النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

الثقافة باعتبارها سنداً­ للحداثة والتنمية

رابط مختصر
العدد 9451 الاثنين 23 فبراير 2015 الموافق 4 جمادى الاول 1436

ليس بعض النواب ورجال الدين فقط، لا يهتمون بالشأن الثقافي، ولا يولونها أي عناية، ويعتبرونها «ترفا» و«هوامش» و«زينة» لا لزوم لها، و«هلسا» يخرج عن نص منظورهم للحياة بل وجدنا من الكتاب الذين يتصدون لتوجيه الرأي العام، من يردد صراحة أقاويل معادية للثقافة من نوع «ثقافة إيــه التي نخصص لها الموارد المالية بدلا من انفاقها في وجهة أخرى اهم!!!!» ان الثقافة ليست شكلا من أشكال الترف الفكري، بل إنها سند للمشروع الإصلاحي، فكل مشروع سياسي لا بدّ أن يوازيه مشروع ثقافي إن لم يسبقه أو يبشّر به، ونقصد هنا الثقافة التي تدعم الإيمان بالذات كمدخل أساسي لربط قنوات التواصل مع الآخر، لتسهم في الحضارة الإنسانية وتحتلّ فيها مكانة، فطوال تاريخها الممتد في الزمن حافظت البحرين-مع تعلّقها بأصالتها وهويّتها - على صلاتها بالعالم، كما تؤكد ذلك الروابط الاقتصادية والثقافية والحضارية التي نسجتها عبر القرون، حيث كانت ولا تزال مهدا للتنوير والتحديث والابتكار، ومنبتا للتفتح والحوار. وإذا كان للثقافة هذه الأهمية الحيوية في حياة البحرين، فمن الطبيعي أن يكون الاستثمار فيها أولية لا تقل أهمية عن الاستثمار في السكن والتعليم والصحة، لان الإنسان لا يحيا بالخبز وحده. بل إن الثقافة جزء حيوي من مكونات الإنسان وحاجاته الأساسية كانسان له تاريخ ووعي ووجدان، ومن هنا يجب أن يحتل قطاع الثقافة مكانا بارزا في حياة المجتمع، والبحث عن مزيد من مصادر التمويل، ضمن خطّة طموحة تكون شراكة بين الدولة والقطاع الخاص، بعد أن تبيّن أن المتطلبات متزايدة وان المجهود الحكومي-رغم أهميته-لم يعد يكفي لوحده لتجسيد تلك الطموحات، لأنه غير قادر على تحمّل كافة الأعباء بمفرده. لذلك لا بد من فتح الباب أمام المبادرة الخاصة عن طريق الرعاية والتبنّي والشراكة، والاستفادة من دعم المنظمات الدولية المختصة، خاصة وأن الدراسات تؤكد أن المستقبل سيكون للثقافة دور حاسم فيه، فالتحوّلات العميقة التي يشهدها العالم اليوم تؤكد أنه لا بديل عن التميّز الثقافي لدخول ساحة المنافسة، مما يستدعي صياغة سياسة ثقافية تهدف إلى إبراز الطاقات الإبداعية المحلية وتنويع حقول فضاءات العمل الثقافي والاستفادة من المثقفين الكثيرين الموجودين في كل مكان وموقع. وإذا ما اعتبرنا الثقافة سندا للمشروع الإصلاحي، وأداة حاسمة في دفع التنمية وتعزيز تماسك الشخصية الوطنية، فلا بد من تعهدها بمزيد من التطوير والإصلاح، من خلال إنشاء المزيد من المؤسسات التي تعنى بالشأن الثقافي، والمزيد من الفضاءات الثقافية التي تعني بالإبداع ورعايته، وتوفير المزيد من الآليات والأنشطة التي تسهل إدراج الثقافة في المنظومة التنموية، إضافة إلى دعم اللامركزية في هذا القطاع من خلال إنشاء مركز ثقافي في كل محافظة، وإعادة هيكلة الإنتاج والاستثمار، وتطوير التشريعات الثقافية، وإحاطة المبدعين بالمزيد من التشجيع، ورفع الميزانية المخصصة للثقافة، وذلك لأن بحرين الغد تحتاج إلى المزيد من القرارات والإجراءات التي ترتقي بالثقافة الوطنية إلى المستوى المنشود، تعزيزا لمجتمع المعرفة، وحفزا على الانخراط في الأشكال الجديدة للإنتاج الثقافي. فالثقافة سبيلنا إلى التقدم والرقي، لأنها أداة حاسمة للتعبير عن وعي الشعوب، وإبراز خصوصياتها، والتعريف بإبداعاتها، وترسيخ تواصلها مع سائر الحضارات والثقافات، والاعتماد والمعول هنا على المبدعين والمبدعات لتكريس هذا التوجه، والمثابرة على إنجاز أعمال أصيلة وهادفة في مختلف المجالات، كما أن الثقافة تحتل مكانة هامة في هويّة الدولة، حيث لا تنهض بدون القوة المادية والقوة الثقافية – الروحية، فلا مناص لها من بناء ثقافة خاصة بها تميّزها عن غيرها من الدّول، والسعي إلى تشكيل أو تعزيز هويّتها وخصوصيّتها الثقافية في التّميّز. كما ان انتشار الثقافة ونموها في الدولة الديمقراطية يرتبط بالضرورة بتوفر المناخ الأفضل للحرية والابداع، وتوفير التشريع والتمويل اللازمين، حيث لا يجب أن تنسحب الدولة من الإنتاج الثقافي، وليس المطلوب منها إلغاء كلّ أسباب تدخّلها في الإنتاج الثقافي، فذلك أمر لا يرغب فيه المبدعون الذين يعتبرون أن الأعمال الإبداعيّة الكبرى لا يقدر عليها الأفراد أو الجمعيات الثقافية، ولذلك فمن الضروري تدخّل الدولة من خلال توفير الدّعم والمتابعة والرعاية للإبداع والتراث وإقامة المهرجانات الكبرى، مثل مهرجان الشعر ومهرجان التراث ومهرجان الموسيقى ومهرجان الكتاب ومهرجان المسرح إلخ..... كما على الدولة أن تشجع قيام دور النّشر والمؤسّسات السّينمائيّة والجمعيّات والشركات الخاصّة في كلّ المجالات الإبداعيّة وذلك بدعم إنتاجاتها وبرامجها وعروضها، كذلك العمل على ربط الثقافة في بعدها الوطني وفي بعدها الإنساني بالمشروع المجتمعي الجديد الذي يعتبر التّعدّديّة أمرا أساسيّا في كلّ عمل ثقافي وإبداعي، فان ميزة المشروع الثقافي الحداثي أنه يدعم الإبداع والمبدعين داخل الحقل الثقافي بالمؤسسات العمومية المختلفة وفي فضاءات الثقافة غير التابعة للدولة. فالذوق العام يصنعه المبدع مهما كان انتماؤه ولونه السياسي وليست الدولة، إذ الدولة لا تستطيع التحكم فيه، وليس هو كذلك من صنع المؤسسة الخاصة إذ لا تستطيع السيطرة عليه ضمن فضاءاتها وفلكها الربحي. وضمن هذه المقاربة المجددة المنبثقة من جوهر الخصوصية المحلية يفترض أن تعمل الدولة على اعتماد خطة «لتمويل الثقافة» بعد أن تبيّن أن المتطلبات والحاجيات متزايدة والمجهود العمومي غير قادر على تحمّل كافّة الأعباء. لإن مستقبل الثقافة بات رهن ارتباطها بالمسيرة التنموية وتفاعلها مع الدورة الاقتصادية، إنتاجا وتمويلا وتسويقا، فالثقافة لم تعد فعلا ثقافيا من أجل الثقافة فحسب بل أصبح دورها محوريا في التنمية الاقتصادية. همس العربة أمام الحصان.. عنوان يلخص كاريكاتيريا وضع المثقف ودوره في السياسة، فالعملية عندنا مقلوبة، فالوضع الطبيعي، في الدول التي تعتمد في سياساتها واستراتيجياتها على فكر المفكرين، ان يكون « المثقف» بمعناه الواسع (أي المفكر والرؤيوي والعالم، وليس مجرد الخبير التكنوقراطي او الأستاذ الجامعي) هو « الحصان» الذي يقود العربة، أي أن يكون له دور حيوي في رسم معالم الطريق في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة، لا أي يكون موقعه خلف العربة، مجرورا لا جارا.. هذه المعادلة يجب ان تنقلب راسا على عقب اذا اريد لأوضاعنا ان تتغير نحو الأفضل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها