النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12101 الخميس 26 مايو 2022 الموافق 25 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

عبدالرحمن الأبنودي.. الطريق والأصحاب

رابط مختصر
العدد 9537 الأربعاء 20 مايو 2015 الموافق 1 شعبان 1436

قرأت اسم «عبدالرحمن الأبنودي» - لأول مرة - فى بداية ستينات القرن الماضي، على صفحات مجلة «صباح الخير» في زاوية بعنوان «شاعر جديد يعجبني» كتبها صلاح جاهين ليقدم من خلالها أصواتا جديدة من ديوان شعر العامية المصرية، وهو الاسم الذي اختاره «جاهين» نفسه، لكي يصف به قصائد ديوانه الأول «كلمة سلام» ليحل محل مصطلح «الزجل» الذي كان شائعا في توصيف القصائد التي كتبها «عزت صقر» و«بيرم التونسي» و«أبو بثينة» وغيرهم ممن كانوا يكتبون الشعر بالعامية في الجيل السابق.. ليحطم بذلك الوهم الشائع بأن ما يكتب بالعامية ليس شعرا، لكنه فن أدنى درجة مما يكتب بالفصحى مع أن كليهما كان يستند إلى نفس الأسس وينبع من نفس الأبحر، التي قننها الخليل بن أحمد، ويلتزم بالقافية الموحدة ويعتبر البيت هو وحده القصيدة ويدور حول الأغراض التي عرفها الشعر التقليدي من المدح إلى الهجاء، ومن الوصف إلى الغزل ومن الرثاء إلى التهاني، ومع أن أمير الشعراء «أحمد شوقي» نفسه، قد كتب بالعامية قصائده التي لحنها وغناها الموسيقار محمد عبدالوهاب ومنها «النيل نجاشي» و«في الليل لما خلى» لكن ناشري أجزاء «الشوقيات» في حياته، أو بعد مماته، بما في ذلك ما نشره «د. صبري السوربوني» في«الشوقيات المجهولة» لم يعتبروا ما كتبه بالعامية قصائد مما يليق بمكانته أن يضمها ديوان شعره، أو مجلدات أعماله الكاملة، وتعاملوا معها باعتبارها خطيئة زجلية ارتكبها أمير الشعراء.
ولم  تكن دلالة مصطلح شعر العامية المصرية الذي صكه جاهين قاصرة فقط على استرداد مكانة العامية كأداة لكتابة الشعر، ولكنها ارتبطت - كذلك - بحركة التجديد في شعر الفصحى التي حطمت عود الشعر التقليدي، وتحررت من القافية، واعتمدت التفعيلة كأساس للموسيقى الداخلية للقصيدة، وتخلصت من أغراض الشعر التقليدية لتتحول القصيدة إلى وحدة عضوية واحدة، تعبر عن ذات الشاعر، وتنبع من تجاربه وتخلو من الصنعة التي تحول الشعر إلى «نظم»، فيما عرف آنذاك بالشعر الحر، الذي بدأ مسيرته في أواسط الأربعينات في محاولات «علي أحمد باكثير» و«نازك الملائكة» وبرر بقوة فى بداية الخمسينات مع نشر قصائد «صلاح عبدالصبور» و«أحمد عبد المعطي حجازي».
أما الأهم من هذا وذاك فهو أن شعر العامية المصرية، أعاد الاعتبار للفنان الشعبي المجهول، الذي ألف السير والملاحم والأمثال الشعبية والحكم والمواويل الحمراء والخضراء، وأغاني الأفراح وتعديد مناقب الموتى التي ظلت الأجيال تتواترها جيلا بعد جيل، فاغترف من هذا التراث صوره وأخيلته، واستلهم أساطيره، ليقدم لنا فنا جميلا، أقرب ما يكون إلى روح الشعب، ما تكاد تقرأ الجيد منه، حتى تكتشف أنك تنتمى لشعب فنان بالسليقة، جاء من الأزل وسيعيش إلى الأزل.
وكما تذوقت بين صفحات رواية «الأرض» التي كتبها «عبدالرحمن الشرقاوي» طعم قريتي وشممت رائحة حقولها وعرفت بين أبطالها نماذج مما عرفته فيها من بشر، فإنني ما كدت أقرأ قصيدة «الطريق والأصحاب»، في سياق المقال الذي قدم فيه «صلاح جاهين»، كاتب محكمة قنا الابتدائية «عبدالرحمن الأبنودي» بعد أن أرسلها إليه بالبريد، حتى أحسست بنفس المذاق.
كانت القصيدة، تعبر عن تجربة الشاعر الذى يعود إلى قريته، متخما بالحنين إلى شواهد العالم الذي عاش فيه طفولته، وإلى لقاء أصدقائه لكي يستريح بين أحضانهم الدافئة من أثار تجربته في المدينة «المدينة اللي بتاكل في طريقها كل حاجة/ كل حاجة/ بياعين/ كل ناسها بياعين/ بصة الناس.. المودَّة.. بسمة الحب بتمن» بعكس قريته التي يخاطبها قائلا «يا بلدنا أحلى ما فيكي أن توبك هوّه نفسه/ البيوت لون التراب/ والوشوش لون التراب/ لو قضيت ميت ليلة طويلة/ مستحيل أقدر أقولك/ قدّ إيه إنتى جميلة/ بس لسّه سراج صحابى فيه نهار/ وأنا جي/ عشان اريح بين ايديهم بلوتي/ واطفي نار».
بعد قراءتين أو ثلاث، كنت قد حفظت القصيدة، وحين تعرفت على «عبدالرحمن الأبنودي» بعدها بشهور، كان أول ما طلبت إليه أن يسمعني إياها، وادهشني أنني وجدت فيما ألقاه، بيتا لم ينشره «جاهين»، ولم ينشر فى نصها الذى تضمنه ديوانه الأول «الأرض والعيال» وهو بيت يعبر فيه الشاعر عن صدمته، حين دخل إحدى دورات المياه العمومية في المدينة، فإذا بحارسها يعرض عليه أن يدفع قرشا، مقابل أن يسمح له بأن يقضي حاجته في العين النظيفة الوحيدة بها، التي كان يحتفظ بمفتاحها ولا يفتحها إلاّ لأصحاب القروش والكروش، فأضاف «الأبنودي» في قصيدته إلى مناقب أهل المدن، أنهم يبيعون كل شيء.
 وقد لا يعرف الكثيرون أن أبنود هي القرية التي ولد فيها عبدالرحمن، وأنه أصر حين بدأ ينشر قصائده، على أن ينسب نفسه إليها، وأهدى إليها ديوانه الأول، باعتبارها أمه، مع أن اسمه الرسمي في شهادة ميلاده، هو عبدالرحمن محمود.
أشوفك بخير يا عبدالرحمن.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها