النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

صورة العربي في المناهج والثقافة الإيرانية (2-2)

رابط مختصر
العدد 9465 الاثنين 9 مارس 2015 الموافق 18 جمادى الاول 1436

بالنظر إلى الأهمية البالغة للمناهج الدراسية في بناء الصورة والتأثير الذهني والنفسي على الطلبة، شكلت المناهج الدراسية في المدارس الإيرانية إحدى أهم الركائز للترويج للثورة الإسلامية في ايران، ولتضخيم الصورة القومية والمذهبية للقومية الفارسية على حساب سائر القوميات حتى المكونة للدولة الإيرانية ذاتها، وإذا كان هذا الجانب شأنا إيرانيا خالصا، يتنزل ضمن الاخضاع الأيديولوجي للطلبة، فإن الذي لا يبدو طبيعيا ولا مقبولا هو التشويه المتعمد والممنهج لصورة العربي في تلك المناهج، ولتعزيز الكراهية والتعصبن بما لا يساعد على بناء السلم في العقول أولا. فقد بينت الدراسة التي اعدها كل من الدكتور نبيل العتوم والدكتور عادل العبدالله ( صورة العرب في الكتب الدراسية الإيرانية- لندن 2013م) والتي سبق تسليط الضوء على جانب منها في مقال الأربعاء الماضي أنها أصبحت أحد أهم مرتكزات العداء للعرب واحتقارهم، وبل وأصبح لها الأثر السلبي على علاقات إيران بالعرب، حيث كرَّست حالةً صراعية وكراهية مقيتة، من خلال نشر الفكر السلبي في ذهن ووجدان الطالب الإيراني تجاه العرب، بدلا من تعليمه قيم الحوار والتسامح والتنوع والتعايش ضمن أفق مشترك، باعتبار العرب وإيران جارين مسلمين يفترض بهما أن يشكلا معا دعامة للتعاون والاستقرار والتكامل والتنمية في المنطقة، وذلك لأن إيران تسعى من خلال التعليم ومناهجه إلى إعداد كوادر رسالية تحمل فكر فقيه الثورة الخميني، ومن هنا تنبع خطورة هذه المناهج التي يخضع لها طلبة المدارس، وفي هذا المقال نحاول استكمال الصورة من خلال قراءة أهم ما ورد في هذه الدراسة من استنتاجات، إذ من الواضح أن الطالب الإيراني الخاضع لهكذا مناهج، يتخرج من طاحونة التربية والتعليم لا يعرف شيئا سوى أن العرب شعب متخلف، مذهبه خطأ، ثقافته بائسة سطحية، وأن العربي (كذاب منافق شرور وجاهل متسخ وسطحي وبلا ثقافة وبدون ذوق...) فيأخذ الطالب هذه النظرة معه عندما يكبر وينخرط في الجماعة أو في الحياة العامة أو في الجيش والأمن والاستخبارات، وبلا شك أن مثل تلك الصورة سوف تشتغل عمليا في بناء الاتجاهات العدائية ولا تساعد على بناء العلاقة السوية الحضارية بين الشعبين الجارين. وفي هذا الصدد تمكن الباحثان-في البحث الذي أشرنا اليه-من استخلاص عدد من النتائج انطلاقا من تحليل ودراسة النصوص التي تضمنتها المناهج الدراسية الإيرانية في المراحل الدراسية يمكن تلخيصها بإيجاز شديد في النقاط المهمة التالية: - محادثة إحداث حالة تعبئة انفعالية وجدانية ضد العرب، من خلال تعظيم عقدة الاستهداف لدى الشيعة، وشحنهم بطاقات عدوانية موجهة ضد العرب، فتنبعث الفوقية التاريخية من الثورة الايرانية في الكتب المدرسية من خلال مفاهيم مترابطة وهي: المذهبية الشيعية والقومية الفارسية، فالتشيع يعتبر الشعب الإيراني «شعب الله المختار» وسائر الشعوب (ضالون). - تسهب الكتب المدرسية في حديثها عن العنجهية الفوقية والبطولة الأسطورية الفارسية، وتوغل في المقارنة بين الإيرانيين والعرب من حيث القدرات العقلية والفنية والقيمية الأخلاقية، ولإبراز الفوقية الأسطورية لشعب الله المختار. - تشويه صورة العرب، حيث عُكست هذه الصورة عن وعي متعصب مهجوس بكراهية العرب، والحط من شأنهم، فالفرس هم آريون بشروا ويبشرون بالخير، وهي ردٌ على صورة الآخر «العربي السامي» المتوحش. - إهمال الدور العربي الإسلامي في نشر الاسلام في إيران، كما توحي هذه الكتب في مستوى مقاربة التاريخ بأن العرب قد بدأوا العدوان على بلاد فارس بهدف الاحتلال والتدمير المنهجي لحضارتهم لإحلال حضارة بدوية بديلا عنها. - استبعاد جغرافية العالم العربي من أغلب المناهج الدراسية، حيث لا تدخل ضمن برنامج تعليم الجغرافيا في الكتب المدرسية الإيرانية، لذلك لم تجد دراسة الدكتور العتوم والدكتور العبدالله إلا عنواناً واحداً متخصصاً لموضوع العراق، جاء بحكم الحديث عن الدول التي تشترك بجبرية جغرافية مع هذه الدولة. والحقيقة أن هذا الجهد في بناء العدائية والكراهية للعرب من خلال المناهج الدراسية يستكمله جهد لا يقل خطورة، وهو الجهد الثقافي، فمن يقرأ كتاباً حديثاً صدر عن دار قدس عنوانه: صورة العرب في الأدب الفارسي الحديث، لمؤلفته جويا بلندل، والذي يرصد فيه بدقة، وجهة نظر الفرس القدامى والمحدثين، في جيرانهم العرب، بالتأكيد على ( النزعة القومية الإيرانية المسؤولة عن هذا الكم الهائل من الكراهية للعرب، فهذه النزعة وجدت في الإرث الإيراني السابق للإسلام مصدراً للفخر والعزة الثقافية، وتمجيد إيران ما قبل الإسلام، والديانة الزرادشتية وعبقرية العِرق الآري، ولعْن العرب لتسببهم في انحدار إيران، حيث يبدو التاريخ وكأنه مازال يشكل عبئاً في الوجدان الإيراني.). وتؤكد الباحثة أنه قد» تمت أسلمة إيران، ولكن في عيون أكثر الإيرانيين، فإن الإسلام في جوهره عربي، لذا فهو غير إيراني، وأن الإسلام الشيعي في صميمه إيراني، ويشكل جزءاً أساسياً من مفهوم الإيرانية.». كما يحفل هذا الكتاب بآراء وتصورات النخب الإيرانية حول الموقف من العرب والإسلام إذ هنالك ( شبه اجماع حول اعتبار العربي هو «الآخر» أو «العدو»، لا «الجار» ولا «الأخ».. وفي الحقيقة، فإن بعض العرب يبدلون الإيرانيين هذا لموقف السلبي، فالدراسة التي أنجزها الدكتور طلال عترسي بعنوان: «صورة الإيرانيين في المناهج الدراسية العربية»، تكشف هي أيضا بصورة كبيرة عن تعصب عربي، حيث ركزت الدراسة على مناهج التاريخ و الجغرافيا، والتي تصور الإيراني على انه : (معتد وخالق للفتن و شر مطلق وأنه كان عدوا وسيبقى كذلك) ، وانه قام بـ»تشويه وجه الإسلام وخدش وحدة العرق العربي، وتلويث أنساب العرب وقيمهم الأصيلة بالكذب والنفاق)، ولكن تظل هذه النزعة محدودة في الكم والنوع، مقارنة بالعدائية الإيرانية الممنهجة والعميقة. إن التاريخ، لا يقف عند الإدراك للأنا والآخر بشكل مزيف ووهمي وهو ليس ببعيد عن مساحة العداء والحقد والعنصرية، لكن الواقع والمصالح المشتركة والجوار تتحدى هذه الخارطة الإدراكية لكلا الطرفين، وتغيير هذه الخارطة ممكن بالحوار السلمي والتفاهم، والتخلص من العدائيات ومن أوهام التاريخ والرغبة في الهيمنة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها