النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

تحصين المجتمع والدولة ضد الاختراق والوصاية

رابط مختصر
العدد 9516 الأربعاء 29 ابريل 2015 الموافق 10 رجب 1436

قامت العلاقات الدولية على مبدأ احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها وأن هذا المبدأ شكل احد أهم الركائز القانونية التي أقرّها ميثاق الأمم المتحدة، ولكن، ومع ذلك سبق للجمعية العامة للأمم المتحدة  أن أصدرت عدة قرارات لاعتماد نظام عالمي إنساني جديد يهدف إلى تقديم المساعدات للأقليات المضطهدة، وقد تبع ذلك قرارات عدة لمجلس الأمن بإرسال قوات إلى بعض المناطق الساخنة لحفظ السلام والقيام بمهمات إنسانية،  بما في ذلك الدخول إلى إقليم (تيمور الشرقية) واقتطاعه من الدولة الأم، بهدف وقف انتهاكات حقوق الإنسان هناك، و كان ذلك قرارا خطيرا، لما ترتبت عليه من  آثار عديدة تركت بصماتها على العلاقات الدولية، ومنها ما يتعلق بانتهاك سيادة الدول من خلال تشريع التدخلات المباشرة  العسكرية والسياسية، وعودة الوصايات بأشكالها القديمة والجديدة، وقد رأينا بعد ذلك الترجمة العملية من خلال عودة الوصاية في كل من أفغانستان والعراق، بالإضافة إلى المحاولات المحمومة لفرض الوصاية على إقليم دارفور السوداني..
ولعلّ  هذا التحول في اتجاه الحد من السيادة الوطنية قد جاء نتيجة تداعيات التفتّح والاندماج، التي شهدها العالم اثر انهيار المنظومة الاشتراكية وبروز كيانات وتجمّعات إقليمية، وترسّخ مسار العولمة بما أتاحه من تحكّم الشركات المتعدّدة الجنسيات والهيئات المالية الدولية في اقتصاديات الشعوب والتشكيك في الأدوار التقليدية للدولة بعد تراجع سلطاتها على الصعيد الوطني، اتساع نطاق انتهاك حدود الدولة الاقتصادية والسياسية والمساس بهويتها الثقافية الوطنية، وخضوعها لضغوطات من الهيئات الأممية والدولية، حيث  بدا واضحا أن السيادة الوطنية هي على رأس العناصر المستهدفة في مناخات التحوّلات العالمية الجديدة التي أسقطت معاني السيادة الاقتصادية والثقافية لتسقطها في تجارب أخرى على شاكلة التجربة العراقية بطريقة فجة وعنيفة في معانيها السياسية بل والحضارية والوجودية، كل ذلك باسم ديانة عالمية جديدة هي الديمقراطية الليبرالية المحفوفة بكل صنوف الشروط والتلونات الباحثة في مجملها عن الصيغة الأمثل لحماية مصالح رأس المال والمجمعات الصناعية والعسكرية، كما قد تبرز أحيانا  في صيغ الإصلاح السياسي المفروض من الخارج ، او عبر ما بات يسمى بالحرب ضد الإرهاب، بما يفتح المجال أمام مسارات غامضة مطلة على المجهول والتشكيك في قيم الديمقراطية والحداثة والتقدّم..
إن مفهوم السيادة الوطنية تواجهه اليوم العديد من المشكلات، من أبرزها:
- ما يتعلق بالتركيبة الحالية للعلاقات الدولية خاضعة لسلطة واحدة مطلقة (القطب الأوحد) وإذا أريد الإفلات من عالم (أحادي القطب) فلا مفر إلا بالانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب أو ثنائي  القطبين على الأقل،بما يمنع تفرد القطب الأوحد وهيمنته على العالم، وفي ظل الوضع الحالي وما يعيشه العالم من تنافس سلبي كبير فلا أمل يلوح في الأفق يشير إلى نهاية الاحتكار المطلق للساحة من قبل لاعب واحد، وسحق إرادات الدول الأخرى..
- ما يرتبط باتساع تأثير التيارات الفكرية والسياسية التي ظهرت في ظل التحوّلات الجديدة تدعو إلى تقليص سيادة الدولة التي لم تعد الطرف الوحيد المؤثر في العلاقات الدولية بعد بروز قوى جديدة تنافس الدولة وتشاركها في صنع القرار وصياغة السياسات الدولية، ومن هذه القوى المنظمات غير الحكومية والشركات المتعددة الجنسيات مما ساعد على ظهور خرائط جديدة للتفاعلات والمصالح الدولية قد لا تتطابق مع مصالح الدولة الوطنية، هذا بالإضافة إلى الدور المتصاعد لوسائل الاتصال الحديثة في اختراق سيادة الدول وتأثيرات المؤسسات المالية والتجارية العالمية على سياسات بعض الدول وفرض قواعدها الخاصة في التنمية،
- ما يتعلق بسياسات قوى العولمة التي تعمل جاهدة على محو الخرائط الـــجغرافية للدول الإقليمية، وعمليات التدخل تقف حائلا دون الإسراع بعمليات العولمة حيث يخلق التدخل حالات شاذة من التجزئة والكيانات الصغيرة المشوهة، وعلى هذا المنوال سيتحول العالم إلى دويلات  في حجم ورقة اليانصيب، بما يعزز النعرات القومية والقبلية والطائفية ويبعد أي فرصة للتعايش على أساس المواطنة المتساوية.
- ما بات يطلق عليه اليوم بالسيادة «فوق الوطنية» ويتجلى في مختلف المجالات المدنية والتشريعية والاقتصادية والمالية والمؤسساتية وهي مجالات كانت في السابق تعد شأنا داخليا، وهي الأنشطة التي أضحت تمارسها اليوم عديد الأطراف مثل المنظمات غير الحكومية والجمعيات والمجموعات السياسية والاقتصادية الفيدرالية إلى جانب المؤسسات المالية، وهو مفهوم آخذ في الاتساع ، باعتبار أن الجهود الدولية متجهة نحو مزيد  من التكتلات الفضاءات الإقليمية وإشراك المجتمع المدني الدولي في التقييم والمتابعة والتحكم، فضلا عن التأثير الهائل والمتزايد لتكنولوجيات الاتصال والمعلومات والإعلام، وما يطرحه من تحديات باتت تدعو إلى تجديد أدوار الدولة الوطنية لتتمكن من رفع تحديات الديمقراطية والنزاهة والعدالة والشفافية، والاعتماد على كسب ثقة الشعب باعتباره العنصر الفارق في تحصين المجتمع والدولة ضد الاختراق والوصاية، فهو من يعطي الدولة قوة الإرادة في الدفاع عن القرار الوطني وعن الهوية الوطنية وعن المصالح الوطنية، مع الحرص في ذات الوقت على كسب رهانات التقدم والحداثة والانخراط في مجتمع المعرفة وتوفير المناخ الملائم للتنمية والاستقرار والحفاظ على مقومات التواصل  مع العالم والحوار بين الحضارات والثقافات والأديان والأمم والشعوب.
 ولا شك أن الإنجاز الوطني على هذا الصعيد، في مثل هذه المناخات الصعبة يتمثل في  ثبات الرؤية الوطنية التي وضعت كل أهداف وممارسات الإصلاح السياسي رهن الجهد الوطني الداخلي الذي لا تقفز على المراحل، ولا تعنيه أجندات الخارج المفضوحة، في ارتباطاتها بلعبة المصالح، بل تركز المسار على رصد حاجيات الداخل الوطني، وموازنة خطوات الإصلاح السياسي مع جهود التطوير الاقتصادي والاجتماعي في مسار واحد، لا يفصل بين أبعاد عملية الإصلاح، بالرغم من الصعوبات والتحديات المعروفة..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها