النسخة الورقية
العدد 11182 الأربعاء 20 نوفمبر 2019 الموافق 23 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:36AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

لله درك يا ابن الفيصل.. تلك هي رسالتنا للجميع

رابط مختصر
العدد 9491 السبت 4 ابريل 2015 الموافق 15 جمادى الآخرة 1436

تنقل بعض الروايات عن الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين قوله: «لو لدي شخص مثل سعود الفيصل لسيطرت علي العالم».. وعندما سئل نفس الرئيس عن الرجل الذي يخشاه، أجاب مبتسما: «سعود الفيصل أدهى وأهدأ من قابلت في حياتي».. وأردف ليشرح كلامه: «حينما كنت في حرب ضد إيران جعل العالم كله معي، وبعد أن دخلت الكويت قلب العالم كله ضدي».

هذا هو سعود الفيصل عميد وزراء الخارجية العرب الذي وصفه صدام حسين بـ «الداهية» نسبة الي ذكائه ودبلوماسيته وحنكته، فالرجل ذو عقلية مرتبة يعرف ما يقول وما يريد لبلاده ولأمته، لانه يعي تماما مكانتها الإقليمية والإسلامية والعربية والخليجية، ويدرك حجم المخاطر التي تحيق بالأمة العربية عموما والخليج خصوصا. ولذا، جاء رده صعبا وقاسيا على رسالة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للقمة العربية التي استضافتها مدينة شرم الشيخ المصرية الأسبوع الماضي، وكان بمثابة درس في الدبلوماسية. فالفيصل وجه درسه القاسي لموسكو في «قطعة شكولاتة» مثلما يقولون.

وبعدما أشاد بروسيا، باعتبارها من الدول التي يحتاج العرب دعمها فى القضايا الدولية وخاصة في القضايا التي لا خلاف على تأثيرها على المصلحة العربية، انتقل الى التقريظ الدبلوماسي ليوجه اتهامات مباشرة الى سياسة موسكو الخاطئة حيال قضايا المنطقة. ووجه حديثه مباشرة للرئيس الروسي بقوله: «رئيس الاتحاد الروسي، يتكلم عن المشاكل التي تمر بالشرق الأوسط وكأن روسيا ليست مؤثرة على المشهد، وعلى سبيل المثال سوريا، هم يتكلمون عن مآسي الوضع في سوريا، بينما هم جزء أساسي من المآسي التي يمر بها الشعب السوري، يمنحون الأسلحة للنظام السوري وهناك أسلحة من روسيا ضد الأنظمة الدولية التي تعد من الأسلحة الفتاكة خاصة أن القانون الروسي نفسه يمنع روسيا من بيع السلاح للدول التي تستخدمه لأسباب الهجوم وإنما للدفاع».. لم ينته كلام الفيصل لانه يوجه سؤالا مهما للروس: «فكيف نستطيع أن نأخذ ما يملونه علينا جميعا؟».

رسالة الفيصل التأنيبية لموسكو جاءت خلال كلمته أمام القمة العربية، وهي الرسالة التي استغلها وزير الخارجية السعودي ليرد بها علي المزاعم التي وردت برسالة الرئيس الروسي الى القادة العرب المجتمعين في شرم الشيخ، وقال فيها كلاما لم يعجب الفيصل، مثل أن موسكو تقف الى جوار الشعوب العربية في مواجهة الإرهاب، وأنه يعتز بالصداقة الدائمة التي تربط بلاده  بدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. بوتين زعم في رسالته  أيضا أنه يشعر بالأسف الشديد بسبب ما يتعرض له الوضع الأمني في الوقت الحالي في العديد من الدول العربية للخطر نتيجة نشاط أعمال جماعات متطرفة وإرهابية تسيطر على مدن ومحافظات بأكملها وتسبب معاناة كثيرة لمئات الآلاف من الأبرياء، كما تدمر التراث الثقافي للبشرية الذي لا يقدر!!.

الفيصل وصف كل ما رواه الرئيس الروسي بانه «استخفاف بالعقول العربية »، خصوصا عندما اتهم موسكو ضمنا بانها لا تشعر بالكارثة التي حلت بالشعب السوري الشقيق.. ويتساءل الفيصل موجها كلامه الى بوتين وبلاده: كيف يمكن أن يدعوا إلى الحل السلمى ثم يستمروا فى دعم النظام السوري الذي فقد شرعيته وفقد كل ما لديه من اتصالات بالعالم المتحضر؟!».

ثم نأتي الي الموقف الأخطر في كلام  الرئيس الروسي في رسالته الى القادة العرب بالقمة، فهو قال إن بلاده تقف الى جانب مواطني شعوب الدول العربية في طموحاتهم وكذلك الى تسوية جميع القضايا التي يواجهونها بالطرق السلمية وبدون أي تدخل خارجي.. وهنا يتطلب الكلام الروسي وقفة مشددة، فبوتين يدعو الى تسوية جميع القضايا العربية بالطرق السلمية وبدون أي تدخل أجنبي، وهو نفسه وقف الى جانب إيران في حربها ضد الشعب اليمني، حيث دعم نظام الملالي الحوثيين هناك بالمال والسلاح والتدريب، وكأن الإيرانيين يحاربون عدوهم في اليمن.

ولم نسمع موسكو تلوم طهران على تصرفاتها وتدخلاتها في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، ونقصد سوريا ولبنان والعراق وأخيرا اليمن. ثم عندما يبدأ العرب لأول مرة في تاريخهم الحديث اتخاذ مواقف مشددة ضد كل من تسول له نفسه العمل على زعزعة أمن واستقرار المنطقة، يسارع الروس بالمطالبة بوقف الضربات الجوية للتحالف العربي في اليمن ضد مواقع ومعسكرات الحوثيين الذين انقلبوا علي شرعية الرئيس عبدربه منصور هادي، واضطروه الى الهروب من العاصمة صنعاء الى ملجأ اضطراري في عدن، ثم يتعمدوا حصاره للمرة الثانية في عدن وشن هجمات جوية مكثفة على مطار عدن ومقر اقامته المؤقت هناك، وكأننا نعيش في عالم الغاب القديم. ولم نسمع الرئيس الروسي يوجه لوما لإيران ولا للحوثيين، عندما التقت مصالحهما في العبث بمقدرات الشعب اليمني، الذي لايزال يعاني من خيانة قياداته السابقة، الذين تسببوا في فقره طمعا في السلطة.

من المؤلم أن نرى الرئيس الروسي وهو يوجه لنا نحن العرب رسائل متضاربة في المعنى والمضمون، فهو يستنكر الأعمال الإرهابية التي تتعرض لها دول المنطقة، ثم يعود ويقول إن موسكو تولي اهتماما كبيرا بالتسوية العاجلة للأزمات في كل من سوريا وليبيا واليمن على أساس مبادئ القانون الدولي عن طريق حوار شامل والبحث عن مصالحات وطنية عامة!!

لقد كثرت علامات التعجب في الموضوع رغم أني لا أحبذ استخدامها كثيرا، ولكن ماذا نفعل ونحن نسمع مثل هذه الخزعبلات التي تلقى على مسامعنا في وقت بدأت فيه الشعوب العربية تثق بقياداتها بعد القرار الحكيم بتأسيس التحالف العربي بقيادة السعودية لمواجهة إرهاب الحوثيين في اليمن، وها هو نفس التحالف العربي يقترب من نفس القرار لمجابهة الإرهابيين في ليبيا الشقيقة بعد طلب حكومتها الشرعية بسرعة التدخل العربي لوأد نار الفتنة التي كادت تقضي على الأخضر واليابس هناك.

نأتي الى الغرابة الأكثر في واقعنا الذي نعيشه حاليا، حيث خرج علينا الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله ليتوعد  السعودية بالهزيمة في اليمن، ثم يدعو جامعة الدول العربية الى المبادرة الى »وقف العدوان« والذهاب الى الحل السياسي. فمسؤول حزب الله الذي تغنى باسمه الشباب العربي في بعض الفترات، خانه التوفيق عندما قال إن من حق الشعب اليمني المظلوم والمضطهد والعزيز والحكيم الشجاع وصاحب العزم والارادة ان يقاوم ويدافع ويتصدى للعدوان السعودي.. وكان حري به أن يدعو الحوثيين ومن يدعمهم الى الرأفة بالشعب اليمني ووقف حروبهم الإرهابية هناك وسرقة أسلحة الجيش وتهديد أمن الوطن، علما بأن الحوثيين هم الذين بدؤوا بالغدر والحرب ورفضوا الالتزام بالمبادرة الخليجية.

حاول مسؤول حزب الله استخدام ألفاظ لعلها تجذب إليه عاطفة الشباب كما كان في السابق ففشل، وفشلت دعوته شعوب الدول العربية الى إعلان العصيان المدني ضد قياداتها بسبب حرب التحالف ضد الحوثيين في اليمن، وتناسى أن الشعوب ذاتها زهقت من الحروب الكلامية التي يجيدها حسن نصرالله والتي تسببت في إغراق لبنان في ديون لا حصر لها، بسبب استخدام إيران له كأداة في مواجهة إسرائيل ولكن على أن تكون خارج الحدود الإيرانية بالطبع، ثم يدفع المرشد الإيراني بعض الدراهم لمصابي ومفقودي الحرب.

لقد اكتشفنا -واعتقد أن نصر الله يتفق معنا- بعد التدخل العربي لانقاذ شعب اليمن وسلطته الشرعية، أن إيران ما هي سوى »نمر من ورق"، فهي تتوعد بالدفاع عن كل ما تدعمه، ثم نراها تتخاذل وتتراجع بعدما تبين لها قوة العرب ووحدتهم في اتخاذ قرارات مصيرية، خاصة وان القمة العربية جاءت بأهم قرار في تاريخ العرب الحديث وهو تشكيل قوة عربية عسكرية مشتركة تكون حصنا لهم في مواجهة الأزمات وأي تحد يتعرضون له.. فكانت الرسالة العربية بالغة القسوة لكل من تسول له نفسه بتهديد مستقبل الأمة العربية وشعوبها. فقد توقعنا أن تصل الأساطيل الإيرانية الى منطقة الخليج لتدمره كما أسمعنا كثير من القادة العسكريين الإيرانيين من قبل وقدرتهم على تدمير المنطقة خلال بضعة ساعات وأنهم سيحرقون أرض من يقترب من مصالحهم، وها أننا لا نسمع إلا ضجيجا. لقد أعاد القادة العرب الثقة  لشعوبهم، وأكدوا أن عقارب الساعة لن تعود للوراء، وأن استخدامهم لمنطق القوة ينبني على الحق، وأن هذا المنطق قد أصبح مبدأ عاما في إدارة شؤون المنطقة بعيدا عن الأمريكان وغيرهم ممن يتوهمون أنهم أصحاب اليد الطولى فيها.

لقد صدقت رؤية القادة العرب، وكذبت إيران ولم نر أساطيلها تقترب من الخليج، وكذلك ابتعدت أمريكا التي أدركت بلا شك أن دورها انتهى في الشرق الأوسط، فمع تغير الأزمنة، تتبدل معادن القادة أيضا.. وتلك هي الرسالة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها