النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

بؤس الخطاب (2-1) «تدعيش» المجتمع.. قولبة الثقافة

رابط مختصر
العدد 9481 الأربعاء 25 مارس 2015 الموافق 5 جمادى الاخر 1436

هل برزت ظاهرة داعش (كرؤية اجتماعية-سياسية-ثقافية) فجأة دون مقدمات، أم أنها ثمرة فعل يومي، ممتد في الزمان لفكر الجماعات الإيديولوجية المؤثرة في الحياة الاجتماعية والسياسية عندنا، والتي تعمل حثيثا وبعمق وإصرار على قولبة الأجيال الجديدة بشكل مؤذ وحاسم، يمنعها من امتلاك أي أفق للنظر خارج تلك القولبة؟
تلك القولبة الايديولوجية تتضمن حزمة من الأفكار والرؤى السطحية» والنهائية  والمقدسة، تشمل الحياة والموت والمجتمع والإنسان، بما يؤدي في نهاية عملية الاخضاع إلى بناء جدار إسمنتي في أذهان هذه الأجيال الجديدة التي تزج في أفق أصولي مطلق، يقود إلى إلغاء العقل والمنطق، والذات الإنسانية ( رؤية وذوقا وفكرا)، وإلى تدمير الفردية والاستقلالية الفكرية في مواجهة الرؤى ذات التأثير القدسي والتي لا ترى للفرد استقلالية خاصة، فكرا وممارسة، فالفرد في هذا السياق يفقد أي قيمة خارج إطار الجماعة الإيديولوجية الأصولية، خصوصا الدينية الطائفية منها تحديدا، لأنها لا تطيق الفردية، ولا تتحمل الحرية، ولا حق الفرد في ان يكون له وجوده الخاص، ورؤيته الخاصة للعالم والأشياء، بعيدا عن القوالب الجاهزة والتي تضع البداية والنهاية، والممكن وغير الممكن لكل شيء، فالتفكير حرام، والاجتهاد ممنوع، والشعر بدعة والمسرح فضيحة، والموسيقى كارثة، والتواشيح التي يمجد فيها الله على نحو يختلف على « الطريق الذي رسمه هؤلاء، يمكن ان يقود الى السجن والنفي والتغريب، ولم لا إلى قطع الرؤوس.
إنها ظاهرة «التدعيش» الاجتماعي والسياسي والإعلامي والثقافي التي تحاصر المجتمع وتسجنه في قوالب، لا ينبغي ان يخرج منها، وأدواته التهديد والترهيب والوعيد والتكفير للمسلمين، حتى من كان منهم من يمجد الله خارج قولبة الرؤية المحافظة المتجهمة المغلقة التي لا ترى أي مجال لأي رأي اخر او اجتهاد اخر، حتى من داخل السياق الاسلامي ذاته.
والمفارقة أن مثل هؤلاء لا يتورعون عن الحديث عن الديمقراطية والحرية وهم يمارسون اسوا انواع الانتهاك والتجاوز باسم الأيديولوجيا الأصولية، في حين أن من ابجديات الديمقراطية الحقيقية أن تكون القوانين الفاعلة في المؤسسات كافة مبنية صراحة أو ضمناً، على حقوق تكفل لكل فرد ولكل فئة اجتماعية حريات التفكير والتعبير والتنظيم والعمل في إطار ديمقراطي سلمي، بل إن المجتمعات الحديثة تشجع على الفكر والإبداع، حتى كأن الدولة والمجتمع تطالب بالمزيد من الإنتاج الخلاّق في المجالات الثقافية  والفكرية، في العلم والفكر والفن والادب، فالحق في الاختلاف والتنوع، هو الذي يقود الثقافة ويدفع بالحياة الاجتماعية كلها إلى المزيد من الإنجازات، هذا بعكس الخطاب الأيديولوجي الذي ينزع إلى الجمود والتشبث بمصالح فئوية ضيقة، ويسعى إلى استمراريته دون تغيير او تطوير ليكون مقدسا وثابتا لفترات طويلة في المجتمع، بما يؤدي إلى الفساد المولد لمختلف أشكال الاحتقانات التي ما أن تنفجر حتى تتحول إلى طوفان هائج، يدمر كل شيء في طريقه، ولذلك فإننا نعتقد أن كل مجتمع لا يختلف فيه الناس في الرأي، هو مجتمع غير طبيعي، لأن النمطية الموحدة في الفكر والموقف مرادفة للدكتاتورية والتسلط، ولأن الحق في الاختلاف يثري كل يوم حياة الدول المتقدمة والديمقراطية بألف طريقة وطريقة، لان هذا الحق مصدر هام في مجال هوية الإنسان وحقوقه الأساسية.
المصيبة ان هذا التغول للإيديولوجي الاصولي المحافظ، يتبدي، بعد ذلك، حتى في الإنتاج الابداعي، حتى في الحقل المعرفي والثقافي عند مسلماته الخاصة التي لا تقبل التغيير أو التبديل، بحيث  يصبح الأيديولوجي هو الذي يحدد مسار المعرفي، فالتبعية للانتماء السياسي الإيديولوجي صارت هي الحاضر الأهم في عموم التفاعلات، ولذلك فالسجال أصبح يتقدم على حساب الحوار، والانغلاق على الانفتاح، إنها المقدسات الجديدة التي لا يمكن المساس بها لأنها تؤدي إلى جرح مشاعر الإيديولوجيين المقدسين وثقافتهم المقدسة وأفكارهم المقدسة ووثائقهم المقدسة ورموزهم المقدسين. إن الواقع هنا يتم تصنيعه في معمل الأيديولوجيا الذي توقف التصميم المعرفي فيه، عند شعارات تفرض عليه الإذعان.
وفي ظل انتشار آفة الفكر المتطرف والعمل المتوحش المتمثلين في جماعات عديدة منها -مثالاً لا حصراً -»داعش»، أصبح من الضرورة بمكان أن نواجه واقعنا الثقافي والفكري والتربوي بدون مواربة أو تجميل، وبات من المُلح أيضاً أن نقيم متانة فكرة الدولة في مجتمعنا ومدى قدرتنا على حماية تلك الفكرة مقابل هجوم الفكر المضاد. واقع الحال يؤكد أننا لسنا بمأمن من هذه الآفة وأن «التدعيش» في مجتمعنا قد بدأ فعلاً منذ زمن، وعلينا الآن مواجه آثار التراخي الثقافي والفكري والتربوي الذي ارتكبناه وما زلنا تجاه المستترين بادعاء احتكار الدين والمروجين لاحتكار الحقيقة والتحريض على الآخر.
ولذلك لا غرابة أن تنهار فكرة الدولة في العديد من البلدان العربية، بلدا بعد بلد، دون ان نقوى على رد هذه الحالة من الانهيار، ونحن غارقون في المجاملة والخوف وتجنب المواجهة مع هذا الغول، حتى نكتشف فجأة أنها سحبت كل شيء من تحت أرجلنا ومن تحت أقدام الدولة المدنية، أو ما بقي منها، واستبدالها بجماعات متناحرة ، تكفر المسلمين الذين دافعوا عن الإسلام، عندما تطلب الامر ذلك جيلا بعد جيل، امام جحافل وموجات المغول والتتار والصليبيين، والاستعمار الفرنسي والانجليزي والإيطالي والاسباني، ولم تقو جمع تلك القوى الجبارة على انتزاع هذا الدين العظيم من القلوب والنفوس، دون الحاجة الى هذه الجماعات الاستئصالية الأصولية التي تشوه صورة الإسلام وروحه الإنسانية، بالتطرف والقسوة والتوحش.
ليس أمامنا اليوم سوى الانحياز الى الدولة المدنية، أو ما بقي منها على الأقل، دولة الحرية التي تحمي التنوع، وتضمن الحق في الاختلاف، بديلا عن الاستسلام لواقع ضاغط، بسيطرة «التدعيش» الاجتماعي والثقافي، الذي عادة ما يكون مقدمة للانهيار، لأن المجتمعات التي سيطرت عليها داعش كانت أصلا قد سقطت قبل ذلك، فكريا وثقافيا، تحت هيمنتها الأيديولوجية، كنتاج لعدم ترسيخ وتجذير الاجتهاد والتجديد الفقهي المعاصر في فضائنا الاجتماعي.
وللحديث صلة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها