النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

لماذا يغيب فقه المقاصد؟! في الطريق إلى الغلو والتوحش

رابط مختصر
العدد 9535 الاثنين 18 مايو 2015 الموافق 29 رجب 1436

جاءت الشريعة الإسلامية السمحاء رحمة للعباد وحفظاً لمصالحهم، فمقصود الشرع من الخلق أن يحفظ عليهم الدين والنفس والعقل والنسل والمال. هذا ما درسناه وتعلمناه في أبجديات درس المقاصد ونحن صغار، كما تعلمنا أن أحكام الشريعة تقوم على تسهيل أحوال العباد وتيسيرها، بما يحفظ عليهم مصالحهم، ويدفع المفاسد عنهم، لذلك كان علم مقاصد الشريعة من أهم الوسائل التي يعتمد عليها في التشريع الإسلامي، بصفته منهجاً في قراءة النص الشرعي، يسعى إلى بيان الغايات الكبرى، وضابطاً حيوياً تؤول إليه الأحكام الشرعية جميعها، فيما يستجد من قضايا معاصرة، ومن هنا، وفي ضوء ذلك يأتي الاهتمام بعلم مقاصد الشريعة الإسلامية للتوعية والتجديد وبعث الحيوية في الفقه الإسلامي، للتصدي لمستجدات العصر، بعيدا عن النمطية والتجريد، ولكن الخطاب الديني السائد عندنا اليوم، سواء بشكله ومضمونه التقليديين أو بشكله ومضمونه السياسي الذي تتبناه جماعات الإسلام السياسي، يبتعد في الغالب عن فقه المقاصد، ويقع في التكرارية والتشدد، ويبتعد عن التسامح والمرونة..
فالخطاب التقليدي السائد عبر المؤسسات الرسمية، لم يعد قادرا على الإقناع أو مغالبة السيل الجارف للأفكار المنتشرة عبر القوة الدعائية للجماعات الدينية السياسية التي تمتلك الموارد الضخمة، ووسائل الدعاية والشبكات الدولية، بما يمكنها من التغلغل بين أوساط الشباب وغسل ادمغتهم وتجنيدهم. وفشل هذا الخطاب متأت من كونه لم يتخلص من طابعه الخطابي التقليدي الباهت الدائر في عموميات تحولت لفرط ترديدها وتكرارها على مسامعنا إلى شعارات باهتة غير مقنعة وغير لافتة، فأغلب الموضوعات المطروحة تتعلق بما يحفظه المسلم عن ظهر قلب منذ نعومة أظفاره، اما اذا تغيرت مواضيع المعالجة نحو مقاربات اكثر جدية والتصاقا بأسئلة المرحلة وتحديات اللحظة التاريخية، بعيدا عن أفق التكرار، والدوران في فلك الدفاع عن كل ما هو رسمي، وهذا الفشل يترك المجال واسعا أمام خطاب الجماعات الدينية المتطرفة التي تتسم بالإقصائية المنتهية بالتكفير ومصادرة حق المخالف في الراي واستباحة دمه وماله، والتوحش بكافة اشكاله.
والمشكلة الكبرى أن الخطابين يجتمعان حول غياب المقاصد، وهي الغايات التي من أجلها وضعت أحكام الشرع، مع أن الفكر المقاصدي هو الضامن للتوازن بين الثوابت والمتغيرات، وبين المرونة والصلابة والليونة والصرامة، لأن المقاصد أشبه بالهيكل العام لعموم الأحكام الواقعة والمتوقعة، وهي الغايات والأهداف الكلية التي يرجع إليها من اختلطت عليه الأمور، خصوصاً في زمن الغلو والعصبيات والتطرف والمزايدات والمتاجرة بالدين واثارة النعرات- كما هو حاصل هذه الأيام-  ولعل الغلو والتطرف والتشدد وحتى التوحش نتائج طبيعية لغياب فقه المقاصد ومخالفة المقاصد الشرعية بما يفضي للحرج والمشقة والتشدد غير المبررين.
لقد تعلمنا من ديننا الحنيف، ضرورة الأخذ بالمقاصد في جميع تصرفاتنا، ولذلك لا يمكن أن نعقد الرأي إلا على معرفة مقاصد التشريع على اختلاف مراتبها بما يزيد المسلم فهما للفقه واستيعابا لحكم التشريع، وحسبنا من ذلك أن من القواعد الكلية الكبرى قاعدة: الأمور بمقاصدها، المأخوذة من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى).
ومن هذا المنطق، ننظر على سبيل المثال لا الحصر، إلى ما بات يعرف بموضوع (تلحين آيات من القرآن) ضمن الموشح الديني الذي غناه احد الطلاب في ملتقى للإبداع الطلابي، نظمته إحدى المدارس، وكان الطالب من خلال هذا الموشح، يمجد الله  ويتقرب اليه، وينشد رحمته، يعبر من خلاله عن حبه للخالق، ليجد نفسه في ورطة شديدة مع المشرفين على تدريبه،  ونتيجة لغياب روح المقاصد تنادت الأصوات لتعلن في حملة لا تقوم على أي أساس من التثبت او التمحيص للمناداة بإنزال أشد العقاب بمن كان وراء ما سمي بـ( التلحين)، والأهم من ذلك أن عددا من الأخوة  النواب– من باب غيرتهم على القرآن الكريم- وضعوا هذا الحادث المعزول تحت عنوان (تلحين القرآن) فتناولته الأقلام بالتعليق والتكفير والتحريض في الغالب الأعم، مع أنه كان بالإمكان تصنيفه ضمن الاجتهاد الذي في غير محله، ( ومن اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد ولم يصب فله أجر واحد) بما كان يستدعي معاملة الأمر بالترفق والتسامح والتلطف والموعظة الحسنة، انطلاقا من أن القصد سام (وهو تمجيد الله تعالى)، وإن كان الطريق اليه في بعض جوانبه تشوبه الشبهات. ولكن للأسف فإن التشدد في المواقف والمزايدة في اللغة قد قادا إلى تحويل الأمر إلى (قضية مساس بالثوابت الدينية والإساءة للقرآن الكريم)، لمجرد فعل فاعل غير معلوم قام باقتطاع لقطة من الموشح ونشرها بتقصد مثير للفتنة لإظهاره بصورة المسيء للقرآن الكريم، في حين أن مشاهدة الفقرة كاملة قبل اقتطاع المشهد منها، تبين أن الموشح قد جاء في سياق الدعاء والتوسل والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى على غرار الموشحات الدينية التي نشاهدها ونسمعها كل يوم، ولم يكن القصد في تقديري- كما هو واضح من السياق- الإساءة بأي شكل من الاشكال للقرآن الكريم، إذ كيف يصنف من يمجد الله تعالى، ويعبر عن محبته له ويتوسل إليه ويتقرب منه، على انه يريد الإساءة الى القران !!؟؟
إنه العجب العجاب!!وإنه لأمر لا يخلو من الخلط ولذلك نتساءل: أين الأخذ بالنوايا الحسنة وبالمقاصد كما يدعو ديننا الحنيف؟ ومن له مصلحة في افتعال مثل هذه القضايا وتحويلها إلى الصدارة، وإثارة الغبار لتصبح المسالة قضية رأي عام؟
 مجرد تساؤل نطرحه في سياق هذا المثال فقط للتعبير عن أحوالنا الصعبة في زمن اختلاط الحابل بالنابل..!

همسة
كان جل ما يتمناه المرء في الزمن الذي مضى-بعد السلامة والتوفيق من الله-أن يكون له في الدنيا صديق أو حبيب، فإن لم يكن فليس إلا العدم والخواء، وحياة جوفاء بلا معنى، فالصداقة والعشرة والمؤاخاة والألفة، وما يلحق بها من الرعاية والحفاظ والوفاء والمساعدة والنصيحة والبذل والمواساة، مما لم يعد يعبأ به الناس كثيرا في هذا الزمن الغريب الذي أمسى فيه المخلصون في الألفة والصداقة والمحبة «غريبي الحال، غريبي النحلة، غريبي اللفظ، مستأنسين بالوحشة، قانعين بالوحدة، معتادين للصمت، ملازمين للحيرة، محتملين للأذى، يائسين من الخلق..!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها