النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11932 الأربعاء 8 ديسمبر 2021 الموافق 3 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    5:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

هندرسون و«ذكريات الأيام الأولى»

رابط مختصر
العدد 9469 الجمعة 13 مارس 2015 الموافق 22 جمادى الاول 1436

«حتى الخمسينات من هذا القرن (القرن العشرين) لم تكن هناك موانئ وطرق وجسور وشبكات كهرباء ومياه أو خدمات طبية في المنطقة التي تضم حاليا دولة الإمارات العربية المتحدة والدولة المجاورة لها سلطنة عمان». بهذه الكلمات يقدم «إدوارد هندرسون» ما يمكن اعتباره واحدا من أفضل ما كـُتب عن حياة الناس في الامارات العربية المتحدة وسلطنة عمان قبل انطلاقتهما التنموية الجبارة، ونعني بذلك كتاب «ذكريات عن الأيام الأولى في دولة الإمارات وسلطنة عمان» الذي نـُشر أولا بالانجليزية في 1988 ثم طـُبع منه طبعتان باللغة العربية في عامي 1991 و1992 يقع الكتاب المذكور في 230 صفحة من القطع المتوسط، يتصدره تقديم بقلم أول وزير خارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة وأحد مهندسي قيامها ألا وهو معالي أحمد خليفة السويدي، الذي مدح المؤلف بقوله «لم يشعر إدوارد هندرسون عبر عمله كمنقب عن النفط او كدبلوماسي بآثار إزدواج الولاء، تلك الآثار التي كان البريطانيون يواجهونها في القرن التاسع عشر». يتناول الكتاب ـ كما هو واضح من عنوانــه ـ بالوصف الدقيق حياة الناس والمجتمع والحكام والقبائل في الامارات وعمان قبل اكتشاف النفط وتحديدا في الفترة ما بين 1948 ــ 1956 ، ثم يواصل تسليط الضوء على ما وقع من أحداث تاريخية على هامش عملية الاستكشافات النفطية وما تلا ذلك من تغيرات دراماتيكية. وعليه فهو مليء بالمشاهد والوقائع والتطورات وتداعياتها وآثارها على مجمل العلاقات السياسية والقبلية والحياة الاجتماعية والاقتصادية في الامارات وعمان، إضافة إلى تركيزه على الجوانب المتعلقة بالصعوبات التي اكتنفت عملية اكتشاف النفط واستخراجه في المنطقة في ظل الخلافات الحدودية، ناهيك عن تركيزه على حدثين هامين في تاريخ المنطقة المعاصر هما: مشكلة البريمي، والنزاع في عمان ما بين السلطان سعيد بن تيمور والامام غالب بن علي الهنائي. وبسبب ضيق المساحة، فإنه من الصعب استعراض كل ما ورد في الكتاب، لذا فإن حديثنا هنا سوف يقتصر على ما سجله المؤلف بعينه الفاحصة عن مظاهر الحياة والعمران وسبل العيش وعلاقات الناس في دبي دون غيرها من الامارات، وذلك بهدف إعطاء الأجيال الجديدة فكرة عما كانت عليه أحوال هذا الجزء الغالي من خليجنا الذي تفوق على نفسه في اقل من نصف قرن وصار مضربا للأمثال في العالم ونموذجا للآخرين في التنمية الشاملة والنهضة والريادة والابتكار واقتصاد المعرفة ورغد العيش والرفاهية والأمن والامان والقيادة الحكيمة ذات الرؤى والاستراتيجيات السديدة. لكن دعونا أولا نتعرف على شخصية مؤلف الكتاب الذي يستمد الكتاب أهميته من أهمية المواقع التي شغلها في منطقة الخليج وعلاقاته مع حكامها، ومعرفته بقبائلها وعاداتها. تلك العلاقات والمعرفة التي ساهمت في حلحلة الكثير من الاشكاليات، وحالت دون وقوع حوادث دامية كثيرة. ولد إدوارد فيرث هندرسون في ديسمبر 1917 وتوفي في ابريل 1995 من بعد حياة حافلة كان فيها ضابطا ودبلومسيا وممثلا لشركات النفط ثم باحثا ومحاضرا. تلقى تعليمه في كليات «كليفتون»، و»براسينوز»، و»اكسفورد» فحصل على الشهادة الجامعية في تخصص تاريخ الشرق الاوسط الحديث. تعرف للمرة الأولى على المنطقة العربية في 1941 حينما إنضم إلى الفيلق العربي التابع للجيش البريطاني في الأردن وفلسطين، حيث تعلم العربية وأجاد لهجاتها المختلفة، الأمر الذي أتاح له فرصة الإنضمام إلى شركة النفط البريطانية «بريتش بتروليوم» وتمثيلها في ما كان يـُعرف بـ»الإمارات المتصالحة» وعمان. هذا قبل أن يصبح وكيلا سياسيا لبريطانيا في أبوظبي. في 1956 تمت اعارته الى وزارة الخارجية البريطانية ونجح في اجتياز الامتحان الخاص بتثبيته في الوزارة كموظف دبلوماسي، فكان ذلك بداية مشواره في العمل بعدد من السفارات البريطانية في الدول العربية إلى أن انتهى به المطاف في 1971 لتمثيل بلاده في دولة قطر كأول سفير بريطاني في الأخيرة بعد استقلالها مباشرة. تقاعد هندرسون من عمله في وزارة الخارجية البريطانية في 1974، أي بعد عام واحد من تركه لعمله الدبلوماسي في قطر، ليبدأ رحلة مختلفة في حياته قادته إلى أبوظبي مجددا، لكن هذه المرة ليس للعمل مع شركة النفط وإنما للعمل في مركز الوثائق والدراسات التي ظل فيه حتى 1981 ، وهو تاريخ عودته إلى بريطانيا للعمل كرئيس لمجلس تطوير التفاهم العربي ـ البريطاني. في العام التالي انتقل هندرسون من لندن إلى واشنطون ملتحقا بمجلس التعليم الأمريكي المعروف بتقاريره الرصينة عن شئون الشرق الأوسط. قضى هندرسون في رحاب هذا المجلس مدة عام ونصف العام جاب خلالها مختلف الولايات الامريكية من أجل إلقاء محاضرات عن الشئون العربية في كبريات جامعاتها. شده الحنين بعد ذلك للعودة إلى أبوظبي التي شهدت سنوات نضجه فعاد إليها بالفعل ليواصل عمله البحثي في مركز الوثائق والدراسات. يقول هندرسون في الفصل الاول من كتابه (ص 16) أنه حينما جاء إلى دبي للمرة الاولى في 1948 نظر اليها من الجو فلم ير سوى مساحة كبيرة من الرمال والسبخات تتوزع عليها بصورة غير منتظمة شجيرات كبيرة وصغيرة وبقع سوداء وكثبان من الرمال تتكسر عليها امواج البحر و»بعض الأخوار التي شقت طريقها داخل البر لتستقر في الرمال القاحلة». وفي الفصل نفسه (ص 18) ينتقل من الجغرافيا إلى التاريخ ليخبرنا بأشياء تاريخية معروفة عن علاقة الخليج بالهند، وكيف أن الأول ــ باستثناء السعودية والعراق ــ كان يــُدار من قبل حكومة الهند البريطانية، مع محاولة مستميتة منه للتأكيد على أن لندن لم يكن لها يد في تسيير الشئون الداخلية في المنطقة، وأن عملها اقتصر على الشئون الخارجية والدفاعية فقط. بل يذهب إلى حد القول أن التواجد العسكري البريطاني البري في الخليج كان شبه معدوم في الفترة ما بين 1820 ـ 1948 ، وأن حفظ الأمن والسلام فيه كان من مسؤولية قوة البحرية الهندية بدعم ومساندة من البحرية الملكية في أوقات الضرورة إلى درجة «أننا كنا نرى المقيم السياسي البريطاني في بوشهر في منتصف القرن التاسع عشر يشكو ويتذمر من عدم قدوم أي سفينة لزيارته منذ سنتين»، مضيفا أنه «حتى فكرة مرابطة ست سفن صغيرة عند مدخل الخليج ظلت حبرا على ورق». لكن هندرسون يستدرك فيكتب في (ص 19) ما معناه أن ظروف الحربين العالميتين فرضت على لندن انتهاج سياسة مختلفة بدأت بقيامها بتأسيس قواعد جوية بريطانية في كل من البحرين والشارقة مزودة بوحدات للخدمات الارضية للطائرات وعدد من الجنود والضباط والفنيين، وهي القواعد التي ــ بحسب قوله ــ راحت تتوارى منذ 1948 . ثم يضيف أن التغيير الأكثر وضوحا في السياسات البريطانية بدأ مع اكتشاف النفط في البحرين في 1932 وأن هذا تجلى في قيام البريطانيين بإدارة المحاكم القضائية المتعلقة بالمسائل الخاصة بفئات معينة، وتحديدا قضايا البريطانيين وحملة الجنسية الهندية، شارحا(بتصرف): «إن عدد المقصودين بهذا الترتيب في بعض المشيخات كان قليلا جدا مما دعا الى عدم إقامة محاكم خاصة، وتحويل قضايا البريطانيين والهنود إلى مأمورين إنجليز زائرين أو تحويلها إلى مناطق يتواجد فيها مأمورون إنجليز، إلى أن تزايد عدد الشركات الاجنبية وهو وضع جعل البريطانيين أمام خيارين، إما استقدام المزيد من الموظفين والقضاة أو التخلي عن هذه الممارسات التي نصت عليها معاهدات الحماية، وقد اختار البريطانيون الخيار الأول بمعنى تكثيف تواجدهم في المنطقة من خلال زيادة الموظفين واقامة محاكم ثابتة والاشراف على الجانب القضائي، ولاسيما في البحرين حيث أقاموا مركزا للقيادة العسكرية والسياسية». لكن دعونا من كل هذا ولنركز على ما جاء في الكتاب من وصف دقيق للأحوال الإجتماعية والمعيشية في الإمارات في تلك الحقبة المبكرة. يقول المؤلف(بتصرف): أنه بحلول 1948 نسيت الإمارات المتصالحة الحرب العالمية الثانية التي لم تعن لها شيئا سوى ضمان الحصول على حصص الأرز والسكر والمواد الغذائية الاساسية للحيلولة دون نقصانها، وأنّ وصول البواخر من الهند البريطانية كان يمثل حدثا هاما في دبي، وكانت هذه ترسو على بعد أكثر من ميل من شواطئها، ومن ثمّ يتم نقل حمولتها إلى اليابسة بواسطة الجوالبيت الصغيرة ذات الأصوات الرتيبة. وفي وصفه لمدينة دبي قال:«كانت مقسمة إلى ثلاث مناطق. يقع البيت التابع لشركة النفط والذي كنت أعيش فيه في دبي، على الجهة الجنوبية من الخور، وإلى شمالنا تقع ديره التي كانت آنذاك عبارة عن حي يتطور شيئا فشيئا إلا أنه لم يكن أكبر حجما من دبي، وإلى الشمال الغربي يقع حي الشندغة وهو عبارة عن منطقة سكنية صرفة على نفس ضفة الخور التي تقع عليها دبي، وأحيانا كانت تتحول إلى جزيرة حين يرتفع المد المصحوب بريح قوية. كان يعيش في تلك المنطقة بعض الشيوخ إلا أن قصورهم كانت متواضعة للغاية وقد اتخذ الحاكم الشيخ سعيد أحد هذه البيوت القديمة كمقر رئيسي له». ويضيف قائلا (بتصرف): «كان عدد السيارات في بر ديره في 1948 نحو 24 سيارة، وفي بر دبي كان لدى الشيخ سيارتان أو ثلاث، أما شركة النفط فكان لديها 5 سيارات للإستعمال في الرحلات البرية الداخلية. وفيما عدا الزوار القادمون من ديرة أحيانا فقد كان جانب الخور الذي نقطن فيه خاليا من الزوار. وكان الدرب خارج بيتنا يوصل إلى السوق مباشرة، ولم يكن هذا الممر آنذاك يتسع لمرور السيارات، ولم يكن يمر أمام بيتنا سوى المشاة والدواب، إلا أن الطريق المؤدي إلى بيتنا كان مليئا طيلة النهار بالحركة والضجيج الذي كان يعلو فيه صوت شحاذ مسن اعتاد على جمع الصدقات من العملات المعدنية التي كانت قيمتها تساوي ربع بنس انجليزي، وكان يحرس بيتنا ويـُبْعد الصبية عنه رجل ودود لطيف المعشر يدعى غانم بن علي، وكان هذا موضع سخرية دائمة من أصدقائه لأنه كان أبا لتسع بنات ولم يكن له أولاد ذكور». وفي مكان آخر يصف الطرق والمشاة فيخبرنا أن دبي لم يكن فيها في 1948 سوى طريق واحد يتسع لمرور السيارة، وأن هذا الطريق كان يطل عليه من الجانبين مبان منخفضة مبنية من الحجارة او الطوب، ومعظمها دكاكين او ورش او مخازن يجلس أصحابها أمامها على كراسي، فإذا جاءت سيارة أفسحوا الطريق لها بجر كراسيهم إلى الداخل قبل إعادتها الى الخارج بمجرد عبور السيارة وهكذا! وبالنسبة للذين كانوا يستخدمون هذا الطريق فيقول إنهم: «غالبا من العرب، يرتدون الأثواب البيضاء بالإضافة إلى رجال الحاكم او الحرس الذين يسيرون وهم يتسلحون ببنادقهم ويحملون الخناجر المعقوفة المثبتة في احزمتهم، وهناك ايضا الهنود والباكستانيون والايرانيون». وفي وصفه لسوق دبي في تلك الأيام يقول هندرسون في (ص 22 و ص 26) أنه كان عبارة عن أزقة مغطاة ومظلمة بطول 200 ياردة تقريبا، وكان على جانبيها دكاكين مستطيلة يجلس أصحابها على الأرض عند مدخلها وحولهم القليل من البضائع المستوردة غير المغلفة. وإذا كنت راغبا في الشراء فإنه يـُقدم لك كرسيا لتجلس عليه مع فنجان من القهوة، أو فنجان من الشاي المحلى إذا كان صاحب الدكان إيرانيا. ويضيف هندرسون في السياق نفسه مايلي:»كانت أصوات المارة في السوق ضجيجا خافتا وذلك لأن كل هذا كان قبل وجود الراديو الترانزستور، وتتشابك أصوات الجموع المتنقلة يقاطعها بين الحين والآخر صوت بوق عجلة صبي صغير منذرا بمروره فوق عجلة أكبر منه بكثير». ثم ينتقل للحديث عن أنواع دكاكين السوق من حيث مضمونها فيقول: «يُطهى اللحم في إحداها، وفي الأخرى تباع معلبات الحساء، والبقول المطهية (يقصد الباجيله والنخي) والسردين (ربما يقصد العوم). وفي دكان مجاور يجلس خياط هندي، ودكان آخر لبيع الأقمشة، إلا أن معظم البضائع في الدكاكين كانت تحتوي على مجموعات صغيرة مختلفة حتى إنك للوهلة الاولى قد لا ترى ما تريده في هذه الدهاليز الصغيرة الشبيهة بالزنزانات، ولكن غالبا ما يحاول صاحب الدكان ان يتغلغل في الظلام ويجلب لك البضاعة التي تفتش عنها». منازل دبي على جانبي الخور في تلك الحقبة، طبقا لهندرسون في (ص 26)، كانت مبنية من الحجارة والطين وتمتاز بالأبراج الهوائية او ما يسمونه بـالبراجيل (البادغير) المزخرفة بالجبس. ويتحسر هندرسون على عدم وجود مثل هذه الابراج، التي كانت تذكره بأبراج الكنائس في قريته، داخل البيت الذي كان يعيش فيه لتبريد غرفه وتسهيل حركة دوران الهواء فيها، في زمن لم تكن فيه مكيفات الهواء الكهربائية قد وصلت إلى الخليج بعد، لكن البيت كان بدلا من ذلك مزودا بشرفة طويلة تستقبل الرياح الشمالية الغربية وتحولها إلى داخل البيت عبر ثلاثة مجاري هواء. وينطلق هندرسون من هنا للحديث عن طقس دبي الخانق صيفا فيقول ان درجات الحرارة ليلا ــ حتى أواخر الصيف ــ لم تكن اقل بكثير عنها في النهار لأنه ما أن تغرب الشمس وتهدأ الريح ترتفع نسبة الرطوبة إلى الدرجة القصوى. ومن الأشياء الماتعة التي أتى هندرسون على ذكرها وصفه لمجلس حاكم دبي و انطباعاته عن صاحب المجلس. جاء ذلك في (ص 39) من الفصل الثاني حيث شبــّه المجلس بالبلاطات البريطانية القديمة من حيث الأسلوب والنشاط «رغم الفارق الزمني والمكاني الشاسع لجهة التقاليد والحضارة» فقال (بتصرف): «كان مجلس حاكم دبي يعقد إما صباحا في مركز الجمارك المطل على الخور المتلأليء، أو يعقد عصرا في زعبيل في خيم منصوبة تحت أشجار النخيل، أو في معسكر صيد صحراوي، أو في القصر الصيفي الصغير في جميرا»، مضيفا: «ومهما اختلف مكان انعقاده، كنت تلمس فيه سيطرة شخص واحد بسيط الثياب، لا يتميز في مظهره الخارجي عن أي من رعاياه، هو الشيخ راشد بن سعيد المكتوم الذي كان، عندما وصلت أول مرة في 1948، وليا لعهد والده الحاكم. كان الشيخ راشد آنذاك هو الحاكم الفعلي دون أن يحمل لقب الحاكم». ثم يواصل هندرسون حديثه في (ص 40 و ص 41) فيتعمق في وصف الشيخ راشد واسلوبه في التعاطي مع ضيوفه فيقول انه «كان ذا شخصية آسرة، بأنفه الشامخ وعينيه اليقظتين ولطفه الهاديء ووقاره البعيد عن التكبر»، ثم يصف ملبسه فيقول أنه كان يرتدي دائما «غترة قطنية بيضاء وعقالا ليثبتها في مكانها، ودشداشة (ثوب) طويلة تعلوها عباءة (بشت) سوداء تزينها من الأمام حافتان رفيعتان مذهبتان، ونعلا من صنع دبي»، ثم يؤكد ان مقابلة الشيخ لم تكن تحتاج إلى أكثر من الذهاب إلى مركز الجمارك صباحا، «وصعود الدرج الحاد الضيق، غير المنتظم الذي ينتهي في أعلاه بشرفة مستوية عريضة مكشوفة تطل على الخور. وإلى جانب الشرفة، كانت هناك غرفة مزدحمة، مفروشة بالسجاد والأرائك فقط، عارية الجدران، ذات نوافذ خشبية كبيرة، مفتوحة المصراعين .. كان هذا مجلس الشيخ راشد الصباحي، حيث يجلس أربعون أو خمسون شخصا على السجاد كتفا إلى كتف متكئين على الوسائد المستندة إلى الجدران، ناظرين عبر الباب أو النوافذ إلى الخور». وبعد هذه الصور الوصفية يخبرنا هندرسون بجملة من الأمور مثل: أنه إذا أراد الشيخ الحديث معك على انفراد فإنه يصطحبك إلى غرفة أصغر حجما تطل على الخور ويقتصر أثاثها على سجادة فارسية حمراء وبعض الوسائد، وأنه حينما دخل الهاتف إلى دبي كان من اللياقة إبلاغ الشيخ مسبقا بزيارتك له، فكان الشيخ يرد بنفسه على الهاتف الذي كان دوما بجانبه، وأن الشيخ راشد، على الرغم من احترامه للتقاليد الخليجية المتبعة عند الالتقاء بالضيوف لجهة السؤال عن صحتهم وصحة أهلهم وزمن قدومهم وعما إذا كانوا استمتعوا برحلتهم وغير ذلك من الأسئلة التي قد تستغرق نصف ساعة، فإنه كان حريصا على الانجاز والاستفادة القصوى من لقاءاته، الأمر الذي جعله «واحدا من أولئك القادة الرواد في ترسيخ النموذج السائد الآن للإجتماعات العملية القصيرة التي أصبحت تميز الخليج اليوم». واخيرا فإن البحرين لم تكن غائبة عن كتاب هندرسون لأن مهمته مع شركة النفط البريطانية بدأت من البحرين التي وصلها في اكتوبر 1948 للمكوث لبعض الوقت مع «بازل ليرمت» (مدير بريتش بيتروليوم في البحرين والمسئول عن علاقات الشركة مع مختلف الحكومات في الخليج) حيث يقول أن ليرمت اصطحبه للقاء الحاكم (المغفور له الشيخ سلمان)، وأن الأخير «رجل محترم، وقور، ذو شخصية ساحرة، وقد تحدثنا معه باللغة العربية»، مضيفا أن الشيخ سلمان أبدى اهتمامه بما سمعه منه، ولكنه انتقد بشدة سياسة بريطانيا المتعلقة باسرائيل، ومؤكدا أن الرجل كان شديد التهذيب في إنتقاء عبارات الإنتقاد لأن ذلك كان من طبيعته في جميع الأحوال. وعن مطار البحرين الذي استقل منه طائرته نحو الشارقة في 1948 كتب: «أما مطار البحرين فكان عبارة عن مبنى صغير مؤلف من طابق واحد وكان مدرجه الذي أنشيء خلال الحرب العالمية الثانية لقوات الحلفاء الجوية طويلا إلى درجة تكفي لهبوط أكبر الطائرات، ولكنه كان مصنوعا من صفائح الفولاذ الصلب المخرمة والتي كانت قد استعملت أيضا في الحرب في نورماندي وفي أماكن أخرى للإنزال في حالة الطواريء. وقد كان من السهل تجميع هذه الصفائح معا بإلقائها إلى جوار بعضها على الرمال، وبعد فترة من استخدامها تتلف أطرافها مما يشكل خطرا عند استعمالها».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها