النسخة الورقية
العدد 11155 الخميس 24 أكتوبر 2019 الموافق 24 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:02PM
  • العشاء
    6:32PM

كتاب الايام

حتى لا يتسع الخرق فيصعب الرتق

رابط مختصر
العدد 9519 السبت 2 مايو 2015 الموافق 13 رجب 1436

كثيرة هي مشاكلنا في الحياة، وربما سيطرت علي  عقولنا وسكنت قلوبنا في ظل تفاقمها بصورة لا نستطيع رتقها، فالخرق  يزداد كما يقولون بصورة تصعب معه رتقه. بيد أن التصالح مع الذات هو السبيل الوحيد لرتق الأزمات، فالنفس الطيبة مثل الشمس المشرقة ، يعينها الله في الأزمات، ليصير رتق الخرق عملا سهلا وسط العواصف مهما كانت عاتية، سواء تحدثنا عن عواصف سياسية في نفس الدولة، او بين دولتين أو أكثر، أو حتى داخل البيت الواحد، بين زوجين، أو شقيقين، أو بين عائلتين، أو بين حبيبين.
وأمامنا سياسة الاحتواء في عالم الأزمات الدولية، ويتم تطبيقها كثيرا إذا تفاقمت الصراعات بين مجموعة من الدول، فتسارع دولة إقليمية أو ذات شأن في هذه المنطقة وتتدخل بعدة حلول بين الجهات المتصارعة والمتنازعة بهدف احتواء تلك الأزمات بل وتجنبها لاحقا، ليسود الوئام هذه المنطقة. فأي دولة أو منظمة تتقدم بمبادرات صلح لرتق الخلافات في منطقة ما، نطلق على هذا مباشرة «مبادرة احتواء»، ومعروف للجميع أن الاتحاد الخليجي كثيرا ما يتقدم بمبادرات لاحتواء الازمات في المنطقة،  مثلما كانت المبادرة الخليجية لليمن «اتفاق السلم والشراكة» قبل التدخل عسكريا، لإعادة فرض الشرعية الممثلة في الرئيس عبدربه هادي منصور أمام هوس الحوثيين بالسيطرة على كل بقعة في اليمن على حساب الأمن والاستقرار في المنطقة الخليجية. فما تم في هذه الحالة هو الإسراع بالرتق حتى لا يتسع الخرق. وكان من الخطر ترك النسيج الخليجي يتعرض لمخاطر القلاقل التي تسبب فيها الحوثيون، فكانت الجهود الخليجية لرتق النسيج الخليجي أولا والعربي ثانيا.
الاحتواء أو سياسة الرتق التي نتحدث عنها هنا تأتي في أشكال متعددة، فمثلا يتم الدعوة لقمة عاجلة، أو تعيين مبعوث إقليمي ليقوم بدور حمامة سلام بين المتنازعين، هذا على غرار تعيين مبعوث دولي للتدخل في الأزمات العالمية والإقليمية.
سياسة الرتق ذاتها تصلح أيضا داخل البلد الواحد، عندما يشتد الصراع بين الأحزاب، أطراف في الحكومة، شخصيات سياسية مرموقة وغيرها، مؤسسات الدولة، مثل نشوب خلافات حادة بين رئيس  الدولة ورئيس الحكومة، أو كلاهما ضد رئيس البرلمان، وهكذا.. وهنا يتطلب الأمر لفرض سياسة الرتق من أجل احتواء تلك الأزمات بسرعة حتى لا يتفاقم النزاع وتنزلق البلاد الى المجهول.. وأمامنا أزمة العراق بعد الانتخابات الأخيرة ورفض نوري المالكي ترك منصبه كرئيس الحكومة حتى كادت البلاد تغرق في أزمة سياسية خطيرة لولا  تدخل أطراف سياسية ودينية لاحتواء تلك الأزمة والاتفاق على تعيين حيدر العبادي رئيسا للحكومة.
ويقولون أحيانا ان جدار الأزمة سميك، وهذا يرجع لغياب الحكمة، فهي تكون مفقودة تماما لدرجة يصعب معها تطبيق سياسة الرتق أو الاحتواء، فإذا تمادت الأزمة، ينجرف أطرافها كل في واد بعيد عن الاخر، لينجرفوا جميعا  إلى منزلقات عميقة يصعب مداواة جروحها الغائرة او حتى رتق فتوقها إذا ما اتسع الخرق على الراقع.
وقد نقول إنه من الحكمة عدم ترك الأزمات تتفاقم، فهذا في حد ذاته فن لا يتقنه إلا عقلاء الناس وفضلاؤهم. أما إذا تركنا الخرق يستفحل، فطبيعي أن يزداد الشحن بين الفرقاء، وزيادة شحناء النفوس يقود الي تراكم الغل في القلوب. وهذا هو دور الشيطان الرجيم الذي يدخل بين المتنازعين ليحرضهم ضد بعضهم البعض والإفساد بينهما. وهذا ينطبق على أفراد الأسرة الواحدة، فربما تزداد المشكلات بين الزوجين، وإذا تدخل أحد حكماء الأسرة لاكتشف أن سبب الخلاف بسيط للغاية ولا يستحق وصوله لمرحلة الأزمة، والسبب في ذلك معروف لنا جميعا، وهو اننا نجعل معركتنا مع الآخر بدلا من الشيطان.. وحتى إذا كان أحد الزوجين مخطئا أو مذنبا، فلا يكن الآخر عونا للشيطان عليه، بل الأمر الصواب هنا أن تكون معركته مع الشيطان نفسه وليس عونا له، وهنا يتم رتق الخلاف بسرعة وتجنب اتساعه. والحكمة تقول في هذا الحالة أي إذا كان الخلاف بين زوجين: «لا يستخفنكما الشيطان.. فيجعلكما كالدمى يقلبها بوساوسه، فيقلب قلوبكما بين غضب ورضا.. وحزن وسرور، ولكن وطنا نفسيكما على عداوته هو، واليقظة لمكره بكما». وأمامنا قوله عز وجل «أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ..» وقوله: «رُحَمَاء بَيْنَهُمْ..» وهو ما يجب أن يكون شعار بين كل زوجين، لينظر كل منهما إلى حق الآخر عليه قبل النظر إلى واجب الآخر نحوه. ومن يداوم على خفض الجناح والتواضع والصبر على الآخر راضيا محتسبا، فهو عمل عملا عظيما. وهنا، ليس عليه أن يستنكف أو يرى أن الآخر هو الأولى بالاعتذار أو التواضع، فيمنعه ذلك من المبادرة الي التسامح والتصالح، وهو ما نطلق عليه سياسة الرتق أو الاحتواء، ليكون النجاح سبيلنا والتراحم منهجنا في رتق الأزمات لكي نعيش في أجواء سعيدة وصحية.
فالرتق السريع للمشكلات يحافظ على النسيج الاجتماعي في البلد الواحد، فالأسرة هي وحدة المجتمع، فإذا تحلت حياتها بالسكينة والهدوء والطمأنينة والوئام، عاش المجتمع ذاته في ذات الهدوء، ولأن معظم النار من مستصغر الشرر، فحري بنا أن نتجنب العناد في مناقشة مشاكلنا والتمسك بأرائنا، لأنها ربما تكون على خطأ والرأي هو الاخر هو الذي على صواب. وحري بنا أيضا أن نتجنب الغضب حتى لا ينفجر الطرف الاخر، وهنا لن نجني سوى الخراب.
والإنسان السعيد هو من يتمسك بالحكمة وقت الغضب والزعل، فتبتعد الضغائن، ونحن نتحدث عن الأسرة أو غيرها من المجتمعات، وعلى سبيل المثال إذا كان الخلاف عائليا، فسياسة الرتق تتطلب من الزوج الزوجة التمسك بالصبر والقدوة الحسنة والخلق القويم، عملا بما جاءت به السنة النبوية في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر» (رواه مسلم). فإذا ساء الزوج من زوجته سلوكا «والوصية نفسها تقال للزوجة في حق زوجها» فعليه تذكر محاسن أخلاقها الأخرى والغالب من أحوالها، والتماس العذر لها، وليقابل إساءتها بالإحسان.
اجمالا، فإن الحكمة تقتضي التدخل سريعا لحل مشاكلنا في بداية بدلا من تفاقمها بصورة يصعب رتقها، والأمر يتطلب حزما في بعض الأمور، وحكمة في قيادة الموقف بتوازن وروية وصدق.. ومن موجبات الحكمة التمسك بخصال مهمة للغاية إذا كان الشخص ميالا الى تفضيل سياسة الرتق والاحتواء. ومن هذه الخصال التي تؤدي الى تجنب المشكلات، الاعتذار، فهو أسلوب محبب ورقيق وغالبا ما يؤتي بثمار طيبة ويمحو كل الآثار السلبية للخلافات بين الفرقاء أيا كان نوعهم أو نوعية الخلاف. ثم نأتي للخصلة الثانية وهي امتصاص الغضب أو احتواء الغضب، وذلك من خلا حوار هادئ منطقي وصادق. ثم نأتي لخصلة مهمة للغاية خاصة إذا كان الخلاف عائليا، ونتحدث هنا عن حصر الخلاف في أضيق الحدود حتي لا يتسع نطاق ثم يصعب احتواؤه لاحقا.
ومن موجبات سياسة رتق الأزمات أيضا ضرورة أن يتحلي المسؤول عن احتواء المشكلات بالحكمة والحياد وعدم المراوغة واختيار الوقت المناسب للتدخل بين الفرقاء، ثم التحلي بميزة الصراحة وهو يطرح مبادراته على المتنازعين لكي يكون واضحا مع الجميع لكي نعيش جميعا في صفاء وهدوء وسعادة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها