النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

لحظات من الزمن الهارب..

شركاء «النخي» والمحبة ..

رابط مختصر
العدد 9521 الأثنين 4 مايو 2015 الموافق 15 رجب 1436

هنالك لحظات عديدة تمر بنا أو نمر بها، في حياتنا القصيرة تظل – رغم مرور الزمن – راسخة نستذكرها بكل محبة، خاصة تلك اللحظات التي نسجت خيوطها المحبة والبساطة...من تلك اللحظات التي استذكرها اليوم بعد مضي نحو 20 عاما، هي تلك التي ربطتني بالأخ العزيز والصديق الوفي الكاتب الصحفي المميز حسن عبد الله المدني، فقد جمعتني به زمالة طويلة، في أكثر من موقع في العمل، وخاصة في المجال الإعلامي تحديدا، عندما كنا نكتب معا سواء في صدى الأسبوع أو في المواقف، المأسوف عليهما، كان هذا قبل أن تباعد ظروف قاهرة، وأحوال متكالبة، ولكنني أحببت في هذه الصداقة الجميلة والزمالة الطويلة أننا كنا شركاء في المحبة والفكر وفي»النخي العظيم»، وكنا بالرغم من اختلاف مشربينا على صعيد الفكر، نتفق معا على ضرورة عدم الخلط بين الديني والسياسي، احتراما للدين وللسياسية معا.
كنت أقول لحسن: إن الاستبداد يبدأ من لحظة منع الحق في السؤال والمساءلة، ويبدأ من لحظة الإقرار بوجود أجوبة مطلقة ونهائية وتسخير الديني لصالح الهدف السياسي، ومواجهة النسبي بالمقدس، والعقلاني بالميتافيزيقي، وعليه فان الخلط بين البعدين يضر بالدين ويضر بالسياسة على حد سواء... لأن السياسة تتأثر بالعصبية وبالمصالح وتحولاتها وتقلباتها وأهواء القيادات والأحزاب ومصالحها، في حين أن الديني يتميز – أو يجب أن يتميز مبدئيا- بالثبات والمبدئية والتعالي على العصبيات والمصالح الفئوية.
فكان حسن يرد دون تردد: الاستبداد يبدأ من لحظة التقديس والقداسة والحديث عن امتلاك الحقيقة الواحدة الوحيدة والنهائية.. فالديني هو مجال العقيدة والإيمان وقواعد الشريعة والعبادات وهي أمور راسخة وثابتة، ولكن السياسي هو مجال المصالح العامة ونظم الحكم وإدارة شؤون الناس، وهو مجال النسبية، مجال الاجتهاد ومجال الصح والخطأ، ولذلك يوجد فرق كبير بين المفهومين اعتبارا لأن الديني هو وحي ومبادئ مقررة، أما السياسي فهو نظام وضعي بشري يبقى المقام فيه مفتوحا للاجتهاد بما يحمله من الصواب والخطأ،
كنت أقول لحسن : هنا ترتسم عندنا صور افتراضية، نمطية، لمقدسات عديدة، من خلال صورتين في أذهان عامة الناس:  الأولى صورة رجل السياسة، بوصفه «مقدساً» سياسياً، والثانية صورة رجل الدين، بوصفه «مقدساً» دينيا، وبناء على نمطية هاتين الصورتين، يتصرف الجمهور حيال السياسي والديني وكأن كل واحد فيه، من عامة الناس «العاديين»، يواجه شيئاً استثنائياً، فينتابه الخوف والرهبة منهما. ويكشف واقع الحال أن عمليات شخصنة، واستلاب يخضع لها الجمهور عندنا، كي يفتقد الناس إمكانية التعرف على السياسي والديني في واقعهما الاجتماعي، أي في سياقيهما التاريخي والسياسي، وكي يمكن تحويله إلى مجرد آلة تدار من خلال الشعارات الجاهزة التي تصنف الناس إلى مؤمنين وغير مؤمنين بالمعيار الديني، او إلى صالحين وغير صالحين بالمعيار السياسي..
وكان حسن يقول صراحة إن الديمقراطية  تتناقض مع هذه المعادلة، فالذي يتصدى للعمل السياسي يجب أن يمتلك برنامجا سياسيا واضحا يجيب على الأسئلة الأساسية ويطرح حلولا واضحة وواقعية وقابلة للتنفيذ، كما انه – حتى وان كان رجل دين بأي معنى من المعاني واشتغل بالسياسة- يجب أن يكون قابلا للمساءلة عن أفعاله وبرامجه ومقترحاته، حيث لا يُحرم الفرد في مجتمعاتنا من حق السؤال والمساءلة والنقد، هي لأنه من أبسط حقوق المواطنة وحقوق الإنسان التي أقرتها الأعراف الدولية والدساتير الوطنية.
**
وإضافة إلى مثل هذه المناقشات الجدية، فقد كان يجمعنا أيضا حبنا الكبير لــ»النخي العظيم»، الذي كنا نلتقي حوله مرة كل أسبوع في مقاهي النادي البحري بالمنامة، وفيما كان آخرون يلتقون حول بوفيهات الأطباق الفاخرة، كانت جلساتنا  المنتظمة تتمحور حول النخي والشاي، نتناوب على دفع تكلفتها.
كنت أقول لحسن: إن «النخي» عظيم ويستحق الاحترام، رغم أن البعض يعرضون عن ذكر اسمه حتى، ضمن موجة النفاق الاجتماعي والتظاهر المزيف بنوع من التعالي الكاذب، طالما ان النخي هو رمز للفقر، بما يجعلهم يتنصلون أو يدعون إنهم لا يعرفونه ولم يذوقوا طعمه منذ وجدوا على وجه البسيطة، حتى ان احدهم ادعى في احد الأيام انه لم يسمع يوما بهذا ( المصطلح).!!
 وكان حسن يقول: إنك لتبالغ في تمجيد النخي بوصفه بالعظمة، تماما مثل  تمجيدك دائما وأبدا للحمار الذي مجدته ذات يوم بوصفك إياه بأنه» أكثر الكائنات احتراما وأدبا» مع ان العالم  كله أو جله يجعله رمزا للغباء والبلادة، فأنت متطرف في الحب كما في الكراهية!!
 قلت: هذا صحيح، فالنخي العظيم مظلوم تماما مثل الحمار المحترم، فكلاهما مذموم مع انه يستحق التقدير والتمجيد، فالنخي العظيم، يسهم في إنقاذ العديد من الأسر المحتاجة فيشبع بطونها في السراء والضراء، كما انه يمتع الهواة من أمثالي وأمثالك الذين يحتفون به مرة كل أسبوع، بل حتى المرفهين من الطبقات المقتدرة يحبونه  ويطرقون بابه ولو في السنة مرة، وكذا الحمار الطيب المحترم  لأنه المؤدب والصابر والصبور على إيذاء الخلق له ومع ذلك يتعرض للضرب والشتم ويستخدم اسمه للتشبيه بالغباء مع أنه كائن ذكي.
قال: أكاد استنتج أنك تريد أن تصنع للنخي العظيم تمثالا أو تخصص له يوما للاحتفال به؟
قلت: ولم لا نفعل ذلك، وهنالك من يضع وردة أو فراشة أو حلوى رمزا وتمثالا، في حين أن الفرق بينها جميعا وبين النخي كبير، فهو طعام الفقير والمحتاج، ولذة للمستمتعين، وعلاج من عدة أمراض، ولعل أهم فضائله انه منقذ الفقراء ومسل للأغنياء وممتع للطبقات الوسطى.

* هامش
تذكرت هذا الحوار بيني وبين الصديق حسن المدني والذي مضى عليه نحو 20 عاما، وأنا أرى يوميا في طريق العودة من العمل جحافل المتزاحمين على الخباز للظفر بكيس من النخي، وكان من المطمئن أن أرى في أكثر من مناسبة عددا من أفراد الطبقة الوسطى بين المتزاحمين في أكثر من موقع يقفون في طابور النخي العظيم..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها