النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

التربية على المواطنة العالمية

رابط مختصر
العدد 9539 الجمعة 22 مايو 2015 الموافق 3 شعبان 1436

   في مقال يوم الأربعاء الماضي أرغمني سؤال سعادة النائب عيسى تركي الموجه إلى معالي وزير التربية والتعليم على تغيير الموضوع الذي كنت بصدد الكتابة فيه، وبينت لك فيه عزيزي القارئ أن السؤال ذكرني بما كنت أعد لكتابته حول حضوري قبل شهر لمؤتمر تربوي. وها أنذا اليوم أواصل ما انقطع من موضوع المؤتمر المذكور؛ لأكتب عن أهم ما دار فيه، معتمدا على ما بقي في الذاكرة من نقاشات دارت داخل قاعة المؤتمر، ومن أوراق وزعت على الحضور وكلها تؤكد على أن التربية على المواطنة العالمية هي التربية على القيم الإنسانية.
   المؤتمر من تنظيم مكتب اليونسكو الإقليمي للتربية في الدول العربية، ومركز الملك عبدالله العالمي للحوار بين أتباع الديانات (KAICIID)، وكان بعنوان «التربية على قيم المواطنة العالمية»، وقد أولت مصر كجهة مستضيفة لفعاليات المؤتمر أهمية خاصة، فكانت رعايته مشتركة بين الإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب، ووزير التربية والتعليم بالجمهورية محب الرافعي. وينبغي بالمناسبة الإشادة بحرص الجهة المنظمة والراعية على دعوة كوكبة من رجال الدين من الأزهر الشريف ومن الكنيسة القبطية وأكاديميين وخبراء ومتخصصين في العلوم التربوية والاجتماعية مما كان له الأثر الكبير في إثراء المداخلات وتنوعها.
    ولعله من المفيد قبل أن ندخل في جوهر بعض المختارات من النقاش الذي شهده المؤتمر، وقراءة بعض أوراقه أرى من الضرورة في البداية أن أذكر على سبيل الاستطراد بالجهود المهمة التي تبذلها وزارة التربية والتعليم في مملكتنا الحبيبة في مجال تعزيز قيم المواطنة بشكل عام والمواطنة العالمية بشكل خاص. فقبل أن تأخذ مسألة المواطنة بالتوازي مع مسألة حقوق الإنسان، وضعا ضاغطا على مختلف البلدان من خلال ارتفاع صوت المنظمات الدولية ودورها في تكييف الآراء وصناعة اتجاهات عالمية إلى تبني حقوق الإنسان، فإن البحرين بمجرد أن شرعت في الأخذ بناصية المشروع الإصلاحي، وجعلته القاعدة التي تنطلق منها إلى المستقبل، اهتدت إلى الركن الأهم في كل اتجاه سياسي وتنموي يستشرف للوطن غدا أفضل، وبهذا أعني المواطن الذي مثل روح مشروع البحرين الحديثة ومحرك نهضتها الخليفية بتحمله مسؤولية التصويت على ميثاق العمل الوطني وغيرها من المسؤوليات، ولهذا فمن البديهي أن تؤكد مملكة البحرين حقوق المواطنة وتعمل على تعزيزها فهما وممارسة لدى ناشئتنا في المدرسة البحرينية؛ لأن مشروع البحرين الخليفية في ظل عهد جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة -حفظه الله ورعاه- قائم في الأصل على دولة المواطنة.
   الجديد الذي طرحته وزارة التربية والتعليم في المدرسة البحرينية -حكومية وخاصة- يتمثل في إثراء المنظومة التربوية بمادة دراسية تتماشى مع روح المشروع الإصلاحي لجلالة الملك ونصه، وتعمل بشكل متواز على تنمية القيم المواطنية لدى الناشئة ألا وهي مادة التربية للمواطنة، وأصبحت هذه المادة في صدارة اهتمامات المسؤولين في وزارة التربية والتعليم يتلقاها الطالب من المرحلة الابتدائية وحتى المرحلة الثانوية بل وفي مدارج كلية البحرين للمعلمين أيضا بدءا من العام الدراسي 2004. لهذا فإن تجربة مملكة البحرين في تدريس المواطنة والتدريب عليها أضحت اليوم واحدة من التجارب الرائدة التي يُعتد بها في الوطن العربي، وهذا ما أشار إليه بعض المتدخلين في المؤتمر.
   وبعد هذا الاستطراد الطويل بعض الشيء أقول إنه في ضوء التفسير الشائع لمفهوم المواطنة العالمية والقاضي بأنها «شعور بالانتماء إلى مجتمع أوسع يتخطى الحدود الوطنية، شعور يُبرز القاسم المشترك بين البشر ويتغذى من أوجه الترابط بين المستويين المحلي والعالمي والمستويين الوطني والدولي»، فإننا ندرك أهمية الانتماء مفهوما لن ينشأ بُعده الكوني في اعتقادي من دون تجذيره في تربة محلية يكتسب معها الوطن أهميته إطارا اعتباريا جامعا تتشكل من خلال تفصيلات تاريخه وخصوصيات حاضره وملامح سيرورته المستقبلية عناصر وعي جمعي مرجعي بقيم مشتركة هي أساس الهوية الانسانية الكونية، فمعاني السلام والعدالة والعلم والإخاء واحترام الآخر لن تأتي إلينا منزلة من المريخ بل تُستنبت في الأسرة أولا والمدرسة ثانيا والحياة الاجتماعية المدنية في شتى تفصيلاتها وتعقيداتها ثالثا، ولهذا تداعياته وأولها أن من ينكر انتماءه إلى مرجعيات هويته المحلية بما هي معطى متحرك لا يمكنه بحال من الأحوال أن يتبجح بالدفاع عن القيم الكونية، فالإنسان لا يستطيع أن ينتمي إلى الكوني، وهو عاجز عن الانتماء إلى المحلي الوطني، وهو ما يجب أن يدركه البعض منا ومن حولنا. وهذا في اعتقادي مربط الفرس بالنسبة إلى بعض متاجري حقوق الانسان ممن ابتليت بهم الطبقة السياسية البحرينية، فهم في ولائهم للوطن يولّون وجوههم شطر الضفة الشرقية للخليج العربي، ويحققون أجندات بعيدة كل البعد عن استحقاقات الوطن وتطلعاته، ومن ثم لا يُمكن بحال من الأحوال أن يكونوا مستوفين شروط المواطنة العالمية كما حددتها اليونسكو مثلا التي ترى أن المواطنين العالميين هم الأشخاص الذين يسعون في طريقة تفكيرهم وسلوكهم إلى بناء عالم يتسم بالمزيد من العدل والسلام ومقومات البقاء. فسلوك سياسي يقتلع المواطن من جذوره وينكر على شقيق الوطن حضوره معه بذرائع طائفية لا يُمكن أن يستجيب لشروط المواطنة محلية كانت أو كونية.
   في رأيي الشخصي أن جهود السعي إلى نشر ثقافة المواطنة العالمية لن يُكتب لها النجاح طالما شاغلت القوى المذهبية الحكومات في غرس المواطنة المحلية في دولها، وجعل أفراد المجتمع يتعايشون وفق مشتركاتهم الوطنية. هذه مهمة ينبغي أن تتشارك أطراف عدة في إنجاحها، وأن تقف الأمم المتحدة، من خلال منظمة اليونسكو، داعما أساسيا لكثير من الدول التي تشهد صراعات إثنية وعرقية وطائفية؛ كي تنجح في تجاوز عقبات زرعتها أطماع سياسية واهية ثبت للجميع أنها تروم الهدم لا البناء.
   بناء هذا الواقع الكوني الأفضل يمر حتما عبر المدرسة، ولن ينجح إلا حين يُخلص الخطاب التربوي التعليمي عن المواطنة وفيها من لوثات الإيديولوجيا التي كلما التبست بالخطاب التربوي إلا وشوهته. شخصيا أتساءل هنا حائرا لم يَعمد البعض إلى خلط الملوثات السياسية مع الشأن التربوي أو الاجتماعي وحشر المختلفين في الرؤى السياسية في زاويتها عندما يدور الكلام عن ضرورة أن تهتم البلدان العربية بالقيم ودمجها في المواد الدراسية وفي الفضاء المدرسي؟! وأنا أستمع إلى بعض الحضور وقد انبرى في المؤتمر يتحدث عن الاستهداف والمؤامرة التي تحاك ضد الأمة العربية أتذكر جماعة «الوفاق» هنا في البحرين، فهم من تخصصوا في تلبيس الحق التربوي بالباطل السياسي كلما سددوا سهام تطرفهم إلى وزارة التربية والتعليم بمملكة البحرين وما تبذله من جهود لتنوير العقول بزرع ثقافة المواطنة بديلا عن ثقافة القبيلة والطائفة والعرق.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها