة «عاصفة الحزم».. إلا أنه ما يكتب للعرب والخليجيين مؤخرا، هو اعتمادهم على ذاتهم واتخاذ قرار شن الحملة العسكرية ضد الحوثيين وإيران من خلفهم، ولم ينتظروا الرضاء الأمريكي السامي لحماية كيانهم من الفتنة والتطرف وتطاول الأذرع الإيرانية في المنطقة لتقترب من مفاصل الخليج وبطنه الرخو. وثمة أمر محمود اخر يكتب للعرب، وهو رد أمير قطرسمو الشيخ تميم بن حمد ال ثاني باللغة العربية على الرئيس الأمريكي في نهاية قمة كامب ديفيد، التي بعثت برسالة غاية في الأهمية للعرب والخليجيين مفادها «اعتمدوا على أنفسكم.. فالمواقف الأمريكية أصبحت مطاطية» في حين أن قضايانا لم تعد تتحمل العبث بها، بعد أن شاهدنا كيف غيرت واشنطن مواقفها لترضى عن إيران قولا وفعلا، ليطبق أوباما أقواله لنا بأن «أكبر تهديد يواجه الخليج قد لا يأتي من إيران، وغزوها لهم، بل قد يأتي من داخل بلدانهم».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها