النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

الثيوقراطية تحلق خارج الزمان والمكان

رابط مختصر
العدد 9509 الأربعاء 22 ابريل 2015 الموافق 3 رجب 1436

لقد ثبت يقيناً للقاصي والداني أن الإسلام السياسي لم يكن أكثر إيماناً وأكثر نزاهة من المواطن البسيط، كما كان يتوهم بعض البسطاء او أصحاب النوايا الحسنة، وأن المظاهر الخارجية والزي الكهنوتي لا يخفيان بالضرورة ملاكاً، وأن مفاتيح الجنة التي في حوزتهم لا تفتح سوى صناديقهم السوداء، ولذلك كان من الطبيعي أن يجد الإسلام السياسي نفيه في مأزق، نتيجة لانسحاب البساط من تحت قدميه وانكشاف بنيته الطائفية المغلقة وانتهازيته السياسية الواضحة، وعمالته للأمريكان، في إطار طائفي بعيد عن الوطنية، وذلك لأن الطائفية جزء من مشروع الشرق أوسطي تشرعن وجود إسرائيل اليهودية.
لقد كانوا يقولون لنا: إن الإسلام هو الحل، ولكنهم بمجرد ان وجدوا أنفسهم في مواجهة تحديات السلطة، لجأوا إلى مهادنة الغرب والإدارة الأمريكية، ( تماما مثلما فعل جماعة : أمريكا هي الشيطان الأكبر الذي يلتقونه كل يوم في لوزان، ويلتقطون معه الصور ويأخذونه بالأحضان)، ولم يتمكنوا من مواجهة التحديات- باستثناء تحدي السيطرة على السلطة-ولذلك لم يلمس جمهور المواطنين إلى هذه اللحظة على حلا واحدا قادما من هذه المرجعية او مستند عليها باستثناء المزيد من الشعارات الفارغة من أي محتوى واقعي.
القادمون الجدد إلى السلطة سقطوا في زمن قياسي، لأنهم لم يعمدوا إلى تغيير الخيارات الاقتصادية-الاجتماعية، فهي امتداد لما سبق وهي التزام بتوصيات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي: قرض واقتراض وإعادة هيكلة وتقليل وتقليص وخفض للتوظيف والإنفاق... ولم ينفعهم ولم يشفع لهم تبني شعار الإسلام هو الحل، الذي يقصدون به العمل على تطبيق الشريعة الإسلامية في مجتمع فقير معوز، والعمل بالمبادئ الإسلامية في المجتمع، إنها محاولة للتطابق مع الماضي المتوهم، وليس مع الواقع المعيش، إيمانا بضرورة القيام بالواجب الشرعي لتحقيق الإصلاح، وإزالة التعارض بين مبادئ الشريعة ودولة الحداثة، وترسيخ مبدأ الحرية لكل إنسان، والدعوة إلى قيام حكم رشيد قائم على العدل والمساواة بين جميع أفراد الأمة، وهي النقاط الأربع التي تشكل الأسس المشروع الإسلامي النهضوي، من وجهة نظر تيار الإسلام السياسي، ولذلك تولى التركيز على الوصول إلى الحكم باعتباره -من وجهة نظره- الوسيلة الرئيسة لتغيير الأوضاع، ولكنه في لحظة الوصول إلى الحكم طبق فقط توصيات صندوق النقد الدولي، وتوجيهات الأمريكان.
كما تميزت فترة حكم الإسلاميين القصيرة جدا بعدم تقبل أي شكل من أشكال النقد،  ولذلك كان يردون بعنف في مواجهة أي شكل من أشكال النقاش لشعاراتهم المتعلقة بالموقف من القضايا المصيرية، مع الادعاء بأنهم القيّمون على حل مشكلات الأمة باسم الإسلام الذي ينتسبون إليه حزبياً.، تماما مثلما فعل «حزب الله» اللبناني الذي ادعى أنه حزب الله، وبدا بذلك وكأنه قد أخرج كل من سواه من دائرة الإيمان.
إن التيار الذي تسنت له فرصة الإمساك بمفاتيح السلطة في عدد من البلدان العربية، قد فشل في مواجهة التحديات الكبرى، ولم يتعامل معها بجدية، حيث انصبت جهوده فقط على ترسيخ وجوده في السلطة، دون تحقيق التحول الديمقراطي المنشود، ولم ينجح سوى في إعادة إنتاج الاستبداد والتناقض مع خطاب الحداثة ومدنية الدولة شكلا ومضمونا، بما قاد وبشكل دراماتيكي إلى العودة بالمجتمع إلى النظام الشمولي، كما بينت التجربة أن قبول الإسلاميين بالديمقراطية كان يقتصر فقط على القبول بنتائج صناديق الاقتراع فقط، استنادا إلى حالة التعبئة العامة لصالحها آنذاك، والكفر بما دون ذلك، وهو الحرية ومدنية الدولة والحداثة والفصل بين الدين والسياسة والدفاع عن حقوق الأقليات، والأخذ بمبادئ حقوق الإنسان في سياقها الدولي والإنساني، بما كان يوجب على القابضين على مفاتيح السلطة تقديم اجتهادات وأجوبة جديدة  وجدية تنسجم مع متطلبات الدولة الحديثة، وهي اجتهادات ليست بالسهلة بالنظر إلى الضعف البين لدى هذه الحركات في التعاطي مع لغة الحداثة والتباين الكبير بين مختلف تياراتها وتجاذباتها السياسية ومدارسها الدينية، وقد قاد ذلك كله إلى حالة من العجز عن تقديم الأجوبة المناسبة عن أسئلة الواقع المركب والذي ورث مئات المشكلات الحقيقية، ليس من بينها القضايا الأيديولوجية والتي ليس من بينها الهوية- وأسلمة المجتمع، لأنها ليست القضايا التي ثار من أجلها الناس.
إن التحديات التي كان يجب مواجهتها بكفاءة وفاعلية تتعلق بالأمن وتوفير المال والأعمال للمواطنين، وكيفية التعاطي مع شروط البنك الدولي والاقتراض وحركات الاحتجاج الجديدة والحريات العامة والخاصة، وهي عملية في منتهى التعقيد والصعوبة، فضلا عن كيفية التعاطي مع قوى التطرف الإسلامي والحركات الجهادية الراديكالية التي استفاد الإسلام السياسي من دعمها عبر صندوق الاقتراع للوصول إلى السلطة، وكان مطلوبا منه العمل على ترشيدها والحد من غلوائها والمساعدة على إدراجها ضمن النسيج المدني الديمقراطي، ولكنه استغلها ووظفها لإخافة الآخرين والتلويح بها خدمة لأهدافه التسلطية.
لقد سقط الإسلام السياسي بسرعة غير متوقعة بالنسبة للكثيرين- ولكنها متوقعة بالنسبة للتحليل التاريخي الواقعي- سقط في مواجهة التحديات المتراكمة وتعقد القضايا، سقط لأنه تحول منذ اللحظة الأولى إلى بنية سياسية حزبية تقليدية، بمجرد امتلاكه لمفاتيح العمل  السياسي غدا أسير النفعية السياسية والحزبية، وهي نفعية دفعت بالحكام الجدد إلى إعادة ارتكاب نفس الأخطاء التي كانوا ينتقدونها بلا هوادة في المراحل السابقة، بما جعل مصداقيتهم على المحك حتى بين قواعدهم، إضافة إلى فشلهم الذريع في إدارة شؤون الدولة، واعتمادهم على (قبيلة) الجماعة ومحبيها، بدلا من الاعتماد على بنية المواطنة، وإمكانياتها بعد تفعيل دورها وتجديدها كما كان مفترضا.
إن نخب الإسلام السياسي قد عاشت وما تزال تعيش في مأزق، فهي إن كانت متعلمة أكاديمياً، فإنها تعاني من شيزوفرينيا بين يوتوبيا الدين وبين الواقعية السياسية، وإن كانت متعلمة دينياً، فإنها تأخذ المنحى النظري وتغمض عينها عن المعالجات الواقعية العقلانية،  ولذلك يبدو لي أن بقاء الإسلام السياسي في موقع المعارض هو ما يطيل في عمره، ويجعل منه مطلباً جماهيرياً، بسبب المظلومية المزمنة التي يعيشها هؤلاء، لهذا شكلت السلطة بالنسبة له على يد القيادة الأمريكية منزلقاً لإجهاضه، لأن الدين وفق المنظور الأمريكي مطلوب طائفياً فقط؛ لتمزيق وحدة الشعب، وليس مسموحاً له أن يُوظَّف كأيديولوجينا لبناء وحدة الشعب أو قوة الأمة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها