النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

ذاكرة التسامح في وطني

رابط مختصر
العدد 9519 السبت 2 مايو 2015 الموافق 13 رجب 1436

ذاكرة الوعي الجمعي البحريني عن التسامح ذاكرة غنية وثرية منبعها لا ينضب أبداً.. ولذا عندما حاول المشروع الطائفي الايراني من خلال اذرعته وواجهاته هنا اشعال حرب طائفية اثناء احداث 2011 لم ينجح وفشل فشلا ذريعا رغم توظيفه لجميع الامكانيات المادية والاعلامية لذلك الامر الخطير الذي كان المشروع الايراني مخططا من خلاله للتدخل في البحرين بحجة وذريعة «حماية الشيعة» وهي الحجة والذريعة «الطائفية» التي يستخدمها اصحاب المشاريع التوسعية الطائفية في كل مكان.
البحرين فطرت على التسامح بحسب التاريخ والجغرافيا.. فهذا التاريخ البحريني المديد لم يكن تاريخا منغلقا بقدر ما كان منفتحا الى ابعد الحدود وجغرافية البحرين انعمت عليها بخصال التعايش مع الاجناس والاعراق والمذاهب المختلفة منذ تكوينها الاول.. قالت اسطورة قديمة «كانت ميناء للعالم كلة» ويكفي المعنى لمن يريد ان يفهم ان اللعب على اوتار الطائفية مصيره الفشل.
لن اتوغل اليوم في اعماق التاريخ ولكنني سألتقط شواهد عايشها اهل فريجي في المحرق حيث تفتح وعينا الاول على التعايش والانسجام ليس بين الطائفتين الكريمتين فحسب بل تعايشنا صغاراً مع اصحاب اديان وملل ونحل ومذاهب كثيرة تعايشا انسانيا راقيا بفطرتنا الثقافية.
كان في فريجنا المحرقي القديم شخص ارمني تركي يسكن بيتا شعبيا أكثر تواضعا في شعبيته من بيوتنا. وداخل الداعوس أو الزرنوق الطويل نسبيا رأينا ذلك الشخص يخرج كل صباح بالبانطلون والقميص الابيض.
وحيدا عاش بيننا بدون امرأة ولا اولاد ولا أهل لم نسأل عن هذا الغريب ولم يشغلنا وجوده ولم يدفعنا حتى فضول الاطفال لاختراق خلوته وازعاجه.. واعتبرناه هكذا فرداً منا يسكن الفريج ذاته بل احببناه لهدوئه وكونه في حاله يبتسم للجميع ويمضي.
وهكذا كان بندر كار أو «عيسو الدختر» عاش بين البحارة طبيب حكومة يعالج الغواصين ثم افتتح عيادته الخاصة لسنوات طويلة على مشارف الحالة.. ولم نعرف حتى الان ديانته او مذهبه او ملته ولم نسأل عن ذلك.. ما يدل على قدرة شعب البحرين على التعايش بتسامح حضاري ومدني لافت.. وكان الجميع هكذا.
الرجال والنساء اعتبروا «عيسو الدختر» واحداً منهم وتأمل الاسم الشعبي الذي اطلقوه عليه تصغير «عيسى» ما يؤشر الى الالتحام التعايشي البسيط في مظهره الشعبي والعميق في دلالات تسامحه.
والصائغ رتيلال وهو اقدم واشهر صاغة البحرين ذلك الهندوسي الطيب عاش سنينا في فرجان المحرق القديمة ونشأ اولاده بيننا واسمينا احدهم «احمد» ولا ندري هل كان ذلك اسمه أم اطلقه عليه أهل المحرق كما اطلقوا على بندر كار الطبيب اسم «عيسو»!!
وليست المحرق استثناء.. فالمنامة وفرجانها القديمة وخصوصا القريبة والمطلة على السوق القديم.. فقد عاش فيها العشرات من كل الاجناس والاعراق والملل وتعايش الاهالي معهم في نموذج للتسامح الحضاري الراقي وفي مثال ارقى في الانسانية.
تحدثني الدكتورة بهية الجشي في لقاء وحوار اذاعي مطول قبل سنوات عن حضور اهالي فريجهم لمناسبات واعياد البوذيين والمسيحيين واليهود وسواهم من الاعراق والاديان والاجناس وكان حضورا ومشاركة طبيعية ليست مجاملة ولا نفاقا ولكنه احساس متقدم بالتعايش والتفاهم والتشارك بروح تسامحية لم تعرف الكراهية أو الحقد أو الطائفية أو العرقية أو العصبية أو غيرها.
ودعوني اسأل على هذه الخلفية التسامحية وهذا الغنى والثراء في التعايش كيف لمشروع طائفي بامتياز ان ينجح في تخطيطه واهدافه لإشعال حرب طائفية؟؟
صحيح ان الظاهرة الطائفية اخترقتنا تحت مظلة مشروعه البغيض والخطير على وحدة النسيج الوطني.. لكننا قادرون على استعادة الروابط بما تكتنز به الذاكرة البحرينية من تراث عميق بالتسامح والتعايش والتفاهم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها