النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10966 الخميس 18 أبريل 2019 الموافق 13 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:52AM
  • الظهر
    11:37AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

الحب المستحيل بين السياسة وزيف الترسانة الإيرانية

رابط مختصر
العدد 9498 السبت 11 ابريل 2015 الموافق 22 جمادى الآخرة 1436

ربما توقع البعض أن أكتب اليوم عن الصفقة الإيرانية – الأمريكية الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني التي لا تخرج عن كونها اتفاقا بين إثنين من الشياطين في العالم، الأول قريب والأخر بعيد ولكنه لا يعمل سوى هنا، في منطقتنا التي ضاقت ذرعا بألاعيبه وتصرفاته، فهو ترك كل هذا العالم ليقلب أحوالنا نحن فقط سكان المنطقة العربية، وكأن العالم ضاق به ولم ير فيه سوانا.
ولهذا اخترت اليوم ان أريح القارئ وأبعده نوعا ما عن أجواء الحرب والتوتر وأخبار النووي الإيراني أوالتفكير في تلك الترسانة الإيرانية المزيفة والخاوية، فما ذنب القارئ حقا في أن نرهق عقله وتفكيره، وهو الذي يستحق منا أن نفكر معه في كيفية الترفيه عنه والتخفيف من آلامه. وهداني رشدي بعد طول تفكير ان أكتب عن معاناة فئة يعانون من شيء اسمه «الحب المستحيل» او «فجر الحب الموعود».
وما أقصده بالحب المستحيل قد لمسه بالفعل شاعر الحب نزار قباني ونقله لنا أبياتا مثلما الرسام الذي يتنقل بريشته الساحرة ليلون لوحة كانت في البداية صماء عبارة عن قطعة من القماش ليخرج بلوحة فنية تخطف الابصار.. هكذا فعل قلم نزار قباني في حبه المستحيل، فقال في تلك القصيدة التي نقل كلماتها وخلجاتها وأحاسيسها الى كلمات مغناة الفنان كاظم الساهر.. وتقول أبيات القصيدة:
أحبكِ جداً وأعرف أن الطريق إلى المستحيل طويل
وأعرف انكِ ست النساء وليس لدي بديل
وأعرف أن زمان الحنين انتهى ومات الكلام الجميل
في ست النساء ماذا نقول؟؟
أحبك جداً... أحبكِ
وأعرف أني أعيش بمنفى وأنتِ بمنفى
و بيني وبينك ريح وغيم وبرق ورعد وثلج ونار
وأعرف أن الوصول لعينيك وهم
وأعرف أن الوصول إليك انتحار
لقد عرف نزار قباني أن الطريق طويل وشاق وغير معبد أمامه لينال حبيبته، ولن يلقاها بسهولة، فهو يعشق» ست الستات» ولم يتخل عن حبه وليس له بديل لانه أصلا لم يرد بديلا عن « ست الستات»، فهو أحبها، رغم يقينه أنه في واد وهي في واد آخر، وأن الوصول لعيون حبيبته بمثابة انتحار، ويكفي ما بين الإثنين من مسافات شاقة، يفصل بينهما ريح وغيم وبرق ورعد وثلج ونار.
ربما يستغرب البعض من كلامي عن الحب المستحيل، فما اتحدث عنه هو واقع يعيشه بعضنا، وربما عانى منه الكثير منا وتكدرت حياته بسببه، فأحيانا يكون هناك حب مستحيل لا يجمع بين المحبين، وقليل منهم من يدرك ان الحب مثل الشجرة يضع بذرتها إثنان ويرعيانها فتكبر وتصبح شجرة جميلة وارفة الظلال، إلا انها لم تطرح ثمرا ولكنها أعطت ظلالا ومنظرا جميلا. صحيح انها لم تثمر كما أسلفت، ولكنها منحتنا شيئا له قيمة وهو الظلال والمنظر الجميل.. هكذا هو الحب المستحيل، فليس ضروريا ان يكون مثل ما قال عنه الشعراء في دواوينهم وقصائدهم التي لن تنتهي طالما كانت هناك حياة. فالحب ليس شرطا أن يكون مثل الرواية الشرقية يتزوج في نهايتها الأبطال، ولكن ربما يكون الحب أو هكذا يجب أن يكون عبارة عن احتواء، كما انه أيضا ليس بالضرورة ان يخلق للأول، وربما كان الحب الحيقيقي للأفضل حتى لو حل عاشرا.
 ففجر الحب الحقيقي إن بزغ يوما، سيكون بالتأكيد هو الحب الموعود والمنتظر، والى ان يبزغ ذلك الفجر في حياة المحبين سيظل الحب المستحيل موجودا.. هذه ليست نظرة تشاؤمية، وإنما أراها واقعية، فاللحب قيمة عظيمة في حياتنا، وبه نعيش، ونظل ننتظره حتى يأتينا، فجرا وظهرا وعصرا ومساء وليلا، المهم أن يأتي، لا يهمنا الوقت او التوقيت، فالقيمة ليست في المكان أو الزمان، وإنما القيمة الحقيقية هي أن يأتينا الحب، أو نقع فيه نحن.
وثمة قصة رائعة طالعتها صدفة، تحكي أنه كانت هناك جزيرة تعيش عليها جميع المشاعر الإنسانية معا، وفي يوم من الأيام هبت عاصفة شديدة على تلك الجزيرة النائية وقاربت على الغرق، وارتبكت كل المشاعر وشعرت بخوف شديد بسبب تلك العاصفة العاتية جدا.
وبعكس بقية المشاعر التي ارتبكت جدا، فإن مشاعر الحب لم ترتجف مثل بقية المشاعر، فكانت مشغولة كل الوقت بصنع قارب ليضم في حضنه بقية المشاعر.. وما أن انتهى الحب من بناء القارب حتى صعدت على متنه كل المشاعر. وتقول القصة إن « العناد» رفض الصعود الى القارب وتخلف عن بقية المشاعر وبقي وحيدا في الجزيرة المهددة بالفناء، وحاول الحب اقناع «العناد» باللحاق ببقية المشاعر ليتجنب الغرق، حتى أن المشاعر ألحت على الحب باللحاق بهم وترك « العناد» وحيدا، بيد أن الحب أبى ورفض كل هذه التوسلات، فما كان من بقية المشاعر سوى أن نجت بنفسها وهربت بالقارب، وأصر الحب على الوفاء بمعانيه وكلماته وصدقه، الى أن مات غرقا مع «العناد» على الجزيرة.. هل نعرف لماذا؟.. لأن الحب «خُلق ليُحب».
ولهذا.. يقولون إن العناد قتل الحب، ولهذا أيضا، لا يجب أن نسمح بالعناد أن يتدخل في حياتنا وفي حبنا، لأنه يقتل فينا أجمل المشاعر وأصدقها وأحبها لنا ولقلوبنا ولنفوسنا ولحياتنا، فالحب حياة، والحب أمل، والحب هو اليوم وغدا وكل الأيام والمستقبل.
ومع كل هذه المستحيلات، لم ييأس نزار قباني في حبه المستحيل، فهو يواصل الرسم بقلمه وقلبه معا، وواصل الرحلة واستكمل قصيدته قائلا:
ويسعدني أن أمزق نفسي لأجلكِ أيتها الغالية
ولو خيروني لكررت حبكِ للمرة الثانية
يا من غزلت قميصك من ورقات الشجر
ويا من حميتك بالصبر من قطرات المطر
أحبكِ جداً... أحبكِ
و أعرف أني أسافر في بحر عينيكِ دون يقينِ
وأترك عقلي ورائي وأركض.. أركض خلف جنوني
أيا امرأة تمسك القلب بين يديها
سألتك بالله لا تتركيني.. لا تتركيني
فما أكون أنا إذا لم تكوني
أحبك جداً وجداً وجداً
وأرفض من نار حبكِ أن استقيلا
وهل يستطيع المتيم بالعشق أن يستقيلا
وما همني من الحب أن خرجت حيا
وما همني أن خرجت قتيلا
هكذا كان حب نزار قباني، فهو يضحي من أجل حبيبته، مثلما كانت مشاعر الحب في الجزيرة التي ضحت بنفسها في سبيل نجاة بقية المشاعر رغم إنها هي التي بدأت بصناعة القارب.
إذن.. الحب هو منجاتنا من التعاسة، وعرفنا أن العناد يقتل الحب أوقتله فعلا في حكاية الجزيرة رغم أن الحب هو الذي انقذ بقية المشاعر، الجميلة وغيرها، لولا تشبث « العناد « بعناده وصلفه، لكان الحب نجا هو الأخر مع بقية المشاعر، فالحب الحقيقي هو الذي يبقى، حتى لو جاء متأخرا. فالحب بمشاعره الرومانسية وأحاسيسه الرائعة التي تهف علينا كالنسيم، يجب أن نبحث عنه وألا نمل من انتظاره، لأنه حينما يأتي، تسعد به أيامنا وليالينا وكل حياتنا. فهو كما في قصة الجزيرة، تضحية وإيثار وصدق وتسامح وعطاء بلا مقابل.
والحب، مشاعر لا نستطيع الاستغناء عنها، وحتي وننحن ننتظره ليهل علينا، لا يمكننا الاستغناء عن أحاسيس الانتظار، ليأتي لنا بصدقه وحلاوته، لأنه في هذه الحالة يهل علينا بقلب نحبه ويحبنا، نأنس له ويأنس لنا، نبثه مشاعرنا ويبثنا مشاعره، فتتلاقى الأحاسيس، وتذوب الفوارق وتتلامس القلوب والصدور، حتى العقول تتلامس أيضا، ومن الخطأ القول هنا أن الوعي يغيب مع الحب، لأن الحب نفسه عبارة عن وعي يقيني بالوقت والمكان وحلاوته، فالمكان يزداد حلاوة، وكذلك الوقت.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها