النسخة الورقية
العدد 11092 الخميس 22 أغسطس 2019 الموافق 21 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:08PM
  • العشاء
    7:38PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

مفاوضات النووي الإيراني!!

رابط مختصر
العدد 9490 الجمعة 3 ابريل 2015 الموافق 14 جمادى الآخرة 1436

جلست يوم الثلاثاء الماضي أترقب ما قد يتسرب من أخبار عن المتفاوضين بشأن النووي الإيراني في لوزان بسويسرا؛ أي بين الدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن وألمانيا زعيمة أوروبا اقتصاديا وسياسيا، أو ما بات يُعرف بـ 5+1 مع إيران، وقد بدت الأخبار شحيحة. كنت أظن بأن المتفاوضين سيصلون إلى اتفاق ينهي الجدل حول هذا البرنامج، غير ان شيئا من ذلك لم يتحقق بعد. جاءت أول التصاريح من مفاوض إيراني قال فيه: «المحادثات بشأن النووي تتقدم لكن ببطء». أما في الساعة السادسة والربع تقريبا فقد ورد خبر منقول عن صحيفة نيويورك تايمز يقول: «يبدو أنه تم الاتفاق على الإطار العام مع ترحيل النقاط الشائكة حتى شهر يونيو القادم». أما آخر ما استطعت أن أضمنه مقالي هذا قبل أن أرسله للنشر فهو تصريح لمسوؤل أمريكي يقول فيه: «محادثات النووي الإيراني في لوزان قد تتواصل غدا الأربعاء». تساءلت: أيُعقل أن يكون لإيران كل هذا الثقل والهيلمان، أم أن في الأمر شيئا ما؟
استنجدت بالتاريخ على أن أجد فيه جوابا، فاستحضرت بعض حوادثه لأجد فيها أن في ذاكرة هذا التاريخ قد سُجلَّ أن كل المسائل والقضايا التي تكون خارج إطار الدولتين المتجاورتين ولها انعكاساتها وتأثيراتها في المجتمع الدولي مثل: النزاعات المسلحة، أو الأزمات الاقتصادية، أو القضايا البيئية الكونية الكبرى، عادة ما تكون المفاوضات حولها بين دول تكون أندادا، كما كان يحدث مثلا بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية في فترة الحرب الباردة وقبلها بشأن الأسلحة النووية والصواريخ البالستية بعيدة المدى وقصيرها. أو مثلما كان يجري بين الهند وباكستان، غير انه نادرا، أو يكاد يكون الأمر مستحيلا، أن يُفتح حوار مع دولة لا وزن لها في موازين القوى الدولية الكبرى، وأثرها محدود من حيث وقعها في قضايا العالم، مثلما هو واقع اليوم مع جمهورية إيران الإسلامية. والأغرب من كل ذلك أن تتمدد هذه العملية التفاوضية لتستغرق في أشكال مضنية زمنا كبيرا من دون التوصل إلى اتفاق حتى يوم الثلاثاء الماضي الذي كان آخر أيام الأجل المتاح لبلوغ نتيجة ما.
الصورة اليوم لمن يتابع الملف النووي الإيراني تبدو مشوشة، غير واضحة. وتطرح مجموعة من الأسئلة اللاهثة التي تبحث لها عن إجابات مثل: من في هذه المفاوضات يداهن من؟ أو مَن مِن هذه الدول المتفاوضة يحتاج إلى مَن؟ أو من له القدرة على فرض شروطه على الآخر؟ فمنذ أربع سنوات، أي منذ اندلاع ما سمي بـ«الربيع العربي»، ونحن نلحظ، أو هكذا يبدو، تزايد مغافلة المفاوض الأمريكي للعربي الخليجي بهدف تسجيل النقاط لصالح المشروع النووي الإيراني، هذا المشروع الذي يشكل خدمة استراتيجية لمشروع الإمبراطورية الفارسية التي لا تكف الرموز الدينية والسياسية عن ترديده في كل آن وحين، تحت يافطة ولاية الفقيه في دول الخليج العربي، مثلما حققت وجودا له في لبنان بخلق ذراع طويلة هناك أسمتها «حزب الله»، وكما استطاعت أن ترصف لهذا المشروع طريقا في كل من العراق وسوريا. وكادت اليمن تسقط في فخه لولا اتخاذ خادم الحرمين قرارا حكيما سوف يخلده التاريخ عندما بدأ عاصفة الحزم؛ لحسم الموقف الخليجي من التلاعب الإيراني بمصير العرب في الخليج العربي.
لقد طلبت إيران بمشروعها النووي فرض إرادتها على دول الخليج العربي؛ لتعربد مثلما يحلو لها، وتحول أقوال مخبوليها من الملالي إلى أفعال، فتضم ما تريد ضمه من أراض عربية كابرا عن كابرا، وتعبث بتوازن المنطقة واستقرارها السياسي. وقد وجدت والحق يقال في التواطؤ الغربي، رغم بيانات الاستنكار والتنديد وإعلانات العقوبات، ما جعلها تتمادى في مشروعها التدميري، ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن ماراثون المفاوضات خدعة تخفي صفقات مشبوهة لا أراها غريبة عن البراجماتية الأمريكية وشعارها الأشهر: «لا وجود لصداقات دائمة ولا لعداوات دائمة، فالدائم الأوحد مصالحنا»، فهل فرضت المصلحة على أمريكا وأتباعها غض الطرف عن العبث الإيراني؟ أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟  
تبدو الفوارق واضحة بين القوى المتفاوضة ولا تحتاج إلى مجهر للكشف عنها، وذلك من خلال ما يُطلعنا عليه ضاهر الصورة وباطنها من مستوى متطور بلغته دول أوروبا بشكل عام، ومن تضورات الجوع وأنين الحاجة التي يكشف عنها الفقر المدقع لدى فئات واسعة من الشعب الإيراني ممن ضحى الملالي بقوتهم في سبيل اللهاث وراء وهمي تصدير الثورة وبناء القوة النووية الإيرانية. وإذا كان مقياس المقارنة ينبئنا بأن الفوارق التي تفصل بين الطرفين المتفاوضين متنوعة ومتعددة؛ إذ هي عسكرية في المقام الأول، اقتصادية وتكنولوجية في مقام ثان وسياسية وثقافية وووو... فإن ذلك لمما يؤكد أن الهوة الفاصلة بين طرفي التفاوض واضحة للعيان. هذه المقارنة البسيطة تفضي إلى استنتاج يفيد أن إيران ليست ندا للدول الكبرى بأي معيار من المعايير. ويمكن القول إنه إلى جانب هذه الفوارق الضخمة هناك ما يمكن أن يشكل مهانة لهذه الدول التي ترضخ إلى التفاوض مع دولة راعية للإرهاب وداعمة له. والأمثلة على ذلك تملأ عين الشمس. أول هذه الأمثلة الجمعيات الراديكالية المذهبية الشيعية في البحرين، وثانيهما «حزب الله» في لبنان الذي يضيق ذرعا به المجتمع اللبناني المتمدن، ثم «أنصار الله» في اليمن ثالثا. فهل، يا ترى، تفضي هذه المقارنة، وهذه الحقائق، إلى استنتاج يصب في مصلحة إيران؟ أم أن ذلك يعني التغافل والتغاضي عن كثير من المصالح الحيوية المشتركة بين الدول العربية والدول الأوروبية؟ أحقا تمتلك إيران قوة نجهلها نحن ويعلمها الطرف المفاوض لها؟ ورغم أني لست مع نظرية المؤامرة، إلا أني أبيح لنفسي طرح هذا السؤال: هل في الأمر تحالفا غير معلن ضد العرب ومصالحهم الحيوية بل قد يكون ذلك ضد وجودهم أصلا؟
 مهما شط بنا الخيال فإني أعتقد أنه لا يمكن قياس ما وصلت إليه جمهورية إيران الإسلامية اليوم وهي، في ظل حكم الملالي، في مرحلة مازالت فيها تتهجى الحروف الأولى لأبجدية التطور مقارنة بما وصلت إليه أمريكا ودول أوروبا الغربية منذ قرن أو يزيد. الفارق جد واسع ويتسع أكثر فأكثر مع طالع كل شمس، فشتان بين تصدير التكنولوجيا والصناعات الثقيلة والكماليات بكفاءتها العالية وبين تصدير السجاد والفستق. وفي كل الأحوال أبقى مصرا على موقفي الأول، فلا ينبغي أن يكون التفاوض إلا بين ندين، وإن المقارنة بين وتائر التطور في البلدان الغربية مع ما يتم الآن في إيران لا تتيح مجالا للعقل بأن يقرر أن هذه الأطراف تشكل أندادا، إلا إذا كان في المجهول مخبوءات ستكشف عنها نتائج هذه المفاوضات، سواء نجحت أم انهارت، فلننتظر! فإن غدا لناظره قريب..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها