النسخة الورقية
العدد 11003 السبت 25 مايو 2019 الموافق 20 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:26PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

السعوديّة في القلب

رابط مختصر
العدد 9525 الجمعة 8 مايو 2015 الموافق 19 رجب 1436

   في الأيام الأولى من بدء عاصفة الحزم جمعتني وأصدقاء لي من البحرين والسعودية حوارات حول يوميات هذه العاصفة بشكل خاص، ومجمل الأحداث التي تجري في منطقتنا متأثرة بما يمور في الجوار العربي والشرق أوسطي. كنا خليطا من مشارب فكرية مختلفة، إلا أننا لم نختلف في أن عاصفة الحزم ضرورة قومية تعيد الرشد إلى من فقده وهو في سكرته المذهبية، سواء إيران أو من يمثلها في المنطقة. في غمرة صخب الحديث في تفاصيل الأحداث تنبه أحد الحاضرين إلى أن البحرينيين في المجموعة كانوا مدافعين «شرسين» عن التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وحسمها في الزمان المناسب بإطلاق «عاصفة الحزم». فما كان من هذا الصديق إلا أن رمانا بهذه الملاحظة «أراكم متحمسين للسعودية أكثر من السعوديين أنفسهم!» لم أتمالك نفسي فكنت أول المبادرين لإعادة الملاحظة حالا سؤالا على هذا النحو: «وأنت كسعودي ألست متحمسا مثلي؟» قال بلهجة سعودية اختلط فيها الجد بالعاطفة: «إلا متحمس، بس يا أخي ما أعرف! الحوثيون أيضا عرب فهل يستحقون كل هذا الاستهداف من عشر دول؟»
   ملاحظة الصديق الأخير تضمنت موقفا إنسانيا، أتفهمه وأشترك فيه معه لا محالة، ولكني أرجئ تبيان وجهة نظري في ذلك بعد أن أستكمل وإياكم بقية الحوار الذي دار بيني وبين الحضور من بحرينيين وسعوديين؛ لأن في هذا الشق الذي سأبدأ الحديث فيه به كثير من الإجابة على سؤال لماذا أنا، على الأقل، أحب السعودية والسعوديين. قلت: لا تعجب من تبنيّ شخصيا لكافة السياسات السعودية وتأييدها والدفاع عنها؛ لأن الأيام أثبتت أن السعودية على قدر كبير من الحكمة والحصافة في تبني قضايا الأمة ومشاكلها السياسية والاقتصادية، والسعي إلى حلها أو التخفيف من وطئها أينما حدثت أسواء في بلدان مجلس التعاون أو في أي بلد عربي أو إسلامي آخر. ثم إني أعبر هنا عن حب مترسخ في القلب لهذه المملكة العزيزة تعود جذوره إلى مرحلة من العمر تغطي سنوات الطفولة.
  فطنت المحيط من حولي مذ كنت أتنقل عبر بحر المحبة الفاصل بين السعودية والبحرين وقبل أن يربطنا جسر المحبة الآن مرافقا أبي الذي كان يعمل هناك في التجارة ويملك آنذاك دكانا في الخبر الجنوبية «صبيخة». ما أنا واثق من تذكره من تلك المرحلة من العمر المبكر هو أنني لم ألبس شيئا ولم آكل شيئا، ولم أفرح يوما بهدية إلا من كدّ والدي رحمه الله الذي لم يُجِد عملا مثلما أجاد التجارة في أصولها الإنسانية المتجردة من الطمع والجشع.
   كنت وأنا طفل أرافق أبي، وأمضيت معه شطرا ليس بقصير أجالس أقرانا كانوا أصدقاء لي في الخبر والخبر الجنوبية، ولي مع كل واحد منهم ذكرى أو قل ذكريات. فكل فترات الإجازات الصيفية أمضيتها في ربوع «طعوس» الثقبة وفي ملعبي فريقي «الوحدة» والشعلة«، هذين الفريقين اللذين كان صيتهما ذائعا في المنطقتين. لا وجود لهذين الناديين اليوم بعد اندماجهما الذي لا أتذكر كيف تم ولا متى وقع. هذا موجز أوردته عساه يلخص قصة العشق التي بيني وبين السعودية والسعوديين.
   بالعودة إلى الشق الإنساني من تساؤل الصديق السعودي: »الحوثيون أيضا عرب فهل يستحقون كل هذا الاستهداف من عشر دول؟« قلت للصديق إن التحالف الذي تتزعمه المملكة العربية السعودية ليس موجها إلى الحوثيين بصفتهم المذهبية أو الطائفية. وإذا أنت اعتقدت بأن هذه حقيقة فيبدو لي أنك متأثر بالبروباغندا الإيرانية؛ ذلك أن إيران تروج عبر وسائلها الإعلامية ومن خلال خلاياها النائمة واليقظة أن السعودية تشن حربا على الشيعة. فيما الواقع ينطق بأن إيران لوحدها تعمل على تفجير الأوضاع السياسية والاجتماعية لتزعزع المنطقة تيسيرا لبلوغ ما رسمته من أهداف استراتيجية نراها كلها رفعا لنهج مذهبي قائم على فكرة الولي الفقيه عمادا مذهبيا، وعلى إحياء إمبراطورية فارس المقبورة عمادا عرقيا.
   لم تهدأ الحركة الحوثية ممثلة في »أنصار الله« منذ نشأته في عام 1992 عن مشاغبة الدولة اليمنية وجلب المتاعب لها ولشعبها. ولم تسلم المملكة العربية السعودية، كجار يقع شمال اليمن، من شرور هذه الحركة إذ انها سبق وأن اشتبكت معها في ما عرف بنزاع صعدة عام 2009. ثم إن الوقائع الموثقة تشير إلى أن الصراع مع الحوثيين قد تسبب في مقتل أكثر من 20 ألف جندي، وأسفر عن إعاقة أكثر من 30 الفا من اليمنيين، وعن تهجير نصف مليون آخرين. هذه الأعداد من الخسائر البشرية الفادحة وهذه المظالم هي التي ينبغي أن تحرك مشاعرنا الإنسانية، وتدفعنا إلى الانحياز إلى الشعب اليمني بكل مكوناته ضد »الحوثيين وممثلهم «أنصار الله».
   الحوثيون لم يكتفوا بأنهم حزب خارج على الإجماع الوطني فحسب وإنما تنكروا لبلادهم وتوغلوا في عدائهم للمجتمع اليمني وللسعودية بعقد تحالفات فاضحة مع الإيرانيين لضرب الوحدة الوطنية في اليمن والاستئثار بالسلطة، وزرع وجود مادي دخيل للإيرانيين على الحدود السعودية خدمة لأجندات كثيرا ما تتدثر بذريعة المذهب كلما نقدها ناقد، فما بالك حين تهب قوة إقليمية ودولية كالمملكة العربية السعودية وتصفع هذه الفئة المتطاولة وتردها عن مساعيها المدمرة لليمن وأهله والسعودية واستقرارها.
قلت للأصدقاء السعوديين ونحن نتوادع أرجو أن يكون لحماسي الشخصي لما يقوم به التحالف، سواء من خلال عاصفة الحزم بالأمس أو من خلال إعادة الأمل اليوم له ما يبرره، ويحول دون صدور إشارات التعجب التي لمحتها على وجوه البعض منكم؛ إذ ان هذا الحماس يعود إلى عاملين اثنين، الأول شخصي مثلما عرضته ويتمثل في موجز قصة حبي الصادق للسعودية حكومة وشعبا، وهو مثال وليس حصرا لحب البحرينيين الذين يلهجون بالدعاء أن يوفق مليكها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز في تثبيت إرادة دول مجلس التعاون على إرادة من عاداهم. وثانيهما ما أتاه الحوثيون من الرزايا والخزايا التي تخدم المشروع الإيراني في توسيع نفوذه وبسط هيمنته على حساب دول المنطقة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها