النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

حادث مرور عاطفي في السماء السابعة

رابط مختصر
العدد 9472 الأثنين 16 مارس 2015 الموافق 25 جمادى الاول 1436

قالت: هل تذكر مرة انك حدثتني عن عالم المثل الافلاطونية، من ضمن مثالياتك الكثيرة التي ترجع الحب إلى ما يشبه صدفة ما ورائية، او حادث مرور عاطفي في السماء السابعة، فإنني وبعد المراجعة اقتنعت بان العالم يجب ان يكون مقسما – كما الإنسان- الى عالم علوي( وهو عالم الروح) وعالم سفلي (وهو عالم المادة او الجسد) وأن بين العالمين صراع أبدي لا يهدأ ولا يفتر ابدا، وأتفق معك ومع النظرية الأفلاطونية على هذا الطرح مثالي، ولكنني اجد نفسي مرتاحة عند هذه القناعة مهما كانت ساذجة، لأنها تبدو لي مريحة على الصعيدين الخاص والموضوعي، بل وأضيف على ذلك أنه يوجد عند كل إنسان أنا أعلى وأنا دنيا، وهما متقابلان بالضرورة في نوع من الثنائية الحتمية والقدرية. وذلك لان تاريخ الإنسان منذ زمن بعيد هو صراع بين قطبي رحى هذه الثنائية، فتاريخه نزوع دائب نحو المثل، نحو العنصر النوراني في تكويننا الإنساني. قلت: مازلت اذكر ذاك الحوار، واذكر يومها أنك وصفتني بالأفلاطونية والمثالية، فما الذي تغير اليوم حتى غيرت رأيك؟ قالت: صحيح يومها اتهمتك بالمثالية وبالأفلاطونية، ولكنني اليوم وبتأمل ومراجعة، اعترف انني تسرعت في هذا الاتهام، فالأنا العليا هي الذات المرتبطة بالروح، وهي تتطور وتنمو عبر سنوات طويلة، تتجاوز عمر الجسد ذاته، في حين ان الأنا الدنيا وهي الذات المرتبطة بالجسد، تتطور بتطور الجسد عند ولادته وحتى اللحظة، فمن هذا المنطلق يوجد لدى الإنسان: ذات ومعرفة ترتبط بالروح وذات ومعرفة ترتبط بالجسد، فالذات المرتبطة بالجسد او ما نطلق عليها بالعقل المادي الذي يشاهد ويلاحظ ويفكر ويحكم على الاشياء من المنظور المادي او الجسدي البحت، لا يمكن ان تدرك ذاتها الا من خلال الجسد نفسه، اما الذات المرتبطة بالروح فترى الجسد أداة او وسيلة يمكن استخدامها في التعامل والتعاطي مع الأشياء المادية في العالم المحيط بنا. كما ان الذات المادية ترى في موت الجسد نهاية للإنسان في حين موت الجسد من منظور الذات المرتبطة بالروح فهي عبارة عن تخلي الروح عن رداء الجسد البالي. فهي تدرك بأن الروح موجودة قبل وجود هذا الجسد، وأن كانت غير مرئية للعين المجردة في هذا العالم المادي. لذلك أطلق على هذا النوع من الذات المسميات التالية: «العقل المادي»، و»العقل البشري»، و»العقل الجسمي»، وكلها تشير الى الشيء ذاته، والذي يغرس في ذاتنا قصور الجسد او عيبه، وذلك من خلال عمليات التنشئة والتعلم. ومضمون هذا القصور أن الانسان ينتهي بفناء جسده، وأن الانحلال والاضمحلال والموت هي نهاية المطاف للبشرية جمعاء. وأنه بسبب هذا القصور في الذات، لا يستطيع الإنسان في النهاية ان يتجنب الإصابة بالشعور بالكآبة والحزن واليأس السائدة الآن، في حياة الكثير من البشر في وقتنا الحاضر. فالنتيجة الحتمية او ردة الفعل التي تنتج وتتولد عن مشاعر الكآبة والحزن واليأس هي الروح والمندفعة نحو تحقيق أكبر قدر ممكن من المتعة والسعادة، وذلك بغض النظر عن الصواب والخطأ، وبصرف النظر عن الثمن، طالما أن هذا الجسد باق، وهذه الهيئة دائمة على حالها، غير أن الجميع يدرك ان مثل هذا الشعور بالمتعة، لا يدوم طويلاً بل أنه قد يؤدي أحيانا وبعد فترة من تحقيقه الى الشعور بالذنب والبؤس والإحباط وخيبة الأمل. اما الذات المرتبطة بالروح فإنها تعلمنا أن المتعة الروحية هي الهدف الأسمى في الوجود الإنساني، كما هي التي تبين لنا السبل والوسائل التي يمكن من خلالها الحصول على السعادة الدائمة وذلك خلافاً لما يوجهنا له العقل المادي. كما ان العقل الروحي يفتح الباب والمجال الى قوى جديدة أسمى في الحياة، كما انه يعلمنا عن وجود قانون ينظم ممارسة كل حاسة من الحواس التي ندركها في عالمنا المادي، فعندما نتعلم ونتبع ونحترم شروط واحكام هذا القانون حتماً سوف نشعر بالرضا والإشباع ومن ثمة سيترتب على كل ذلك الاحساس بالسعادة الدائمة. قلت: مبدئيا نحن غير مختلفين الا من حيث الصياغة، فأنا اميل الى تسمية الاشياء بأسمائها في حين ولكونك متلبسة روح الاثني في سياق عربي-تميلين الى الصياغة المواربة. وبعيدا عن الصياغات الفلسفية -اعتقد اعتقادا كأنه اليقين – من واقع الثقافة والتاريخ والمعاينة للتجربة وتفحص تاريخ الانسان عبر القرون-ان تاريخ الانسان هو بالدرجة الاولى تاريخ الغرائز والرغبات (بما في ذلك التاريخ السياسي) ولعلنا في هذا نقارن بالحيوانات، ولكن الحيوانات كائنات غريزية خالصة، ولذلك فهي أكثر مباشرة وصدقا، في حين يمتلك الانسان القدرة على التصعيد والتمويه، بحكم امتلاكه لملكات العقل، وبحكم انه جعل من الثقافة والتقاليد قيدا يحكم سلوكه الظاهر، ولذلك مازلت أؤمن بان الصراع داخل في الانسان هو بين الطبيعة والثقافة، وان الشعوب المتقدمة تمتاز علينا بالقدرة على تقليص المسافة بين الطبيعة والثقافة وهي لذلك اكثر صدقا ومباشرة ووضوحا في التعبير عن رغباتها وعن افكارها في ذات الوقت، ونحن تحديدا حتى وان كنا مثقفين، فإننا ما نزال نعبر عن كل شيء يخص جسدنا او رغباتنا ومشاعرنا وحتى بعض افكارنا بواسطة التمويه والتورية والمجاز اللغوي، لأننا نعيش في دوائر الخوف والاتباس والاحتباس، والتردد وقلة الحسم، خوفا من قوة الضغط الاجتماعي-الثقافي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها