النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11184 الجمعة 22 نوفمبر 2019 الموافق 25 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

المذهبية السياسية!!

رابط مختصر
العدد 9453 الاربعاء 25 فبراير 2015 الموافق 6 جمادى الاول 1436

نستطيع أن نقول باطمئنان إن المشهد الاجتماعي الذي بدا مشوها للغاية ومشدودا ومحتقنا حد الانفجار إبان الرابع عشر من فبراير وما تلاه من الأسابيع والأشهر والسنوات الثلاث اللاحقات جراء الممارسات المذهبية التي عاثت فيها الجمعيات الطائفية فسادا بالوطن ولطخت المجتمع بأوسخ السلوكيات الطائفية قد تعافى بفعل جهود رجال الامن الأبطال في بسط الأمن والنظام، مضافا إليها استعادة المجتمع الوعي للأخذ بمتراكم التسامح المتوارث عبر أجيال وأجيال لكي نبقى متوحدين. كان لا بد لذاك الشد وذاك الاحتقان أن يترك مخلفات وأسئلة محيرة لا ينبغي أن تبقى معلقة من دون إجابة، على الأقل لتكون الصورة واضحة للأطفال الذين كدستهم الجمعيات المذهبية الحالمة بنجاح انقلابها على الدولة البحرينية المدنية في سيارات (السكس ويل) وزجت بهم في أتون شعارات الدوار اللعين، والأطفال الآخرين الذين شبعوا خوفا وهلعا من الشعارات الطائفية التي كانت تردد في المدارس. ولعلي أتناول معك قارئي العزيز هنا سؤالين من هذه الأسئلة، وجدت أنهما يستحقان منا لفتة وبحثا، أول السؤالين: متى بدأت الطائفية تلقي بظلالها الكثيفة على المجتمع البحريني؟ وثانيهما، وأعتقد أن علاقته وطيدة بمتشددين في المذهبين سارعوا إلى تشكيل جمعيات سياسية على أسس طائفية مستغلين فيها رصيدا من العمل الاجتماعي ظلوا يعملون فيه بحرية من دون منازع ومفاد السؤال: هل ولدت الطائفية من رحم الغيب؟ أي هل ظهرت هكذا من دون زعامات، وظفت فيها ما اجتمع لديها من مال وإعلام مسموح به ومحرم؛ لتغدو متجذرة في المجتمع، ولتبقى ساخنة ومتأججة ضمانا لاستمرار نفوذ هذه الزعامات التي غالبا ما يحرضها على ذلك هاجس آتِ من عمق التاريخ مفاده أن طائفة ما سوف تبتلع طائفة أخرى، فتتخذ من الإجراءات «الاحترازية» ما يوقع الأوطان في متاهة الضياع وجحيم الاحتراب؟ أعود وأقول الحمد لله أن الأمور انتهت عند هذا الحد، ونجونا من أن نسقط في امتحان الوطنية الجامعة. وإجابتي عن السؤال الأول: «متى بدأت الطائفيّة تلقي بظلالها الكثيفة على المجتمع البحريني؟» هذا السؤال الذي أقطع باليقين أنه ليس انتاجا محليا وإنما هو آت من الجوار الاقليمي الذي عصفت به الطائفية وكان الظلم والقهر أول وأهم مبرراتها، ينبغي علينا الاعتراف في البداية أن الصورة البحرينية تستجمع تركيبتها من الصورة العامة لما يعتمل حولها في الإقليم من حراك سياسي واجتماعي، مشدود من كل زواياه، إلى تراث متراكم من العنف والفواجع الطائفية الناجمة عن الاختلال في معادلة الاحترام المتبادل، وغياب التسامح، وسيادة مفهوم نبذ الآخر الذي له حضور طاغِ في ذاكرة كل المجموعات المذهبية إلى الدرجة التي تسمح لنفسها بتصفية المغاير لها والمحافظة على نقاء مذهبيتها من أن «تتدنس» بالتجاور مع المذاهب الأخرى. وفي سياق إجابتي على السؤال الأول أضيف سؤالا مصحوبا بعلامة تعجب كبيرة: «هل لدينا في عالمنا العربي تنظيمات سياسية إسلامية غير مذهبية؟!»، لقد كان لتأسيس جمهورية إيران الإسلامية على أنقاض حكم الشاه في عام 1979 تأثير في استنفار الكيانات المذهبية، في ظل غياب الديمقراطية ودولة المواطنة، للاحتماء بهذه المذهبيات على حساب الدولة، مما شكل إيقاظا لها في المنطقة. وقد زيدت المشهدية السياسية والاجتماعية تأججا بعد صعود الجماعات الشيعية المذهبية إلى سدة الحكم في العراق، وفتحها جبهة حرب انتقامية من سنة هذا البلد العزيز، وكأن السنة مسئولون عن رزايا حكم حزب البعث وانتهاكاته. أما فيما يتعلق بالسؤال الثاني والقائل بـ «هل ولدت الطائفية من رحم الغيب، أي هل ظهرت هكذا من دون زعامات طائفية ..؟» أحسب أن كل الجمعيات المذهبية المعروفة للمواطنين كافة هي التي تقود المجتمع إلى التفتت والانشطار. وفي اعتقادي أن المواطن الذي يتحلى بقدر كاف من المسؤولية يجب عليه أن ينأى بنفسه عن الانخراط في مثل هذه الكيانات مهما تجملت أو زينت له؛ لأنها ببساطة ترفع قدر هذه الجمعية أو تلك فوق قدر الوطن، ويغدو المواطن لديها مجرد رقم أو شيء لا قيمة له أمام المذهب أو الطائفة. في تقديري أن هذين السؤالين ظلا مضمرين منذ تسعينيات القرن العشرين إلى أن حانت اللحظة التاريخية الحاسمة، وتوهجا سطوعا في المشهدين السياسي والاجتماعي عندما أفصحت الجمعيات المذهبية عن مضمراتها الفئوية، وفتحتها الأقدار في أحداث الرابع عشر من فبراير عام 2011 المخيفة. بعد أن كانت الطائفية تفكيرا برسم التداول السري في جلسات القادة المذهبيين صارت تفكيرا مجاهرا به مسموعا يصم الآذان، الأمر الذي يوجب على الدولة أن تتدخل وبسرعة، وكذلك مؤسسات المجتمع المدني، والمواطنين كافة للوقوف أمامها مليا، والبحث عن حلول واقعية تحمي المجتمع وتكسبه المناعة اللازمة إذا ما أُريد لهذا الوطن أن يتطور ويتقدم، وتمنع من أن تتسرب الكراهية إلى قاعه، وتظهر بهذا الشكل المريع، الذي بدا وأننا شعب للتو بدأ يتعايش في وطن واحد وتذهب تجربتنا الفريدة في التعايش هباء منثورا. ينبغي أن تستوقفنا الأحداث الوطنية المدمرة حتى نبقي على وحدتنا، فنسارع إلى تشخيص الواقع المعيش المستجد للكشف عما تضمره جمعيات الإسلام السياسي؛ لنعرف إلام يقودنا، ونمنع تسرب نتائج تداعيات المشاكل الإقليمية بين فئات المجتمع البحريني وطوائفه، وذلك بتنمية الوعي بالوطن من حيث هو حاضن للجميع، وبدولة المواطنة التي تستند على الحقوق والواجبات، وترك المقولات المتطرفة بتقسيم البحرينيين مذهبيا وعنصريا ونبذ الشعارات الهدامة التي ترفعها تلك التيارات، وبذلك نبني ضمانات قوية لخلق بيئة اجتماعية صالحة تنمو معها الديمقراطية، فلا يشغل بال البحريني خوف من المستقبل أو خشية على سلامة الوطن وأمنه، وهذه مهمة المهمات التي تقع على عاتق مؤسسات الدولة تربيةً وتعليما وإعلاما، وكذلك مؤسسات المجتمع المدني. نعم إن وقف انزلاقنا في وحل الطائفية مهمة صعبة، لكنها ليست مستحيلة إذا توافرت الإرادة والثقة بالمستقبل، وعليه فإنه لا يجب علينا أن نستسلم لإرادات المذهبيين كافة مهما دسوا من الشعارات الحقوقية التي ترفعها في مسيراتها، سواء تلك المسيرات الممسرحة التي تستعطف بها العالم الحر، أو تلك التي تنشد فيها دعم المذهبيين في الجوار الاقليمي، أو تلك المشفوعة ببلطجة اللوفرية لإرباك المشهد العام والإيهام بأن في البحرين تطاحنا لا يقل شأنا عما تعيشه اليمن أو سوريا أو العراق.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا