النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

هلوسات تقلب المزاج السياسي

رابط مختصر
العدد 9474 الأربعاء 18 مارس 2015 الموافق 27 جمادى الاول 1436

قبل أكثر من عقد من الزمان التقيت أحد «الأشخاص» في إحدى الندوات الثقافية الفكرية، وكان يقدم نفسه آنذاك على أنه « كاتب حر وديمقراطي تقدمي»، دون أن يكون متحزبا أو منتميا حزبيا.. وبعد بضعة سنوات التقيته مرة ثانية، وخلال حوار عرضي معه، اكتشفت أنه قد تحول من « اليسار» إلى الانتماء صراحة إلى جمعية سياسية محسوبة على اليسار. فتفهمت ذلك على انه تطور طبيعي لمن كان فكره على هذا النحو. وثم التقيته مرة ثالثة قبل نحو سنتين في ندوة أخرى، فاكتشفت من طبيعة مداخلاته وتحركاته أنه قد اتجه من «اليسار» إلى اليمين الديني المتطرف، وانه قد انحاز في النهاية إلى البنى التنظيمية التي تنتمي إلى ما قبل الدولة والحداثة، وبالرغم من هول المفاجأة، فقد تفهمت أن الرجل كان يبحث عن ذاته الضائعة في تراكمات الأفكار والاتجاهات، تتقاذفه التيارات والأهواء في معترك أزمة الهوية، ولذلك كان يبدل ملابسه السياسية وفقا لتقلبات الطقس على ما يبدو. ولم التق الرجل من يومها، إلا أنني سمعت أنه بعيد الأزمة التي عاشتها البحرين قد تحول إلى « ناشط حقوقي» من النوع الذي ينشط على كافة الجبهات الداخلية والخارجية من منطلقات دينية-طائفية، تجميعاَ لما سبق من انتماءات وهلوسات حقوقاوية إنسانية ان صح التعبير. وبعيدا عن حالة التقلب المرضية المنتشرة هذه الايام على نطاق واسع ، ليس بين الهواة المستجدين، وإنما بين بعض النخب أيضا، فمن النتائج الطبيعية لمثل هذه الهلوسات وتقلبات المزاج السياسي والفكري في زمن استشراء الطائفية المقيتة وانتشار الغوغائية على نطاق واسع، أن أصبح الحديث عن الديمقراطية أشبه بخرافة فوق العادة ، ولذلك يأتي الحديث عنها -ودون الإحساس بوجود أي خلل في ذلك- انتقائيا، لمجرد تحقيق مآرب ظرفية أو لتغطية الحقائق الملتبسة، وغياب النزعة المبدئية كلعبة مزادات، في حين أن العالم المتقدم قد اجمع منذ قرون على أن الديمقراطية تحتاج إلى توافر العوامل التالية: - إرساء دولة القانون والمؤسسات، حيث يأتي احترام القانون في مقدمة الحياة السياسية السليمة التي لا مجال فيها للتهاون أو التنازل أو التسامح مع الفوضى والعبث والتسيب، ودولة المؤسسات تعني بالضرورة مرور كل القضايا الأساسية عبر المؤسسات وحدها، وأن الذي يريد أن يغير التشريع أو يؤثر في السياسات عليه أن يعمل من داخل المؤسسات للتأثير عليها. - إجماع السلطة والأحزاب والجماعات والجمعيات والشعب على حماية الديمقراطية والالتزام بالقانون، في جميع الأحوال. وعليه فإنه مثلما لا يجوز للسلطة أن تلجأ إلى تجاوز القانون في التعامل مع الناس، فالأحرى بالناس وبالمؤسسات ألا يتجاوزوا القانون. - العامل الثالث: المساواة في تطبيق القانون، وهو أمر مشترك بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وبين هذه السلطات مجتمعة وبين الشعب بكل مكوناته وجماعاته وأحزابه وجمعياته، وهو ليس حكراً على أحد دون الآخر، لأنه لا حق بدون واجب بالضرورة. - الحفاظ على المكتسبات الأساسية للوطن، بما فيها المكتسبات السياسية والاقتصادية والعمرانية وغيرها، فلا يجوز لأحد أن يتجاوز في هذا المجال ولا يوجد أي مبرر يمكن أن يسمح لأحد أو جماعة أو حزب بالاعتداء على تلك المكتسبات والإضرار بأمن المواطنين والمقيمين وأملاكهم. ولذلك فإنه في غياب الشراكة الديمقراطية وتحمل النخب السياسية المستنيرة والقيادات الحزبية المدنية مسؤولياتها الكاملة لحماية الديمقراطية والدفاع عنها، سواء ضد جميع التجاوزات بما في ذلك تجاوزات الأفراد المصابين بهلوسات التقلب المزاجي، أو تجاوزات الجماعات الطائفية، فإنه لن تكون هنالك ديمقراطية حقيقية على المدى البعيد. فالديمقراطية تعني في النهاية اقتناعا بجدواها ومحتواها وقبولا بمتطلباتها ومقتضياتها، وليس القبول الشكلي بها لتحقيق مكتسبات ظرفية، لان الديمقراطية كمشروع متكامل منغرس في الواقع يطرح في جوهره تحديات بالنسبة للجميع وهي تحديات تتجلى في الحاجة إلى تجاوز أشكال المفارقات والازدواجيات المنتشرة عندنا بشكل مرضي، مثل رفض الديمقراطية في الممارسة وقبولها خطابيا بمسميات أخرى، ورفض دخول اللعبة السياسية من أبوابها الشرعية، ومواصلتها وراء الأبواب الخلفية وتحت الأرض وازدواجية في بين الأقوال والأفعال. همس معارض تشكيلة يغيب عنها تشكيليون...أمسيات شعرية لا يحضرها الشعراء...ندوات عن القصة لا يحضرها القصاصون والروائيون. مسرحيات لا يحضرها المسرحيون... جلسات فكرية لا يحضرها المفكرون. دواوين شعر لا يقرؤها الشعراء...قصص وروايات لا يطلعها الشعراء...ظاهرة غريبة. غير مفهومة. ولكنها حقيقة موجودة متكررة لافتة للانتباه. العزلة والانعزالية والاعتزال. غربة عن الأنشطة والفعاليات الثقافية. مسرحية يحضرها ستة أشخاص وعدد المتفرجين لا يزيد عن عدد الممثلين. معرض تشكيلي يحضره المجاملون وعابرو السبيل والمتطفلون ولا يحضره الفنانون التشكيليون والنقاد والصحافيون. معرض وندوات ولقاءات لا يحضرها جمهور، لا تثير مناقشات ولا حوارات حقيقية.. الكل يتحدث عن نفسه فقط، ولا يعترف بالآخر. الشاعر الذي ينكر شاعرية الآخرين، والتشكيلي الذي يقول: أنا وبعدي الطوفان. والآخرون لا شيء، والأديب المنعزل في محرابه ولا نراه ولا نكحل عيونا بصورته، ومثقفون يتعالون عن الناس ولا يختلطون بهم.. ظواهر مرضية تحتاج إلى دراسة، ولكنها تحتاج أيضا إلى علاج...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها