النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

تقليعة ثقافية في معرض الكتاب

رابط مختصر
العدد 9461 الخميس 5 مارس 2015 الموافق 14 جمادى الاول 1436

لم يسعدنى الحظ بقراءة كتاب «حبيبتي» أول كتب «زاب أحمد ثروت» أو الاستماع إلى الأغاني التي يلحنها ويغنيها، لكنى توقفت أمام سيل الأخبار والتقارير والتحليلات التي نشرتها الصحف، حول ما سمته ظاهرة «زاب ثروت» الذى باع كتابه الأول في خلال الدورة السادسة والأربعين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب أكثر من 15 ألف نسخة خلال أسبوعين ليكون بذلك أكثر الكتب مبيعا فى هذه الدورة من دورات المعرض وربما فى كل الدورات التى سبقته. كما لم يسعدني الحظ - كذلك- لكي أجد مكانا في «المقهى الثقافي» وهو أحد أنشطة المعرض التى تخصص عادة لمناقشة - أو اللقاء- بكاتب جديد، فى اليوم الذي حدد للقاء بين «زاب ثروت» وبين قرائه من الشباب، فعلى العكس من المجهود المحدود الذي يعني بمتابعة أنشطة المقهى، ازدحم بآلاف من الشباب احتل كل مقاعده منذ بداية اليوم، وتابع - بملل ونفاد صبر- فقرات البرنامج التى تسبق ظهور نجمه المحبوب، وأجبر أمن المعرض على استدعاء قوات احتياطية لتنظيم المرور أمام المقهى، وطالب إدارته بإنهاء الفقرة التى سبقته وكانت تدور حول رائد علم الاجتماع التربوي «د.حامد عمار» - الذى رحل منذ شهور- بناء على طلب جماهير «زاب ثروت» التي لا تعرف شيئا عن «حامد عمار» ولا تريد أن تعرف شيئا عنه.. لأن كل ما يعنيها من الثقافة وكل ما تعرفه من أسماء المشتغلين بها هو «زاب ثروت»! وكل الذي فهمته من التقارير الصحفية التى نشرت عن الكتاب أنه يتضمن مجموعة من الخطابات كتبها المؤلف إلى حبيبته وأمه وغيرهما من النساء، وأما الناشر ترك بين كل خطاب وآخر صفحات بيضاء، لكي يكتب قارئ الكتاب رسائل على منوالها لمن يحابهم ويرغب فى مراسلتهم.. وكل الذي عرفته عن «زاب ثروت» أنه كان أحد الشباب الذين اعتصموا فى ميدان التحرير أثناء ثورة 25 يناير 2011، ولمع اسمه خلال ذلك، بما كان يشدو به من شعارات ويغنيه من ألحان. والحقيقة أنني لم أجد فيما قرأته عن الكتاب أو عن مؤلفه، تفاصيل كامنة، تدعو للاهتمام به، أو حتى لدهشة منه، ناهيك عن وصفه بأنه ظاهرة ثقافية، وحتى الآن لم يجسر أحد من نقاد الأدب القول بأن ما كتبه «زاب ثروت» هو نوع جديد من الكتب الأدبية وتعبير عن حساسية أدبية جديدة لدى جيل ثورة 25 يناير أو على الزعم بأنه طليعة أدباء هذه الثورة. وليس «زاب ثروت» هو أول اسم يلمع بشكل مفاجئ فى التاريخ الأدبى أو يكون كتابه الأول هو الأوسع انتشارا، فهذا التاريخ يحفل بأسماء كتب وكتاب وصحف وصحفيين، كانوا الأكثر مبيعا والأكثر جماهيرية بين فئات اجتماعية بعينها، أو على الصعيد المحلي أو القومي دون أن يكون ذلك - بالضرورة- تجديدا أو إضافة للتراث الأدبي.. والفني.. بل إن العكس من ذلك كان يحدث أحيانا، فينصرف المتلقون عن أعمال أدبية وفنية تجديدية، لأنها تصدم الذوق الشائع.. فقد ظلت الميلودراميات التى قدمها مخرج الروائع «حسن الإمام» الأكثر جماهيرية بين رواد السينما، بينما لم تنل الأعمال الأولى على الأقل، لعدد ممن جددوا بالفعل لغة السرد السينمائى، نفس الإقبال، ولم يكمل بعضها أسبوعا فى عرضه الأول، ومنها أعمال «يوسف شاهين» و«توفيق صالح» وفي الأدب لم توزع أعمال «نجيب محفوظ» الأولى سوى عدة مئات من النسخ. ما يلفت النظر هو أن أدب الرسائل - وهو القالب الذي اتخذه «زاب ثروت» لكتابه - كان خلال الأربعينات قالبا تجديديا لدى كتاب القصة القصيرة، فاتخذوه شكلا للقص، كان من بينهم «محمود كامل» و«يوسف السباعي» و«إبراهيم الورداني».. وغيرهم، ثم تركوه بعد ذلك لكتاب وناشرين من الدرجة العاشرة، اتخذوه وسيلة للربح، بنشر كتب- على نسق كتب الخطب المنبرية التى يعتمد عليها بعض خطباء المساجد - تتضمن نماذج من الخطابات العاطفية التى يتبادلها الشباب من الجنسين، فى المواقف العاطفية المختلفة، من الغزل إلى الشوق ومن العتاب إلى الاعتذار، وهي كتب كانت آنذاك الأكثر مبيعا بين أنصاف المتعلمين من الشباب يستعينون بها فى كتابة رسائل الحب إلى الطرف الآخر. وفي أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها فشى فى مصر، وغيرها من البلاد العربية ما عرف بـ«ثقافة الأورنس» وهو الاسم الذي كان يطلق على معسكرات جيوش الحلفاء التي انتشرت في المدن المصرية والتحق آلاف من المصريين للعمل بها - ولأن ثقافة معظم هؤلاء لم تكن تتجاوز معرفة القراءة والكتابة ولأنهم كانوا يتقاضون أجورا مجزية فقد تخلقت سلع ثقافية لكي تروج بينهم، كان من أبرزها غير الروايات البوليسية المترجمة والأفلام السينمائية المصرية التي انتجت آنذاك استنادا إلى ثلاثية «نكتة ورقصة وخناقة» مجلة أسبوعية فكاهية كانت تعتمد على الفكاهة الغليظة، تحمل اسم «البكبوكة» فاق توزيعها توزيع كل الصحف والمجلات المصرية الرصينة، بما في ذلك «الرسالة» و«الثقافة» و«الهلال».. وما كادت الحرب تضع أوزارها وتقوم جيوش الحلفاء بتسريح عمال الأورنس، حتى تدهور توزيعها إلى الحضيض واختفت من الأسواق. وربما كان من السابق لأوانه الآن القول بأن «زاب ثروت» يمثل ظاهرة ثقافية، فما يميز الظاهرة - كما يقول علماء الاجتماع- انها قابلة للبقاء لفترة من الوقت فتنتشر خلاله بين ساحة أوسع من الناس وهي تختلف فى ذلك عن «التقليعة» التي تنتشر فجأة ولكنها لا تعيش إلا لفترة قصيرة.. ونظرة عابرة إلى تاريخنا الثقافي وحتى السياسي تكشف عن كثير من التقاليع التي شغلت الناس لفترة.. ثم اختفت كما اختفت ثقافة الأورنس! أما المؤكد، فهو أنني أرجح أن يكون «زاب ثروت» تقليعة ثقافية، إذ يعز على أن أصدق أن يكون الجمهور الذي احتشد حوله هو جمهور ثورة يناير.. وأن يكون هذا الجمهور على درجة من «الثقافة» تجعله يجهل كل شيء عن رجل بمكانة «د.حامد عمار».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها