النسخة الورقية
العدد 11002 الجمعة 24 مايو 2019 الموافق 19 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

المطار والجسر وذاكرة أهل المحرق

رابط مختصر
العدد 9448 الجمعة 20 فبراير 2015 الموافق 1 جمادي الاول 1436

نفهم ان الذاكرة الشعبية العامة ترتبط بشيء من الحنين إلى الأماكن القديمة واحياناً الموغلة في القدم. لكن كيف ارتبطت ذاكرة أهل المحرق بأماكن حديثة كالمطار «القديم طبعاً» وبالجسر «جسر الشيخ حمد» بوجهٍ خاص حيث شكل مفارقات لأهل تلك المدينة العريقة. فالجسر كان مكاناً «للحداق» وارتبط بذاكرة محبي الصيد الذين يقضون جزءاً من صباحهم ومسائهم «يحدقون» من على الجسر واحياناً تأتي جماعات للجلوس وازجاء الوقت في ليالي الصيف بالجلوس على جوانب الجسر من جهة المحرق وهو الذي شهد بعض المقاهي الشعبية قريباً منه وكانت تعج بالمرتادين في الفترة المسائية. وهذه المقاهي انتشرت بالقرب من جسر الشيخ حمد من جهة المحرق حين اختفت السواحل من منتصف سبعينات القرن الماضي مع ازدياد حركة النشاط العمراني الواسع. والجسر عند أهل المحرق ارتبط في ذاكرتهم باسم ذلك الرجل الشعبي علي الجفن المعروف بلقب «بوتاكي» والذي كان مسؤولاً عن فتح الجسر واغلاقه مرتين في اليوم مرة في المساء وأخرى صباحاً لمرور السفن الشراعية من تحته في الوقت الذي يتوقف فيه مرور السيارات من فوق الجسر لمدة ربع ساعة كما قيل لنا. واشتهر المرحوم علي الجفن «بوتاكي» بقوته البدنية التي ارتبطت بذاكرة الجسر طبعاً. ومن قبله كان يقوم بالمهمة احد سكان رأس الرمان وهو الذي اصاب ماكينة الجسر عطب فحاول فتحه فلم ينفتح ذلك النهار.. فراح الرجل يصرخ «اشلون جيم الجسر» اي كيف توقف مقود الفتح والاغلاق لتصبح تلك الصرخة اهزوجة فكاهية ألفها الخيال الشعبي فقال «اشلون جيم الجسر.. آيه على وظيفتي وظيفتي إمْية وعشر» أحد عشر ديناراً في زماننا. وارتبطت الذاكرة الجمعية المحرقية بان الجسر ذاته يكون شاهداً على اختلال عقل من يعبره ودليلاً على جنونه كما كانوا يقولون حين يشاهدون شخصاً يعبر الجسر وقت الظهيرة من المحرق إلى المنامة فيصرخون «فلان صاده اليسر» اي اصابه الجنون!!. أما المطار فهو المطار القديم بمبناه المفتوح في السطح والمسور من كل الجوانب يرتاده بعض اهالي المحرق ليلاً للاستمتاع بالنسيم فوق سطح المطار ومراقبة ركاب الطائرات حين كانوا ينزلون يومها من الطائرة إلى ساحة المطار ليقطعوا المسافة مشياً على الأقدام حتى الدخول إلى مبنى الجمارك والجوازات. وكانوا يعرفون وجوه القادمين ووجوه المغادرين كل ليلة واصبح سطح المطار جزءاً من برنامج الشباب في الستينات ومطلع السبعينات فكل ليلة يأخذون انفسهم سيراً على الأقدام إلى المطار ومنه إلى السطح مباشرة لتبدأ سهرة صيفية بريئة ما بين مراقبة الطائرات والعائدين والمغادرين إلى الخارج. كانت اماكن الترفيه محدودة جداً.. ولذا اختار بعض اهالي المحرق الجسر وسطح المطار كجزء من اماكن الترفيه إلى الدرجة التي كنا فيها نتسابق حول معرفة ماركة السيارات العابرة فوق الجسر من المحرق إلى المنامة أو العكس في تنافسٍ حقيقي نقطع به جزءاً من ليالي العطلة الصيفية.. ونتذكر ذلك الآن فنضحك على بساطتنا وتواضع وسائل تسلياتنا في ذلك الزمن. كنا نعتبر انفسنا محظوظين بقرب الجسر منا وبقرب سطح المطار وإلى هذه الدرجة كان سكان المدن البعيدة نسبياً يحسدوننا على ذلك!!. هل كانت حياة بسيطة ام كانت حياة فقيرة؟؟ المهم اننا كنا مقتنعين بها ومنسجمين معها إلى ابعد الحدود ولم نكن لنشكو مللاً او ضيقاً ولا نتأفف لا من بساطتها ولا من فقرها إلى وسائل ترفيه وتسلية وهو ما منحنا القدرة على ان نعيشها بكل تفاصيلها وان نستمتع بها بقوة والآن نكتشف فقط ان القناعة فعلاً كنز لا يفنى.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها