النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

التأسيس للمستقبل المشترك

إخراج الإيمان من تسلط الفوضى

رابط مختصر
العدد 9537 الأربعاء 20 مايو 2015 الموافق 1 شعبان 1436

الذين يحاولون استبعاد المواطنية كأساس للتعايش والعيش المشترك، يعمدون– لتكريس مصالحهم وتسلطهم على الناس-على المرجعية الطائفية-بكافة ألوانها-فيخوفون الناس من أن يكونوا أفرادا فيقولون لهم مثلا: «إذا لم تؤمنوا بنا فإن صلاتكم ومعاشكم ومماتكم كمؤمنين لن تقبل» هكذا هي الأمور إذن!! واليوم حين تبدأ المجتمعات بالتعبير عن نفسها بهويات دينية أو طائفية أو عقدية فهذا يعني انتهاء الدولة والدخول في النفق المظلم من الانقسامات والصراعات والمواجهات وصناعة الكراهية المنظمة، ومهما بالغنا في الحديث عن الحوار والتسامح فإننا في ظل هذه البنى الصاعدة نعمّق أسباب التصنيف والتوصيف الفئوي ولن نجد قاعدة للمساواة بين المواطنين على أساس هوياتهم الوطنية في مفارقة عجيبة بين رفع شعارات الدولة المدنية الديمقراطية وبين تكريس الطائفية فكرا وشعارا وممارسة وانعزالا وتحالفا.
الهوية بطبيعتها ضدّية أو نافية للآخر حتى في أكثر المجتمعات تقدماً، وحتى وإن كان هذا الآخر شريكا في الوطن، المخرج الذي وصلت إليه بعض الدول أو أكثرها تقدما لتجاوز مكوناتها الطائفية والعرقية والمناطقية هو المواطنة كأساس يرتكز إليها التنوّع، يقوم على وفاق اجتماع سياسي على تجاور الهويات بميثاق وطني، شامل، يرتكز إلى التعاقد الاجتماعي: «الميثاق -القانون –الدستور»، وحده التأسيس على هذا الأساس هو المدخل لتصحيح الفوضى في اجتماعنا السياسي وعوائق تقدمنا الاجتماعي والثقافي.
في الخطابات المؤسسة على التمييز والتمايز يتظاهر البعض هذه الأيام، بأنهم دعاة تسامح، فيطرحون هذا التسامح على الأساس الطائفي- الديني التمييزي بين الناس، بعيدا عما يجمعهم، وهو إنسانيتهم التي يفترض بها ان تلم شتات الإنسان على أساس من إنسانيته والتحديات إلي تجمع بني البشر على الخير والشر، الحرب والسلم، هم يتحدثون عن تسامح الأديان، بحيث يتعايش المسلمون مع غير المسلمين ويتعايش السنّة مع الشيعة، استلهاما مما كان في الماضي، دون الاستلهام مما يجمعهم اليوم تحت مظلة الإنسانية الجامعة، والحاجة إلى التأسيس للمستقبل المشترك، وبالعودة إلى الماضي يتم استبعاد الحاضر واستبعاد المشترك الإنساني الكامن في المساواة والمواطنة، وباستحضار الماضي واستبعاد الحاضر الجامع لا نلغي النزاعات بل نكرّسها لأن الطائفيين «بكافة طوائفهم» ليسوا في الحقيقة ظل الله على الأرض بل هم ظل مصالحهم على البشر وتكريس امتيازاتهم المادية والاجتماعية المعلنة وغير المعلنة، ولذلك فإن الأفق الوحيد المتاح أمامنا كبشر هو أن نحتفظ بإيماننا الحر، بأن نخرجه من لعبة السياسة والسيطرة والمتاجرة، ونخرج الطائفيين من سلطة إيماننا وتسلطهم عليه وتوظيفه لصالحهم ومصالحهم، ولنتحرر بإيماننا الفردي يجب أن نكون مواطنين لا طوائف وقبائل ولا تبعا للفقهاء المقدسين والمرشدين الدينيين. لقد نجحت الماكنة الطائفية في جعل المجتمع يعيش اليوم بكامل طوائفه وطبقاته الاجتماعية، ازدواجية واضحة في مجال الانتماء السياسي على أسس طائفية والانتماء القومي على أسس وطنية، فالعصبية الطائفية وعي موروث من مرحلة ما قبل بناء الدولة الحديثة التي تكتسب شرعيتها لدى مواطنيها من خلال الارتقاء بالانتماءات الموروثة إلى الانتماء الوطني أو القومي، فيتجدد الوعي الطائفي الموروث من خلال النشاطات التي تقوم بها مؤسسات المجتمع الأهلي..
والحقيقة أنه لا يمكن إلغاء الطائفية السياسية إلا في إطار إصلاح تدريجي لمعوقات بناء الدولة العصرية غير الطائفية، فإلغاؤها يجب أن يأتي في سياق تطبيق الديمقراطية والليبرالية ومدنية الدولة، إذ كيف تلغى الطائفية السياسية في مجتمع يولّد طوائف وأجيالاً طائفية؟
إن من أولى الواجبات الوطنية اليوم هو تجاوز الطائفية وبناء دولة المؤسسات، والقانون وتعزيز الحكم الرشيد والتنمية المستدامة، عندئذ يأتي إلغاء الطائفية بشكل طبيعي.

عالم بلا عقل
وفي الولايات المتحدة الأمريكية تجتهد العلوم في البحث عن «جين» مفترض للإيمان»، وفي فرنسا يزدهر سوق السحرة والعرافين «أكثر من أربعين آلف عراف وقارئ للكف يعملون بشكل رسمي وبترخيص حكومي، ولهم مكاتب ومواقع الكترونية». وفي كل مكان في العالم يعود «الدين» بشكل كاسح، في حياة المجتمعات، بما يعيد على المستوى الفلسفي البحث في السؤال القديم الجديد: هل يعتبر «الاعتقاد» حاجة مغروسة في حياتنا؟ وهذا يعني انه وعندما تتعقد الحياة وتتعدد المرجعيات يصبح من السهل أكثر إلقاء الهواجس على «قوة عظيمة» خفية، وإن قوة الاعتقاد بكل مشتقاتها تمكن الإنسان على الأقل من مواجهة «قوة الموت» باعتبارها حالة عدم «ينشئها انسحاب الحياة من الجسد». أو باعتباره «صفة وجودية مُضادةٌ للحياة». فمنذ ثلاثة قرون، عملت الفلسفة والعلوم وعلم النفس على مواجهة «اللاعقلانية» في حرب لا هوادة فيها، فقد اسقط داروين على سبيل المثال بنظريته حول التطور و»مقررات» الإنجيل عن «الخلق»، أما نيتشه فقد أعتبر أن «فكرة الآلهة» قد اخترعت لمعاكسة الإنسان والحد من طموحه وإخضاعه للقوى الغيبية وإضعافه والتأكيد على عجزه الدائم أمام الحياة وأمام المجهول، أما فرويد فقد قارن المعتقدات الإيمانية للناس عبر العصور بحالة «النيفروز» الكونية التي ستشفى منها الإنسانية مع تقدمها وتطورها. الا ان هذه النظريات تراجع أثرها اليوم في الفلسفة وفي الفكر وفي الممارسة الاجتماعية، بعكس الاعتقاد في وجود الله الذي يتأكد يوماً بعد يوم، والإنسان يمضي في التعلق بأي شيء يربطه بالإيمان والاعتقاد مهما كان نوعه ومسماه، فعلماء الفلك والفيزيائيون، بعد أن كانوا يتحدثون عن «كرة البنغ بونغ» التي قذف بها في كون الحياة أصبحوا يتساءلون اليوم عما قبل «القذف» ما قبل الحياة الفيزيائية، عن «إرادة» ما وراء نشأة «الكون»، وعن هذه «الصدفة» العظيمة التي كانت وراء خلق هذا الكون، وكذلك البيولوجيون الذين يرجعون كل أشكال «الحياة» إلى «الجينات» يتحدثون اليوم عن «المهندس الأكبر» الذي «برمج» الحياة والوجود وأعطاهما معان محددة، ويقولون إن هذا المهندس لابد أن يكون «كلا علويا». أي في النهاية لابد أن يكون الله وحده.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها