النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

تونس لا يهزمها الإرهاب المتوحش

رابط مختصر
العدد 9478 الأحد 22 مارس 2015 الموافق 1جمادى الثاني 1436

بالرغم من ثقل حصيلة العمليّة الإرهابيّة التي طالت متحف باردو الأثري في العاصمة التونسية، وتأثيرها الفوري والمرتقب على الاقتصاد التونسي وعلى الحياة العامة في هذا البلد العربي المستقر نسبيا، مقارنة ببلدان الربيع العربي الاخرى، فإن الأهم من ذلك في تقديري، هو الرسالة التي يحملها هذا العمل الإرهابي الجبان المتوحش والمجنون، والموجهة إلى هذا البلد العربي الذي نجا من مأزق الفوضى والتفكك، وتمكن من تحقيق التحول الديمقراطي سلميا، وارساء التداول السلمي على السلطة دون أي اشكال كبير، الرسالة كما افهمها تقول: إن الجماعات الإرهابية المدنية المتوحشة التي تدعي الارتباط بالدين والنطق باسمه، أصابها السعار بعد نجاح تونس في إرساء تجربتها الديمقراطية على أسس من التوافق الوطني الواسع، وتكريس مدنية الدولة والحريات العامة والخاصة «خاصة حرية المرأة»، وضمان التنوع الفكري والثقافي والسياسي، وبناء الشراكة الوطنية على نطاق واسع وحضاري. فكلما تحقق انجاز وطني تضاءل حضور وقوة وتأثير هذه الجماعات المتطرفة، وتقلص أملها في إرساء وإقامة ما تسميه بدولة الخلافة، وب» الحاكمية» التي بشر بها السيد قطب، لأن هنالك علاقة عكسية بين الإنجازات الوطنية والقومية عندما تتحقق على الأرض من منظور مدني، وبين نشاطات هذا التوحش الخارج عن منطق التاريخ والإنسانية، ولذلك كان من الطبيعي أن تستغل هذه الجماعات العابرة للحدود - والممولة والمدربة جيدا- هشاشة التجربة الديمقراطية التونسية والصعوبات الاقتصادية والأمنية التي تواجه هذا التحول في سنواته الاولى، بمحاولة التأثير سلبا على المعادلة السياسية وايصال رسائل للداخل والخارج، من أصحاب هذا التوجه الإرهابي «بمن فيهم حلفاء الداخل من دواعش الفكر الثيوقراطي»، الذين يرغبون في الانقلاب على الواقع الجديد، وإعادة خلط الأوراق، على النحو الذي حدث في سوريا والعراق وليبيا، من اجل خلق وبناء ما يسمى بالدولة الإسلامية الثيوقراطية، حيث سيطرة رجال الدين، والحكم بالحق الإلهي، على شاكلة النظام الإيراني. صحيح أن المشكلة تبقى في البداية والنهاية تونسية، ولها أسبابها الاجتماعية والاقتصادية، ولكن لها أسبابا خارجية واضحة، من بينها التأثير المتصاعد للإسلامي السياسي الذي دخل – بعد سقوط الاخوان في مصر- مرحلة الإرهاب ونشر الفوضى، كما أن الخلفية الفكرية التي تغذت عليها هذه التيارات منذ طرح سيد قطب لفكرة الحاكمية باعتبارها الأساس الأيديولوجي للدولة الإسلامية المنشودة، والطريق السهل لإقناع الجماهير قد تغلغلت بين قطاعات هامة من الشباب المغرر به، يضاف الى ذلك الأثر السلبي والكارثي للحالة الليبية التي تحولت الى ممول رئيسي لدول الجوار بالسلاح والعتاد، والمرتع الأساسي للتدريب على العمليات الارهابية. هذا هو الفكر الذي يقود ويفجر ويقتل من أجل الفوضى الممهدة للخراب الذي يصبح من خلاله الإرهاب الوحشي هو الحاكم والحل والفصل، مثلما حدث في سوريا وفي العراق، ولذلك فإنّ عمليّة متحف باردو الأثري - بالرغم من كونها تعبر عن تحوّل خطير في نوعية العمليات الإرهابية في تونس، من حيث المكان والمباغتة والرمزية والنتائج، باعتبار المتحف ملاصقا لأهم موقع سيادي في تونس، وهو مجلس النواب الذي يضم النخبة السياسيّة التي تسيّر البلاد، فإنها لم تنجح سوى في استنفار التونسيين وتوحدهم بتعدد تياراتهم وأحزابهم - فهبوا للدفاع عن دولتهم وعن تجربتهم السياسية الوليدة. يبقى ان نؤكد على أن الأرقام الرسمية تؤشر الى أنّ الإرهاب قد أوجد لنفسه مجالا جغرافيا للكمون والتحرك خاصة بحكم تأثير الجوار الليبي الذي بات مرتعا لما يسمى ب “المجاهدين” المتنقلين بكل حرية بين سوريا وليبيا وتركيا، بعد أن تكون الحاضنات الشعبية التي تشكلت ونمت في أعقاب الانتفاضة التونسية في 2011م عبر الخيام الدعويّة والتمويل القادم من الخارج، تحت عنوان العمل الخيري، ولقد تمكنت التنظيمات الإرهابيّة وخاصة تنظيم “أنصار الشريعة” من تقديم المساعدة المادية لعدد كبير من العائلات التي تقطن في المناطق المحرومة، ولذلك لا يكفي لمواجهة هذا الإرهاب التحشيد الوطني والعاطفي والسياسي والإعلامي، بل يتعين لهزيمته وجود خطة وطنية كبرى، تشمل كافة الجوانب القانونية والسياسية والاقتصادية والثقافية، إضافة الى الجوانب العسكرية والأمنية والاستخبارية والتعاون الدولي والإقليمي، للقضاء على هذا التوحش، بما في ذلك حل المسألة الليبية وانهاء فوضى السلاح، وتقديم الدعم لتونس، لأن مثل هذا الدعم هو استثمار حقيقي في التنمية والسلم ومحاربة الإرهاب. لقد كان واضحا من خلال توحد التونسيين وراء الحكومة والدولة والاجراءات المتخذة لمواجهة الإرهاب، نضج القوى السياسية الأساسية «الإسلامية أو الليبرالية او اليسارية» والتي برزت كقوى معتدلة، تمتلك القدرة على إدارة الصراع لصالح تونس ولصالح الحرية ولصالح مدنية الدولة وسلمية التداول على السلطة بصفة ديمقراطية، فحتى الإسلام السياسي التونسي في صورته التي تمثلها حركة النهضة، «في الحكم أو في المعارضة»، فقد كان واضحا انه ينأى عن الخطاب التكفيريّ البدائيّ المتوحش، وكذلك التيار العلمانيّ الأساسي «في المعارضة أو في الحكم»، بدا واضحا انه لا يستمدُّ وجودَه أو قوته من معاداة الخصم الاسلامي، وإنما من مشروع مدني سياسي هو استمرار للتيار العام في الثقافة التونسية والتجربة الوطنية النضالية التونسية التي تشكلت عبر الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي او عبر النضال السياسي السلمي من أجل الحرية والديمقراطية.. كما أن الاجماع الوطني على إدانة العنف ورفضه ومحاربته بكافة الوسائل، ورفض أي شكل من اشكال تبريره، من شأنه أن يضمن القدر المطلوب من تحصين الجبهة الداخلية قبل كل شيء، وضمان إجماع وطني حول رفض الفوضى والعنف والخروج عن القانون. إن هنالك مؤشرات مطمئنة على نجاح التجربة التونسية وقدرتها على تجاوز هذه الصعوبات التي تواجهها حاليا، وخاصة قدرتها، بل وقدرها في الانتصار على الإرهاب، خاصة في ظل وجود حكومة شراكة وطنية قومية ومتآلفة وعازمة على تحقيق النصر على التوحش.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها