النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

..أوان مواجهة التصحر والتدعيش

رابط مختصر
العدد 9486 الأثنين 30 مارس 2015 الموافق 10 جمادى الاخر 1436

الذين يحاولون تصوير ظاهرة داعش على انها مجرد فقاعة طارئة على المجتمع وعلى حياتنا، يخطئون كثيرا، لأنهم يصورونها خارج السياقات والحواضن الاجتماعية والثقافية التي تحتضنها او تمهد لها، في حين انها في الواقع المشاهد بالعيان هي واضح لبعض مكونات وبنى الواقع العربي، ومؤشّر موضوعي للمدى الذي يمكن أن تصل إليه الانهيارات السياسية والثقافية والمجتمعية، ومدى حالة التشوه الفكري والاجتماعي والسلوكي الذي تسلل الى حياتنا، بعد توقف عوامل النهضة والتراجع عن الثوابت العربية والمدنية التي تم تأسيسها عبر دولة الاستقلال، ومع استشراء موجة الحركات الرجعية الأصولية والطائفية التي رافقت انكسار المشروع العربي في العقود السابقة..

الحقيقة المرة أن هذه الانكسارات مهدت لنمو فكر طفيلي مختل ومريض العرب أو كأنّه “كائن غريب” عن مخرجات الأنظمة السلطوية الفاسدة من جهة، وجد في السياقات الاجتماعية المتردّية، وجمود المنظومة الفقهية والفكرية والاختلالات التي تعاني منها مجتمعاتها البيئة الخصبة اللازمة لذلك. ويمكننا ان نميز هنا بعض اهم خصائص هذه الخطاب المؤسس للتوحش والقتل، فهو في البداية يدعي احتكار الحقيقة والتعبير عن الإسلام « الأصلي» وادعاء النيابة عن الأمة وامتلاك القدرة على فرز المجتمع على أساس مؤمنين وغير مؤمنين. ولذلك لا يطرح سوى الأسئلة البعيدة عن حقيقة أزمة المجتمع، يتحدث عن الهوية والتغريب والإيمان والكفر والخلافة والأمة، بدلا من الاستجابة لتحدي واقع معقد تتقاذفه مصادر تأثير مختلفة متباينة، تتصدرها أسئلة التنمية والتحرر وهموم الناس التي تعاين بتوجس وارتباك واقعا مرتبكا متقلبا واوجاعا اقتصاديا وواقعا سياسيا متشنجا تخترقه التناقضات السياسة ومصاعب التنمية والتي من أبرزها تفشي البطالة والأزمات المالية والاقتصادية المتكررة وعدم الاستقرار الاقتصادي وصعوبة توفير لقمة العيش او السكن والاستقرار والثقة في المستقبل.. وهذا لا يعني ان أسئلة الهوية المرتبطة مباشرة بالانشغال الديني لا يمكن ان تلح علينا كأفراد او كمجتمع مسلم، بل ان هذه الاسئلة ما فتئت تتوسع وتتجذّر في مواجهة تحديات الحداثة والتقدم والمواطنية العالمية وليس بموازاة الكفر والايمان مثلما يحاول هؤلاء طرحها عبر الاسئلة المزيفة، فهذا المجتمع المسلم ليس في حاجة الى من يذكره بحقيقة هويته، فقد حافظ على الاسلام 15 قرنا في العقول والقلوب في مواجهة العدوان الخارجي بلا هوادة، ولذلك لسنا في حاجة لمن يعلمنا ديننا، لأنه أصبح جزءا من نسيجنا وجيناتنا. حتى في ضوء تنامي التأثير الإعلامي الذي ينسج بقوة سطوته عالم «الحقيقة» في الأذهان، كما يريدها أصحاب المصلحة والتخطيط والتمويل لتتحول هذه «الحقيقة» إلى مقدس لا يرتقي إليه الشك في نظر وعي عام يمتلك استعدادا تلقائيا للتسليم والتصديق في ظل خفوت الوعي الفكري الحي، وسيطرة نوع من « الفكر» الطائفي ضيق الأفق والذي يجر الناس إلى التقاتل، بترسيم حدود وأسوار بين المواطنين على أساس ديني وطائفي، كما يتسم هذا الخطاب في نسخته الاكثر تشددا بغياب فقه المقاصد الشرعية، وهي الغايات التي من أجلها وضعت أحكام الشرع، وبتهميش فقه الحياة والمجتمع وتغييب دور المرأة الإصلاحي وتهميشها فكريا، حيث يركز الخطاب الموجه للمرأة على حجابها، مع تغييب شبه كامل للدور الذي يمكنها تأديته فكريا وثقافيا واجتماعيا. ولذلك نتساءل: أليست أفكار التدعيش-ان صح التعبير-منبثقة من هذه الخلفية والقائمة على منطق التكفير والتحجر والجمود ورفض فتح باب الاجتهاد، وعدم الاعتراف بالتعددية الفكرية والمذهبية، فما بالك بالسياسية والحزبية والدينية، وتضليل المخالف في الرأي، واعتباره مارقا يهدر دمه وينكل به؟ حيث لم يعد احد في مأمن من التجريم والتهام بالخروج عن الصّراط ودعوة النّاس إلى الضلالة ولذلك نتعرّض إلى مناورات من أكثر من منبر دعائي للفكر التّحديثي ويصبح كلّ من يبدع داعية ضلالة، ولا نعرف ماهي المسوّغات التي يشرّع بها أصحاب الظّلام ضوابط الدّخول والخروج من الجنّة، فقد كنّا نخال أنّ صكوك الغفران ليست من ثقافتنا وأنّ الإكليروس والوسطاء الدّينيّين ليسوا من عجينة حضارتنا العربية الإسلامية.

لكن الأخطر في هذا الامر هو غياب المثقف المستنير او غيبوبته، ضمن البنية الثقافية للخوف التي تجعل المثقف يهرب من المنازلات الفكرية، ومن مواجهة استحقاقات الواقع ومتطلبات الموقف الفكري والسياسي في ذات الوقت، فهو يخاف من مواجهة القوى المحافظة، فيجاريها او يسكت عنها أو يجاملها، أو ينسحب الى غياهب الصمت، مفضلا الجلوس على الربوة، أو أو التظاهر بالتعالي على» سفاسف الصراع»، في الوقت الذي يشهد فيه قوى التخلف والغوغائية والرجعية الفكرية والسياسية، أسوأ فصول الانتشار والتأثير والتحكم.

إن الصمت السائد اليوم بين أوساط المثقفين، والانسحاب قد يكونان تعبيرا عن موقف، ولكنه يظل موقفا سلبيا، وغير فاعل، وإذا كان ميزان القوى يميل الى صالح القوى المحافظة والمضادة للتقدم والحداثة، فإن الصمت يكون تقوية لهذا الموقف ومساندة له. فالمثقف لا يكون مؤثرا إلا إذا كان ملتزما بالتعبير عن حركة التاريخ ومضطلعا بمهمة التنوير، ومستقلا (عن الطمع والهوى)، ولن يكون مستقلا إذا كان مسلوب إرادة العقل، 

ان المعركة اليوم هي معركة الدفاع عن المجتمع واستقراره وتنميته وحريته وحداثته في ذات الوقت، ولذلك فإن الذي يتخلف عن الوقوف مع الوطن ومصلحته، يكون قد تخلف عن أداء رسالته، ولذلك لا افهم كيف يمتنع المثقف عن الإدلاء برأيه في مجتمع يشهد تحولات ومخاضا متعدد الأبعاد، ويواجه تحديات كبيرة. ففي الغرب، تتأسس قوة المثقف من جرأته وثقته بنفسه أو تحرره الكلي من مختلف أشكال الخوف، يقوده التساؤل الحي والنقد البناء الى المشاركة في الارتقاء بالمجتمع، بعيدا عن سيادة اليقين والتلقين والامتثال، وذلك أن تلك البلاد توقفت عن أن تكون بلاد الخوف، بينما المثقف في ديارنا العربية، تتناهشه أشكال لا تحصى من الخوف، من كل شيء، حتى من نفسه ومن افكاره التي تراوده ولا يقوى على البوح بها حتى لنفسه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها