النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

من أجل مواجهة استبداد التقديس..

رابط مختصر
العدد 9467 الأربعاء 11 مارس 2015 الموافق 20 جمادى الاول 1436

الاستبداد يبدأ من لحظة منع الحق في السؤال والمساءلة، الاستبداد يبدأ من لحظ الإقرار بوجود أجوبة مطلقة ونهائية، الاستبداد يبدأ من لحظة التقديس للأشخاص المقدسين، ولحظة ادعاء امتلاك الحقيقة الواحدة الوحيدة المطلقة، والاستبداد أيضا يبدأ عندما يعمد رجال الدين الى الاشتغال بالسياسة بمداخل الدين وقداسته ولغته، وعندما يندفع السياسيون للاشتغال بالخطاب الديني واستغلاله وتوظيفه بشكل انتهازي يكون ذلك شكلا من اشكال التسلط على الجمهور واستغلال إيمانه الديني لمغالطته والضحك عليه لتحقيق أهداف زمنية لا علاقة لها بالدين الحنيف، وباختصار عند الخلط المتعمد بين البعدين الديني والسياسي بصفة انتقائية وبحسب ما يقتضيه المقام وفي اتجاه واحد تقريبا وهو تسخير الديني لصالح الهدف السياسي، ومواجهة النسبي بالمقدس، والعقلاني بالميتافيزيقي، بما يوقع النسبي والعقلاني في دائرة التكفير في الغالب، وهو نمط من التفكير وأسلوب في الحوار يؤدي في المغالطة والتزييف والمخادعة. والحقيقة التي يجب توضيحها هي أن الديني هو مجال العقيدة والإيمان وقواعد الشريعة والعبادات، والسياسي هو مجال المصالح العامة ونظم الحكم وإدارة شؤون الناس، وهو مجال النسبية، مجال الاجتهاد والصح والخطأ، ولذلك يوجد فرق كبير بين المفهومين اعتبارا لان الديني هو وحي ومبادئ مقررة بوضوح عبر نص قرآني أو سنة صحيحة، أما السياسي فهو نظام وضعي بشري يبقى المقام فيه مفتوحا للاجتهاد بما يحمله من الصواب والخطأ، فالأول مطلق والثاني نسبي، وعليه فان الخلط في مستوى الشعار والدعية بين البعدين يضر بالدين ويضر بالسياسة على حد سواء... فالسياسة تتأثر بالعصبية والمصالح في المواقف وتحولاتها وتقلباتها وأهواء القيادات والأحزاب ومصالحها ومصالح الفئات الاجتماعية التي تصطف وراءها، في حين أن الديني يتميز – أو يجب أن يتميز مبدئيا- بالثبات والمبدئية والتعالي على العصبيات والمصالح الفئوية، خاصة وان النص الديني يتميز بالثبات وله مراجع محددة بينما الموقف السياسي يتميز بالتحول والتغير إضافة إلى إقرار الاجتهاد والرأي خاصة فيما يتعلق بطريقة اختيار النظم السياسية واليات العمل السياسي. وعليه فإن التوظيف السياسي للدين وتسخير الواجهة الدينية لخدمة الأهداف السياسية يؤدي في الغالب إلى إجراء عملية انتقائية تزيد من تشويش الأمور في أذهان الناس البسطاء، وبناء الالتباسات المعيقة للتنمية السياسية الصحيحة القائمة أساسا على الوعي العقلاني ومبادئ دولة القانون والحقوق والواجبات. فالمشكلة عندنا تتمثل في ارتسام صور افتراضية، نمطية، لمقدسات عديدة، من خلال صورتين في أذهان عامة الناس: الأولى صورة رجل السياسة، بوصفه «مقدساً» سياسياً، والثانية صورة رجل الدين، بوصفه «مقدساً» دينيا، وبناء على نمطية هاتين الصورتين، يتصرف الجمهور حيال السياسي والديني وكأن كل واحد فيه، من عامة الناس «العاديين»، يواجه شيئاً استثنائياً، فينتابه الخوف والرهبة منهما. ويكشف واقع الحال أن عمليات شخصنة، واستلاب تجري للجمهور عندنا، كي يفتقد الناس إمكانية التعرف على السياسي والديني في واقعهما الاجتماعي، أي في سياقيهما التاريخي والسياسي، وكي يمكن تحويله إلى مجرد آلة تدار من خلال الشعارات الجاهزة التي تصنف الناس إلى مؤمنين وغير مؤمنين بالمعيار الديني، او إلى صالحين وغير صالحين بالمعيار السياسي، في حين ان الديمقراطية تتناقض مع هذه التركيبة السائدة عندنا، فالذي يتصدى للعمل السياسي النيابي أو حزبي يجب أن يمتلك برنامجا سياسيا واضحا يجيب على الأسئلة الأساسية للتنمية بما في ذلك التنمية السياسية ويطرح حلولا واضحة وواقعية وقابلة للتنفيذ، كما انه – حتى وان كان رجل دين بأي معنى من المعاني واشتغل بالسياسة- يجب أن يكون قابلا للمساءلة عن أفعاله وبرامجه ومقترحاته، حيث لا يُحرم الفرد في مجتمعاتنا من حق السؤال والمساءلة والنقد، بل هي من أبسط حقوق المواطنة وحقوق الإنسان التي أقرتها الأعراف الدولية والدساتير الوطنية. همس مشكلتنا كعرب أننا لا نعيش حالة تفاعل فكري حقيقي، بل نحيا حالة انفعال أشبه ما تكون بردّة فعل كائن مذعور خائف، لأننا لم نعد ندرك ذواتنا، إلا عبر إدراك الآخر لنا، والثقافة العربية إذن، لا تعيش التثاقف والتفاعل منتجة لتفاعل فكري جادّ، وإنما ما نشاهده علاقة تلقف نمط عيش استهلاكي مادي شكلي، بعيد كل البعد عن المضامين الفكريّة المؤسسة لبنية الحضارة الإنسانية والديمقراطيات المطروحة اليوم هي في ضمن الإطار الاستهلاكي نفسه... وهكذا، فالخطر المحدق بشعوب المنطقة كان، وما زال، ذا وجهين: الأول أن العقل الذي حَكَمَنا غلَّب فينا عقلاً طائفيا تفتيتيا أسَرَنا، والثاني أنه غلَّب علينا عقلاً حدا ثويا استلبنا.. والمطلوب في النهاية تجاوز الاستلابين، الأصولي والحداثوي لانباتتهما عن الواقع، غير أن هذا الطرح مازال غير مكتمل النمو في الوعي والفكر العربي وإن وجد فهو محصور في إطار النخب ولم يتحول إلى وعي شعبي كي يترجم إلى واقع، والمسألة تحتاج إلى نضج حضاري ربما يتكفل الزمن في إنضاجها برغم كل الصعوبات والتحديات.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها