النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

سقوط وصفة أيديولوجيا الأوهام والاحتراب!

رابط مختصر
العدد 9502 الأربعاء 15 ابريل 2015 الموافق 26 جمادى الآخرة 1436

نوه جلالة الملك المفدى، خلال ترؤسه لجلسة مجلس الوزراء مؤخرا بأجواء «التسامح والتعايش التي تنعم بها البلاد، وذلك لأن مملكة البحرين تحترم جميع الأديان والمذاهب ولا يمكن أن تكون يوماً سبباً في الخلاف أو الشقاق بين أفراد المجتمع الواحد، فمجتمعنا نموذجي يحتذى به في حرية ممارسة الشعائر والانفتاح على الآخر، ولن ينجح من يلعب على وتر الطائفية والمذهبية فنحن جميعا نسجد لرب واحد ولا فرق بين أي منا سواء في العقيدة أو في المذهب»
ومن جانبه أشاد صاحب السمو الملكي رئيس الوزراء بالشعور بالمسئولية الوطنية والحس الوطني لأهل البحرين بطوائفهم كافة، «فنحن موقنون بأن جميعهم أوفياء لوطنهم ويحبون الخير له ولا مراهنة على وطنيتهم ولا تشكيك فيها، فنحن شعب واحد ولا فرق عندنا بين مواطن وآخر فالجميع سواسية وميزان التفاضل الوحيد هو المواطنة والعمل الصالح من اجل هذا البلد العزيز ... ولا مكان للطائفية أو للتطرف أو التفرقة بين الأخ وأخيه في البحرين».
أن يصدر هذا التأكيد من قمة الهرم السياسي في المملكة، من جلالة الملك ومن رئيس الوزراء في ذات الوقت، فمعناه رسالة بالغة الدلالة على ان المحاولات الطائفية المستميتة التي بذلت خلال السنوات الماضية في الداخل ومن الخارج لبناء جدار فصل طائفي بين أبناء هذا البلد، لم تنجح والحمد لله في تحقيق أهدافها بالرغم من حدة الازمة وأوجاعها، فالبحرين كانت وما تزال وطنا للجميع. وان اللغة الطائفية سريعا ما كشفت عن نفسها وأهدافها مهما تسترت بأهداب البلاغات والتوريات والمجازات، بما ذلك الشعارات التي تدعي الوطنية، كما بينت الاحداث المريرة انه وحين تستثمر قوة سياسية طائفية منظمة وممولة جيداً الوضع الذي مرت به البحرين في 2011م في مجال ادعاء تمثيلها للطائفة، وإحلال نفسها محل الوطن، وتتكلم باسمه وبالنيابة عنه( نحن الشعب)، فإن الكارثة تكون قد حلت بالفعل بالجميع، لأن ادعاء تمثل الوطن – طائفيا- هو في الحقيقة تمهيد لإلغائه، حتى وان تطلب ذلك التحالف مع عدو خارجي فعلي أو محتمل لتحقيق الهيمنة السياسية، ومن ثم تدخل في صراع شامل مع جميع المكونات التاريخية للوطن، حرثاً ونسلاً ومؤسسات ومكتسبات ومنجزات..
هذه اللغة التي تم نشرها منذ عقدين على الأقل ورعايتها وتكريسها غالبا ما كانت تبدأ بادعاء الدفاع عن « حقوق طائفة» وليس عن حقوق مواطنين، وتقسم في مرحلة أولى المناصب والمكاسب والمغانم والحقوق على أساس المحاصصة الطائفية، بما يلغى الوطن-مع أن لا احد عاقلا يرفض وضع جميع الحقوق والمناصب في سياق حقوق الأفراد كمواطنين لا غير، بحيث يكون الرجل المناسب في المكان المناسب، وتصل الحقوق إلى المواطنين سواسية، على أساس من الكفاءة والأهلية والحق..
هذه اللغة التي تطل علينا من حين لآخر أو تنشط في المناسبات، أو تجيش المشاعر وتفتعل الحملات، باتت مكشوفة تماما، ولم تعد مجازاتها وإيحاءاتها خافية عن أحد، لكونها في تقاطع تام مع تاريخ آخر لا اسم له سوى تاريخ الأوهام، الذي تصول وتجول فيه الكتابات الطائفية المتكاثرة هذه الأيام، وهي كتابات تعي طائفيتها فيدافع عنها أصحابها ويبررون اللجوء اليها عندما نناقشهم أو نجلس إليهم تبريرا، من خلال حملات معلنة ومنسقة تحت شعارات متعددة ومخاتلة في اغلب الأحيان، وبعضها أكثر حياءً فيتستر بمسميات وعناوين مظللة، تفترق عن الخطاب الطائفي التقليدي والذي قد يصنف ضمن ما يمكن تسميته فلكلور الشتائم الطائفية المتبادلة، إلا إن هذه اللغة على الرغم مما تتستر به من شعارات «ضد طائفية» تكرس واقع الطائفية، لإنها تريد في الحقيقة، استبدال ما تسميه ( سيطرة طائفية بطائفية أخرى) تماما مثل حدث مؤخرا في تكريت من عمليات قتل على الهوية وحرق ومسح للوجود على أساس طائفي لمواجهة توحش اخر لا علاقة للمواطن به..
فمن الواضع  اليوم ان الوصفة العراقية التي سعت الإدارة الأمريكية الى تسويقها علينا(كنموذج للديمقراطية الطائفية الناشئة القائمة على المحاصصة الطائفية والتبعية للخارج)، وبقدر ما نأسى للانزلاق الطائفي الذي يتجه بالعراق الشقيق إلى الانقسام والاحتراب الطائفي، بقدر ما يجب ان نستخلص الدرس من هذه التجربة الفاشلة التي تنهض على الايدولوجيا الطائفية التي تنهض بدورها على الأوهام التي تتخذ بعدا يبلغ من العمق والشمولية بحيث تصبح الدافع وراء المواقف والقرارات التي تحدد العلاقات الاجتماعية، وعندما تكون الأيديولوجيا مبنية على الأوهام، يضيق مجال العقل ويضعف تأثيره، وهذا ما يلحظه بوضوح كل متتبع للفكر الطائفي عندنا – هذا إذا ما صحت تسميته بالفكر أصلا-، فهو يبني أطروحاته ومواقفه على أساس الأوهام، وذلك لقصر نظره وسطحية تشخيصه لأمور السياسية والاجتماعية معا.
إن التنظيم الطائفي يستند إلى المجال الديني الجماعي، حتى يجعل كل من يخالف الأفكار والعادات والتقاليد السائدة وآلية التنظيم الطائفي سياسيا واجتماعيا خارجا أو حتى كافرا في نظر القيمين على صيانة شؤون الطائفية الذين غالبا ما تكون لديهم مصالح وامتيازات يبذلون الجهد للحفاظ عليها،حيث يتم ترهيب الفرد الذي يختار طريقه عن فكر ووعي في المجالين السياسي والاجتماعي، من خلال اللجوء إلى المعطى الديني الصرف، مثل الاتهام بالخروج عن منطق الطائفة، وتاريخ مجتمعنا العربي مليء بالشواهد على المعارضة السياسية والاجتماعية التي اضطرت إلى تبرير نفسها بحجج دينية أو طائفية كي تحمي نفسها من تهمة الخروج.
إن النظام المدني الديمقراطي وحده الذي يفسح المجال أمام صراع الأفكار والاتجاهات السياسية بشكل سلمي ونام ومتطور يقوم على الحوار، في حين أن الطائفية تضعها في إطار صلب فتقمعها وتمنع نموها وتطورها، وقد كانت أحداث لبنان الأخيرة، بمثابة انفجار لنظام طائفي منع التطور الاجتماعي والسياسي وقمع الأفكار الناشطة في الاتجاه المدني والديمقراطي، ولم يستطيع الصمود عندما بلغت الاتجاهات والأفكار  الطائفية مداها فكان الانهيار الذي شهدناه عندما تحولت الصراعات الطائفية إلى مأساة نتيجة التحارب الطائفي الذي يأكل الأخضر واليابس، وما نشهده في العراق الشقيق شكل واحد من أشكال هذا الانزلاق الذي يحظى برعاية محمومة ون الإدارة الأمريكية والنظام الإيراني.
ولا شك أن الخطاب المضاد للطائفية وللطائفيين، القائم على الخيار الديمقراطي العقلاني يعتبر ضرورة حياتية لازمة حيث يكون المطلوب في النهاية من القائمين على اللغة الطائفية أن يكفوا عن اللعب بالجمر الطائفي بل والسكوت عن برامج الخراب التي تقوم عليها أحزابهم وجمعياتهم... إن الوطن لا يحتمل ولا يطيق منافسة الطائفة له، لان الطائفية كفكر وكممارسة اذا ما ترسخت وحلت بدل الوطن، ضاع الوطن.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها