النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

مأدبة عشاء في مطعم «وقف روزفلت»

رابط مختصر
العدد 9454 الخميس 26 فبراير 2015 الموافق 7 جمادى الاول 1436

فيما أسمتها إحدى الصحف المصرية، لفتة لا تخلو من دلالة، دعا الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ضيفه الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» - أثناء زيارته للعاصمة المصرية في الأسبوع الماضي - إلى مأدبة عشاء بالمطعم الدوار ببرج القاهرة، وهي المرة الأولى التي يزور فيها رئيس مصري البرج منذ أكثر من أربعين عاما، بما يمثله - كما قالت الصحيفة - من أهمية تاريخية رمزية، إذ شيده الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر في مرحلة شهدت تقاربا كبيرا بين السياسة المصرية والروسية.. وتناول الضيف الروسي الكبير، طعاما مصريا تضمن محشي ورق العنب والكفتة وشطائر السبانخ وعصير البرتقال، واحتسى الرئيسان - بعد العشاء - الشاي بالنعناع. والحقيقة أنني لم استطع أن أتبين، أين تكمن اللفتة التي لا تخلو من دلالة، في زحام هذه التفاصيل، هل هي في الأهمية الرمزية للبرج الذي شيد في مرحلة التقارب الكبير بين السياستين المصرية والروسية.. أم في تناول محشي ورق العنب والكفتة واحتساء الشاى بالنعناع؟ لكن الدلالة الرمزية للزيارة بأكملها، شغلت آخرين من المحللين والصحفيين، طرحوا السؤال على أنفسهم وعلى غيرهم، بحثا عن إجابة لسؤال بدا لي غريبا عندما وجّه إلى هو: هل قصد الرئيس المصري أو مستشاروه من اختيار مطعم برج القاهرة بالذات مكانا لدعوة ضيفه الروسي للعشاء أن يوجه رسالة ما؟ وإلى من أراد أن يوجه هذه الرسالة بالتحديد؟ أما المؤكد، فهو أن «برج القاهرة»، وإن كان قد شيد في عهد الرئيس جمال عبدالناصر، إلا أن ذلك لم يحدث - كما قالت الصحيفة - في مرحلة التقارب بين السياسيتين المصرية والروسية، أو بمعنى أدق السوفييتية، لأن العكس من ذلك هو الذي حدث، إذ بدئ في بنائه عام 1954 في زمن كانت العلاقة فيه بين الدولتين في أسوأ أحوالها. وصحيح أن العلاقة بينهما تحسنت بعد ذلك، إلا أن بناء البرج انتهى عام 1961 خلال أزمة عنيفة تبادلتا خلالها حملات إعلامية ضارية.. ولم يكن البرج من بين المشروعات التي ساهم الاتحاد السوفيتي في تمويلها، مثل السد العالي ومجمع الألومنيوم وغيرهما من المشروعات الصناعية الكبرى، التي يمكن للرئيس المصري أن يختار احدها، لكي يزوها مع ضيفه الروسي، ويتناول معه عشاء محشي ورق العنب والكفتة ليكون ذلك رمزا ذا دلالة على العلاقات التاريخية بين البلدين.. بل على العكس من ذلك، كان من بين المشروعات القليلة التي بنيت من حرّ مال المخابرات المركزية الأمريكية المخصصة لحشد دول العالم الثالث ضد السياسة السوفييتية، وإغرائها للوقوف في المعسكر المعادي لما كان يعرف آنذاك بـ «الستار الحديدي»، والدخول في أحلاف تستهدف حمايته مما كان يوصف آنذاك بـ «المبادئ الهدامة»! وأصل الحكاية أن مصر فكرت - عام 1954 - في إنشاء صارٍ ضخم للاتصالات اللاسلكية يربط بين وزارة الخارجية والسفارات المصرية في مختلف بلاد العالم، ويربط محافظات الجمهورية ببعضها، مما ييسر سرعة وصول المعلومات إلى جهات اتخاذ القرارات في حالات الضرورة، واختارت لذلك مكانا في حدائق الزهرية على الضفة الغربية للنيل. وفي تلك الأثناء كانت هناك في القاهرة، بعثة من المخابرات المركزية الأمريكية يرأسها «كيم روزفلت» - المسؤول عن قسم الشرق الأوسط في الوكالة - أرسلها الرئيس الأمريكي آيزنهاور لكي تكون حلقة الاتصال بين البيت الأبيض وبين مجلس قيادة ثورة 23 يوليو، في محاولة لإنشاء قناة اتصال غير رسمية بين واشنطن وبين القادة الجدد في مصر للتعرف على اتجاهاتهم ومحاولة التأثير فيهم بعيدا عن بيروقراطية وزارة الخارجية الأمريكية، خاصة أن مصر كانت تتفاوض آنذاك مع بريطانيا، لتحقيق الجلاء عن قاعدة قناة السويس، وكان القادة الجدد يحسنون الظن بالسياسة الأمريكية، ويأملون في أن تمارس واشنطن ضغطا على الحكومة البريطانية، لكي تسحب قواتها من القاعدة وتعترف باستقلال مصر الكامل بعد 74 عاما من الاحتلال. وكان من بين الآمال التي علقتها مصر على هذه البعثة، أن تساهم واشنطن - فضلا عن جهودها لتحقيق استقلالها - في تسليح الجيش المصري، وفي تقديم معونات اقتصادية تمكنها من تنفيذ مشروعات التنمية الطموحة التي كانت تحتاجها لرفع مستوى معيشة المصريين.. بينما كانت بعثة المخابرات المركزية الأمريكية تهدف إلى دفع السلطة الجديدة في مصر، لتوقيع اتفاق سلام مع إسرائيل، والدخول في أحلاف أو مشروعات للدفاع المشترك مع دول الغرب لتطويق الاتحاد السوفييتي ومحاربة الشيوعية، وسد الفراغ الذي سوف يترتب على جلاء بريطانيا عن قاعدة قناة السويس! وفي إحدى رحلاته إلى واشنطن اقترح كيم روزفلت على رؤسائه في وكالة المخابرات الأمريكية، أن تدعم «عبدالناصر» بصفة شخصية، بثلاثة ملايين دولار، لتعزيز حراسته الشخصية، وبعد دراسة استغرقت بعض الوقت، وافقت الوكالة على ذلك، وجرى تخصيص المبلغ من البند المخصص في ميزانية الوكالة لدعم رؤساء الدول، ووصل نقدا إلى السفارة الأمريكية في بيروت، وطار إلى القاهرة.. ولأن «روزفلت» كان غائبا عنها، فقد تسلمه السفير الأمريكي الذي رفض أن يقوم بمهمة تسليم المبلغ نفسه إلى «عبدالناصر» لأنه لا يستطيع بحكم منصبه الرسمي أن يسلم أموالا سائلة لرئيس وزراء البلد الذي يمثل بلاده فيه، خشية أن يرفض وتثور أزمة بين البلدين.. وطلب من «مايلز كوبلاند» - أحد مساعدي روزفلت - أن يتولى الأمر بنفسه، باعتباره من مهام وكالة المخابرات وليس من اختصاصات السفير - واراد كوبلاند - الذى كان أول من روى القصة في كتابه لعبة الأمم - أن يحتاط لنفسه، فاتصل بـ «حسين التهامى» - وكان يقوم بدور ضابط الاتصال بين روزفلت وعبدالناصر - وأبلغه بالأمر، وسأله عما إذا كان «عبدالناصر» يمكن أن يقبل هدية المخابرات الأمريكية، فلما تأكد منه - بعد أيام - أن ذلك ممكن، حمل الحقيبة التي تضم الملايين الثلاثة من الدولارات، وتوجه بها إلى منزل «التهامي» في المعادي، فتسلمها الأخير منه، وأصر على إحصائها، فوجدها تنقص عشرة دولارات.. ثم حملها وتوجه بها إلى بيت عبدالناصر! وكانت المفاجأة أن «عبدالناصر» لم يحتفظ بالمبلغ لنفسه، ولم يعتبره هدية - أو بمعنى أدق رشوة - شخصية له، وأمر بإيداعه في خزينة إدارة المخابرات العامة، التي كانت لا تزال تحت التأسيس، وأمر بألا يصرف منه إلا بقرار من مجلس قيادة الثورة، وتقرر فيما بعد، تطوير مشروع «برج القاهرة» بحيث لا يقتصر على دورين أرضيين يعلوهما صارٍ للاتصالات اللاسلكية، بل يتحول إلى مبنى فخم ومزار سياحى، يفوق ارتفاعه الهرم، ويقع في الدور الأخير منه مطعم دوّار، يدور بالجالسين فيه، على مدى ساعة كاملة، يستطيعون خلالها أن يشاهدوا القاهرة من أعلى مكان فيها، ليكون أثرا تاريخيا ودليلا على خيبة المخابرات الأمريكية وعجزها عن التمييز بين معادن الناس. وفيما بعد أطلق المسئولون المصريون - كما يقول كوبلاند - على البرج اسم «وقف روزفلت». ولو صح أن الرئيس عبدالفتاح السيسي - أو أحد مستشاريه - قد تعمد اختيار «وقف روزفلت» ليكون المكان الذي يستضيف فيه الرئيس الروسي، فلا أشك أنه قصد من ذلك أن يوجه رسالة واضحة لأصحاب الفضل في تمويل بناء هذا الوقف، يذكرهم فيها بأنهم أساءوا دائما التمييز بين معادن الرجال. وحتى لو كان ذلك حدث صدفة، فلعل الرسالة تصلهم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها