النسخة الورقية
العدد 11088 الأحد 18 أغسطس 2019 الموافق 17 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:47AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:12PM
  • العشاء
    7:42PM

كتاب الايام

في ثقافة الاختلاف!!

رابط مختصر
العدد 9467 الأربعاء 11 مارس 2015 الموافق 20 جمادى الاول 1436

تطور المجتمعات الإنسانية قاد إلى تعدديتها واختلافها، وهذا التعدد وهذا الاختلاف قادا بدورهما إلى حدوث الصدامات والصراعات، فانتبه الإنسان إلى أن المحافظة على وحدة المجتمعات في ظل اختلافها وتعدديتها قد تولد عنهما راعيين اسمهما الحوار والتسامح، يعهد بمهمة غرسهما في وجدان البشر إلى المؤسسات التعليمية والإعلامبة. الحوار والتسامح، كقيمتين إنسانيتين، يغذيان التعددية ويصونان التنوع ويرعيان الاختلاف. وأحسب أن أشد ما يحتاجه مجتمعنا البحريني اليوم هو التأسيس لثقافة الحوار والتوسيع لهامش التسامح في العلاقات اليومية بين مكوناته لنتأهب للانتقال من بؤس المكان الذي وضعنا أنفسنا فيه منذ أربعة أعوام إلى المنطقة التي تجمعنا، ونسعى معا إلى بلوغها. ولهذا فإن الكتابة في موضوع الحوار والتسامح قد تكون سانحة لتذكير هذا الشعب بهاتين القيمتين اللتين نسجتا العلاقات بين آبائنا وأجدادنا على هذه الأرض المعطاء. إذن أقول إنه في اعتقادي، أن هناك علاقة شديدة بين التنوع بأبعاده الإنسانية والعرقية والجنسية والفكرية، كوضع طبيعي للوجود المادي بتلامسه مع حقائق الواقع وحرارة أنفاسه، والاختلاف من حيث هو نزعة إنسانية تنشد الكمال وبلوغ الحقيقة من مداخل متعددة؛ إذ يستحيل قبول التنوع من دون التسليم بالاختلاف والإقرار بالتعددية؛ ذلك أن الاختلاف هو نتيجة طبيعية للتنوع، وقبوله والرضا به هو أحد أوجه نجاح الديمقراطية. ولضبط العلاقة بين التنوع والاختلاف، فإن رابطة أخرى ينبغي استلالها من جدلية تلك العلاقة؛ لإيجاد صيغة إنسانية تؤلف بين المتناقضات، وأعني بهذه الصيغة الحوار والتسامح. إن التماثل والاختلاف في الأفكار والمعتقدات لا يستقيمان في المشهد الإنساني إلا مع تكرس الحوار والتسامح قيمتين فيهما، ويعود أمر تكريسهما هذا سيادتهما ثقافة في المجتمع إلى وزارة التربية والتعليم التي يقع عليها عبء إعادة قراءة المناهج من حيث الأهداف والمحتوى وأساليب التدريس والتقويم، وفق ما يتطلبه المشروع الإصلاحي لجلالة الملك في لحظته الأهم في تاريخ البحرين الحديث والمعاصر وخصوصا بعد أحداث الرابع عشر من فبراير 2011، وهذا هو ما تعكف عليه الوزارة وتعمل في سبيله متبعة في ذلك مسارات عملية التطوير الشامل التي نهضت بها الوزارة مذ تبنت البحرين في التعليم مظلة جامعة تحمي بها مستقبل أبنائها. والدور نفسه ينبغي أن تقوم به باقي مؤسسات الحكومة الأخرى إعلامية كانت أو شبابية، هذا دون التغافل عن مؤسسات المجتمع المدني التي عليها أن تتموضع مجتمعة في سياق التغيرات الكبرى التي يشهدها عالمنا اليوم وواقعنا الإقليمي والمحلي؛ فعليها كلها أن تدرس خصائص هذا السياق لتعدل مسارات سياساتها وخطاباتها وأدوارها وتعيد النظر في إرثنا الشعبي المشترك الناضح تسامحا وتعايشا وتآزرا وإيمانا ببحرين واحدة ومتنوعة في آن، فتوظف مستخلص عموم الثقافة الشعبية على ما رحبت به من موروث شفاهي ومحكي وتستثمر ما فيه من خزين متدفق لا ينضب من المعارف والخبرات التي تورد التسامح قيمة متناقلة جيلا بعد جيل. إن التنوع سمة دالة على الثراء الفكري ومجال ثري لخلق ثقافة متميزة، والتاريخ يعطي أمثلة ساطعة وأدلة دامغة في هذا الإطار. وما الحضارة الإسلامية إلا الأقرب مثالا والأكثر إرضاء وقبولاً في الوعي العربي الإسلامي، وإن كانت الأبعد فيما يتعلق بامتثالها لمعطيات إيجابية قوامها تشبث المنتسبين إليها بعناصر القوة فيها؛ إذ أن ما يثير التوجس حقيقة ويبعث على القلق تمسك البعض بمعطيات من الحضارة الإسلامية مختلف عليها، ومحاولتهم إحياؤها من جديد حتى وإن كانت لا تستقيم مع منطق التطور ولا تعد وجها من وجوه السماحة الإسلامية التي احتوت أمما تفاوتت في سلم رقيها الحضاري. وهذا «البعض» وجد في تسييس الإسلام مطية ذلولا وسبيلا سهلا لإغراء العوام وشيء من النخب لتحقيق أجندات مخاتلة. ويتجلى ذلك حين نتصفح تجلياتها خطابا وممارسة وهي أبعد ما تكون عن بنيان التآلف والتضامن والمواطنة الذي نجح البحرينيون في إعلائه جيلا بعد جيل. إن التنوع الثقافي والزخم الحضاري اللذين تحركت فيهما الحضارة الإسلامية قد منحاها قديما أفضلية بين أمم الأرض في العلوم والثقافة بمختلف تجلياتها؛ إذ ما من أمة حبست ذاتها في إطار محيطها الثقافي تحت شعارات عنصرية متعالية مثل المحافظة على العرق والنوع، أو بدواعي الخوف على الثوابت والقيم، تحت حس متوهم بأنها في مرمى مؤامرات الغير وأنها مستهدفة بالكراهية من بين أمم الأرض، إلا وكانت الخيبة عنوانا لمنجزها، وبالتالي كان مآلها الضمور والتلاشي في بحر من أوهام الفرادة والخصوصية. إن الاختلاف سليل التنوع، وهذا قول ينبغي قبوله، وإذا ما نال قبولنا فإننا، بالتأكيد، سنتفق على أن التنوع هو حاصل موضوعي للتعدد الإثني والعرقي، وبالتالي الثقافي، مما يلزمنا ضرورة العيش المشترك والقبول ببعضنا البعض. وفي هذا الإطار فإن الاختلاف بالضرورة ناجم عن مواقف ومرتكزات فكرية وأيديلوجية وفلسفية متباينة دفعت بها الحياة من واقع متغيراتها، وبالتالي فهو إفراز دال على حيوية وديناميكية المجتمع الذي قد رفض في مسار تطوره ما يعرف بالواحدة الثقافية سمة الأنظمة الشمولية والثيوقراطية وأكسجين استمرار وجودها الذي عادة ما ترتهن له وتختبئ في دامس ظلامية نفقه القيم المجتمعية المراد تعزيزها وسيادتها. والمتأمل في الواقع الثقافي في المجتمع البحريني يرى عجبا، إذ الفضاء مفتوح لانهمار المعرفة من كل الثقافات وبشتى اللغات تحمل أفكاراً متنوعة كانت البحرين على الدوام منفتحة عليها ولا تمثل جديداً إلا لكون المعرفة بذاتها متجددة، ولكنها لا تختزن في ذاتها قدرة نفي القديم، كالذي يجري مع العادات والتقاليد. إن وقوع البحرين على خط تماس الحضارة الإنسانية في تفاعل معها ينبغي أن ينعكس على المجتمع البحريني رقيا مدنيا. هذا حال آبائنا من قبلنا، وهذا ما يجب أن تكون عليه هذه العلاقات بين أبنائهم. الاختلاف في ظل الوعي بالتنوع ضمان ثراء وقوة في آن واحد، ومؤسس لحراك مجتمعي دائم أثبت به المجتمع البحريني نجاحه في تجاوز ما مر به من أزمات وما قد يشهده مستقبلا من هزات بحكم الفلك الجيوستراتيجي الذي فرض على البحرين الوديعة المسالمة مجاورة إيران ذات الأطماع التوسعية. لقد نجح المجتمع البحريني في تحويل عوامل أزماته إلى أمصال يقوي بها مناعته ويفتح بها أمامه سبل إبداع متجددة تُوجه طاقات الأفراد في اتجاه العمل للصالح العام وفي اتجاه دعم البنيان الذي أرسى دعائمه جلالة الملك حمد حفظه الله ورعاه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها