النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مرحلة تقاسم الأعباء (2-2)

حتى لا يتم المساس بمعيشة المواطنين

رابط مختصر
العدد 9500 الاثنين 13 ابريل 2015 الموافق 24 جمادى الآخرة 1436

وصلني عقب نشر الجزء الأول من هذا المقال عدد كبير من الملاحظات، أغلبها جاء في شكل انتقادات حادة، تدور في مجملها حول رفض أي مساس بما يسمى (معيشة المواطنين) سواء من خلال تقليص الدعم أو فرض ضرائب على الدخل أو غيرها من الإجراءات التي قد تكون ضرورية لمواجهة تحديات تراجع أسعار النفط وارتفاع فاتورة الخدمات. بل إن بعض التعليقات ذهبت إلى ما هو أبعد من هذا الاتجاه المرعوب من خطورة المساس بما استقر من ممارسات الرعاية الشاملة للدولة لأبنائها، حيث اتجه البعض إلى الشكوى من « أن الأزمات دائما يدفعها ثمنها الفقراء والفئات محدودة الدخل والإمكانيات». هذا باختصار مجمل أهم ما تلقيت من ملاحظات بشأن الدعوة التي تضمنها المقال بضرورة الانتقال من مرحلة ( كل شيء مسؤولية الدولة) إلى مرحلة تقاسم الأعباء بين الدولة والمواطنين، كل حسب إمكانياته ودخله. وأود في هذا السياق توضيح أمرين مهمين في تقديري: الأمر الأول : هو الحاجة إلى المحافظة على الرعاية والإبقاء على شبكات الأمان الاجتماعية، بالنسبة للفئات الاجتماعية الفقيرة والضعيفة أو محدودة الدخل وفاقدي السند، ضمن مهام الدولة الرئيسية لتكون الدولة هنا هي صمام الأمان الضروري للحد من الآثار السلبية للتحولات الاقتصادية، إذ تقع على عاتق الدولة مهمة تحقيق العدل وتوفير الكفاية للفرد والمجتمع في مجال الاقتصادي- الاجتماعي، خصوصا في ظل شمولية النظام الرأسمالي الليبرالي الذي يعتمد على الحرية الفردية والمبادرة الخاصة، بما يسمح بالثراء الواسع للأفراد، ولو على حساب المجتمع، وهذا ما يجعل الطبقات الضعيفة تعيش حد الكفاف في أغلب الأحيان، وعلى المستوى الكلي فإن هذه الفئات تحتاج في ظل اقتصاد السوق إلى استمرار دور الدولة الإيجابي في الاقتصاد وفي توفير الخدمات الأساسية والتدخل عند الحاجة لتعديل الأوضاع، بما يحمي هذه الفئات من مخاطر التقلبات الاقتصادية والأزمات المالية التي تعصف بالاقتصاديات الهشة، حيث يتوجب على الدولة أن تقوم بتحسين شبكات الأمان الاجتماعي، والبرامج التي تمنع الضرر الكلي على الفئات المرهقة في الحالات التي تظهر فيها الأزمات الاقتصادية، وأن تكون تلك السياسة سمة دائمة وثابتة من سمات الدولة الاجتماعية. الأمر الثاني: يتعلق بالحاجة الفعلية والعاجلة إلى الانتقال إلى مرحلة جديدة من غربلة تدخل الدولة في الحياة الاجتماعية- الاقتصادية، بترشيد وعقلنة هذا التدخل، وإعادة تخطيط الموارد والخدمات، بزيادة الموارد بحيث تغطي تكلفة الخدمات المقدمة للمواطنين، والتوقف تدريجيا عن دعم المواد التي يتم فيها الإهدار (مثل الماء والكهرباء والمحروقات) وتعويض الفئات محدودة الدخل عن ذلك نقديا. فمنذ بداية النهضة البحرينية الحديثة ارتبط الطموح الوطني العام بطموحات وتطلعات المواطنين في مختلف أوجه الحياة، ولم يكن هذا غريباً على تاريخ البلد، فقد تلاقت التطلعات الجديدة مع عراقة المجتمع، فكراً وثقافة وطموحا، ونشأت في الوعي الوطني العام علاقة عضوية تفاعلية بين التقدم الاقتصادي والصناعي والسياسي وبين هذه الطموحات التي يقتضيها زمن الاستقلال والتحرر. هكذا وجدت الدولة نفسها منذ لحظة الاستقلال في مواجهة هذه الطموحات الجارفة والمشروعة، ووضعتها الظروف في يد الدولة، التي حملت أمانتها من دون تحفظ ولا تهيّب، وما زالت تحمل هم المواطن الصحي والتعليمي والإسكاني وحتى الغذائي، إلا أنه من الموضوعية بمكان القول إنه قد آن الاوان لتعزيز الشراكة بين الدولة والمجتمع، وإن كانت هذه الشراكة تتخذ في كل مرحلة طابعاً معيناً يعبر عن وعي المرحلة وإمكانياتها، ولاشك أن المرحلة الجديدة بصعوباتها وتقلبات أحوالها وتراجع أسعار النفط في ذات الوقت باعتباره المصدر الرئيسي للدخل الوطني، مع ارتفاع مستوى طموحات وتطلعات المواطنين، تقتضي اليوم وقفة مراجعة ومصارحة بواقع الحال. إن العالم يتغير بسرعة مدهشة وإن لم نتحسب للمستقبل بإتباع سياسات متوازنة وواقعية، وبإشراك المواطنين في المعادلة، ومصارحتهم بواقع الحال ومؤشرات المستقبل، فإننا سنواجه أياما صعبة في المستقبل، فحتى في أوروبا التي ما تزال الرعاية الاجتماعية فيها أعلى درجة من الولايات المتحدة الأمريكية، فإن الحكومات وحتى تلك المنتمية إلى الاشتراكية الديمقراطية ما تزال تفتقر إلى الشجاعة والخيال، فبدلا من البحث عن موارد لتمويل الدولة الاجتماعية، فإنها تفضل خفض الدعم المقدم للخدمات الاجتماعية التي تضمن قدرا كبيرا من الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي في أوروبا الرأسمالية، إلا أنها، ومن أجل منع انهيار ما تبقّى من النموذج الاجتماعي الأوروبي، فإنها عمدت إلى تمويل الخدمات من خلال نظام ضريبي متوازن، وفقا لمستويات الدخل، مع مراعاة العدالة الاجتماعية في توزيع الأعباء على المواطنين، إضافة إنشاء الصناديق الاجتماعية التي تسهم في إنتاج الثروة وتوزيعها. وعليه فإننا لكي نضمن استمرار الحد المطلوب والمتوازن من دولة الرعاية وخدامتها الأساسية، والانصراف إلى إنقاذ أنظمة الرعاية الاجتماعية وتحسينها، علينا أن نبدأ من الآن ودون إبطاء في اتخاذ القرارات الصعبة الضرورية، مع الحرص على المحافظة على النموذج البحريني من المساواة والمسؤولية من أجل مصلحة الموطنين. وإذا كانت نجاحات مملكة البحرين السابقة والراهنة والتي تحققت بفضل السياسات التنموية الرشيدة، قد جاءت ثمرة تحقيق درجات جيدة من النمو والتقدّم، بما مكنها من الارتقاء إلى مرتبة البلد العربي الذي يحصل على أفضل المؤشرات، سواء في مجال التنمية البشرية، أو في مجال نوعية الحياة، أو في مجال التربية والتعليم، فإن الطموح اليوم لن يقف عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى العمل على وضع رؤية استشرافية بعيدة المدى لمملكة البحرين، بمواصلة الجهد لتلتحق بالبلدان الأكثر نماء وازدهارا.. إن التأسيس للمستقبل ليس مسؤولية فردية، بل هو عمل جماعي تسهم فيه كل مكونات المجتمع بمختلف فئاته، من اجل تحقيق حياة أفضل للمواطنين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها