النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11923 الإثنين 29 نوفمبر 2021 الموافق 24 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:43AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

كـُـنْ مع الدهر معوانا لذي أمل

رابط مختصر
العدد 9448 الجمعة 20 فبراير 2015 الموافق 1 جمادي الاول 1436

رويت عنه قصص وحكايات كثيرة تدل في مجملها على أنه كان صاحب كرم حاتمي مدهش. فقد قيل أنه إذا ركب الباخرة مسافرا استضاف كل من عليها طوال مدة الرحلة، وأنه كان يقدم الوجبات الثلاث في مجالسه يوميا لكل جائع وفقير، وأنّ عملية توزيع زكواته كانت تستمر لشهرين أو أكثر في دبي والامارات المجاورة، وأنه إذا أدخل يده في الكيس أو الصندوق أخذ من المال ملء يده وناوله المحتاج دون أنْ يعد أو يحسب. بل قالوا أنه كان يقعد خلف إحدى النوافذ وعلى يمينه زنبيل وعلى يساره آخر وخلفه خدم يشقون الأكياس التي فيها العملات المعدنية ويصبونها في الزنبيلين كلما فرغت وكانت الناس تأتي وتصطف خلف بعضها البعض وكان يضع كلتا كفيه في الزنبيلين ويعطي ولا يسأل أو يفتكر بالمبلغ الذي في كفيه ولا ينظر في وجه من يعطيه حتى أنّ خدمه كانوا ينبهونه بأن من يعطيه قد أخذ ومن ثم دار ورجع الى الصف، وكان ينهرهم ويقول لهم: دعوني ومن يحملون زادي الى الآخرة. قال عنه الشاعر الاماراتي الاستاذ ابراهيم أبوملحة نقلا عن الاستاذ أحمد بن عبدالرحمن الجرمن مندوب دولة الامارات العربية المتحدة لدى الامم المتحدة ووكيل وزارة خارجيتها السابق أن قدوره كانت مثبتة بالمسامير كيلا تتحرك قاعدتها لأنها كانت ضخمة وثقيلة، فكانت تغسل وهي في مكانها. وتطرق إلى كرمه الكاتب سالم الريامي في صحيفة «الإمارات اليوم» (25/12/2012) قائلا: «كان إذا مشى في السوق مشى خلفه أكثر من خمسين رجلا، وإذا مر بدكان اشترى كل ما عنده من الغتر والشالات والأرز ووزعها على الناس، مما جعل أهل السوق يتمنون» أن يمر صاحبنا بهم فينالون من كرمه واحسانه. كما تطرق الريامي إلى صفتي التواضع والبشاشة اللتين اتصف بهما طوال حياته فقال: «كان متواضعا رغم ثرائه ومكانته في المجتمع، وكان يعطي وهو يبتسم، وإذا سمع أنّ أحدهم ممن أستدان منه مبلغا، لايستطيع أنْ يفي بدينه أرسل له مبلغا مثل ذلك المبلغ، إضافة إلى إبراء ذمته مما استدانه». صاحب الكرم الحاتمي هذا هو المرحوم الشيخ أحمد بن دلموك بن سعيد بن عبدالله بن حمدان من آل بوفلاسة صهر الشيخ سعيد بن مكتوم بن حشر بن مكتوم بن بطي بن سهيل آل مكتوم الفلاسي مؤسس دبي وحاكمها ما بين عامي 1912 و1958 . وإسم هذا الرجل صار مضربا للأمثال في الكرم فيقال «مثل كرم بن دلموك». أما آل بوفلاسة الذين ينتمي إليهم فهم، طبقا لما ورد في كتاب «الخليج بلدانه وقبائله» من تأليـــف «س. ب. مايلز»، قبيلة قضاعية قحطانية الأصل، ياسية الجد (نسبة إلى بني ياس) تربطها رابطة العمومة والخؤولة مع قبيلة البوفلاح الذين منهم آل نهيان الكرام حكام إمارة أبوظبي. وهي من ناحية أخرى تتفرع إلى خمسة فخوذ وكل فخذ ينقسم إلى عدة عشائر، ومن أهم هذه الفخوذ الخمسة فخذ «المجاردة» الذي ينتمي إليه آل مكتوم حكام دبي الكرام، وفخذ «المجاعدة» وهو أكبر فخوذ آل بوفلاسة، وفخذ «المصابحة» الذي يشمل قوم بن دلموك، إضافة إلى فخوذ «الرواشد» و«اليديوات» و«آل لاحج». ولد الشيخ أحمد في دبي، ونشأ في ظل والده الذي عــُرف بين الناس بالبر والاحسان، وتلقى تعليمه في الكتاتيب شأنه في ذلك شأن كل معاصريه لكنه أثرى ثقافته بالقراءة والسفر ومجالسة العلماء. وهو يُعد واحدا من كبار تجار اللؤلؤ البارزين في الخليج العربي، إضافة إلى أنه كان من ممولي سفن الغوص ومن المتاجرين في سلع متنوعة ذات منشأ هندي. وكان بن دلموك أيضا من محبي العلم والعلماء، وآية ذلك قيامه ببناء «المدرسة الأحمدية» بمنطقة الراس في بر ديرة (قرب سوق الفحم أو سوق الصخام القديم)، واستقدام المدرسين لها، وتحمل مصاريف التعليم كلها، ناهيك عن اهتمامه بطباعة الكتب على نفقته الخاصة، ومن هذه الكتب الكتاب الفقهي المعروف «تحفة السالك لمذهب الإمام مالك». والمعروف تاريخيا أن المدرسة الاحمدية هي أول مدرسة شبه نظامية افتتحت في دبي، حيث راودت الشيخ بن دلموك فكرة تأسيسها قبل زمن طويل من الشروع في بنائها في عام 1912. وحينما شرع في بنائها من سعف النخيل لم يكن الهدف من ورائها سوى نشر العلم في المجتمع. وبمعنى آخر لم يكن بن دلموك يبتغي من وراء بنائها مالا أو جاها. وتشاء الاقدار أن يتوفى الشيخ أحمد بن دلموك أثناء بناء المدرسة، فلا تكتحل عينه برؤية مشروعه قائما، لكن إبنه ذائع الصيت الشيخ محمد بن أحمد بن دلموك قام باتمام ما بدأه والده، وأطلق على المدرسة إسم الأحمدية تيمنا بأبيه. وقد سار الابن على درب أبيه لجهة أعمال الخير والبر والعطف على الفقراء، حيث فتح أبواب المدرسة للجميع دون استثناء، وكان يتقاضى من أبناء الأغنياء رسوما دراسية تتراوح ما بين 3 ــ 5 روبيات، أما أبناء الفقراء فكان يتبرع بالدفع عنهم وتوفير الغذاء والكساء لهم. وضم إلى المدرسة نخبة من خيار المدرسين ممن كانوا قدوة صالحة بعلمهم وعملهم للرعيل الأول من أبناء دبي والإمارات. ومن هؤلاء المدرسين ــ بحسب ما ورد في الصفحتين 258 و259 من كتاب «رجال في تاريخ الإمارات» للصديق الدكتور عبدالله الطابور الباحث المجتهد في التأريخ والتراث ــ محمد نور سيف بن هلال المهيري، أحمد بن حمد الشيباني، عبدالله شمس الدين بن الشيخ محمد بن غانم، محمد بن علي بن دعفوس، محمد بن يوسف الشيباني، حسن بن أحمد أبوملحة، ماجد بن محمد بن ماجد، مطر بن عبيد أبوملحة، مطر بن عبيد بن ماجد، والشيخ عبدالرحمن بن حافظ. وقد اضافت مصادر أخرى إلى ما سبق من أسماء كلا من العلامة محمد الأمين الشنقيطي، الشيخين عبدالعزيز بن حمد آل مبارك و عبدالله بن عبدالعزيز آل مبارك، والشيخ عبدالرحيم المريد. ومن بين من تلقوا تعليمهم في هذه المدرسة سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم رئيس وزراء دولة الامارات العربية المتحدة/ حاكم دبي، ووالده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم. ويضيف الأستاذ أحمد حمد الشيباني، وهو من الرعيل الأول من رجالات التعليم في الإمارات، في السياق نفسه، أن الدراسة في الأحمدية في بداية ظهورها كانت على شكل حلقات علم شبيهة بما كان عليه الحال في الأزهر وفي المسجد النبوي بالمدينة المنورة، وأن هذا الأمر استمر ولم يتغير نحو الشكل المتطور في التعليم إلا مع نهاية الثلاثينات من القرن الماضي حينما استقدم بن دلموك مدرسين وعلماء من أهل الزبير (من أمثال الاساتذة أحمد بن عبدالله العرفج ويوسف بن محمد الجامع ومشعان بن ناصر المنصور وعبدالله العبدالوهاب الوهيب) حيث قام هؤلاء باستحداث دروس الخط والحساب والفقه والجغرافيا والتاريخ والبلاغة والمنطق وعلم المواريث. ويضيف الشيباني أن بعض المدرسين كان يأتي من مصر ومكة والأحساء ويقيم في الأحمدية لمدة 3 ــ 4 أشهر ثم يعود إلى وطنه ويأتي غيره ليحل محله، وأن الأحمدية كانت تضم مسكنا ملحقا بكافة المرافق لخدمة الطلبة القادمين من خارج دبي. والجدير بالذكر أنه ، نظرا للمكانة التاريخية والتربوية للمدرسة، فقد قامت حكومة دبي بترميمها في منتصف عام 1994 ، ثم حولتها إلى متحف ابتداء من مارس 2000 . كان بن دلموك تقيا ورعا. ومن علامات تدينه وورعه ــ كما روى معاصروه ــ أن صلاة الجماعة لم تفته أبدا، ولم يذكر عنه أنه أكل حراما أو ظلم أحدا. وكان إذا مشى في الطريق لا يرفع عينه خشية أن تقع على إمرأة. وفي هذا السياق ايضا لابد من الاشارة إلى أن الشيخ بن دلموك بنى مسجدا يحمل إسمه، لايزال قائما في منطقة الرأس. ومن الحكايات التي أتى على ذكرها سالم الريامي في مقاله سالف الذكر عن الرجل أن واحدا من أبناء إمارة عجمان يدعى راشد بن سيف الحمراني أهدى بن دلموك ناقة من نوق السباق التي كان قد اشتراها بمبلغ ثلاثمائة روبية، فيما كانت قيمتها لا تزيد في تلك الأيام عن مائتي روبية، فقبل بن دلموك الهدية وأمر وكيل أعماله بأن يعطي الحمراني سبعمائة روبية، فكأن الوكيل استكثر ذلك المبلغ، فهمس في إذن سيده مخبرا إياه بأن الناقة لا تساوي أكثر من مائتي روبية. ويقال أن بن دلموك غضب وأمر بدفع ألف روبية للحمراني، مستشهدا ببيت الشعر القائل: وكن مع الدهر معوانا لذي أمل يرجو نداك، فإن الحرّ عـــّـوان والحقيقة أنّ بن دلموك لم يكن مهتما بالتعليم، وبناء المساجد، ومد يد العون إلى الفقراء والمحتاجين فحسب، وإنما امتدت اهتماماته أيضا إلى المجال الصحي. فهذا المحامي والمؤرخ والشاعر ذو المواهب المتعددة المرحوم محمد سعيد النيار يخبرنا أنّ الرجل أحضر على نفقته الخاصة طبيبا من البحرين لعلاج المرضى وتطعيمهم في دبي وبقية الامارات المجاورة. وهذا الباحث حسين بن إبراهيم البادي مدير مركز الامارات للثقافة والتاريخ والتراث يصفه في كتابه «أعلام الإمارات» بـ «الرجل الذي كان إقتصاد المدينة يقف شبه معتمد على ثروته وما يملكه من سفن غوص» وما ينفقه على ضيوفه في مجالسه الخمسة (مجلس لضيوفه الخاصين من علماء وأدباء ووجهاء وشيوخ، ومجلس لضيوفه الإعتياديين الذين يتلقيهم يوميا، ومجلس لعامة أهل دبي، ومجلس لأهل الإمارات وعمان، ومجلس لأهل الجزر ومدن ساحل الخليج العربي) من طعام وشراب وخدمات أخرى. وقد تم العثور، ضمن وثائق ومراسلات الشيخ بن دلموك، على رسالة قديمة موجهة منه رحمه الله إلى الشيخ أبوبكر بن الشيخ عبدالله الملا في الأحساء، الأمر الذي يثبت أنه كان صاحب علاقة وثيقة مع علماء المالكية من آل الملا وآل مبارك وغيرهم من كبار بيوت العلم في الأحساء من جهة، ويثبت من جهة أخرى متانة العلاقات وقدمها بين شعوب ورجالات منطقة الخليج العربي. وحينما ظهر اللؤلؤ الصناعي الياباني، وبالتالي بارت تجارة اللؤلؤ الطبيعي وحل الكساد الاقتصادي على ربوع الخليج كان من الطبيعي أن تتأثر أوضاع الشيخ بن دلموك المالية وتتأثر بالتالي تمويله للمدرسة الأحمدية وطلابها. هنا تقرر، كنوع من المساعدة، إتخاذ جانب من المدرسة مقرا للقضاء والحكم بين الناس ريثما تتحسن الظروف ويعود التدريس فيها. والمعروف عند معاصري تلك الحقبة من تاريخ دبي أن القضاة كانوا يقضون بين الناس في بيوتهم قبل انتقالهم إلى المدرسة الأحمدية. وقد استمر الوضع الأخير إلى أنْ أسند الحاكم المغفور له الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم أمر الفصل في المنازعـات بين الناس إلى أخيـه الشيخ حشر بـن مكتـوم آل مكتـوم سنة 1938 فجلس لذلك في دكان بسوق العرصه في ديرة فكان الناس قبل الذهاب إلى القاضي يأتون إليه للنظر في شكاواهم بغرض المصالحة والتسوية بينهم فيما أختلفوا فيه، فإذا تعذر ذلك أحالهم الشيخ حشر بن مكتوم الى القاضي واستمر الحال على ذلك إلى أن أسندتْ رئاسة القضاء إلى الشيخ محمد بن حشر بن مكتوم آل مكتوم في سنة 1956 ولقد سمى وقتها ناظراً للقضاء، ثم انتقل القضاء إلى مبنى للمحكمة مستقل في بيت مستأجر في منطقة الرأس. أما النزاعات التي يدخل فيها طرف غير مواطن فكانت من اختصاص دار الاعتماد البريطاني وهيئة يرأسها الشيخ محمد بن حشر آل مكتوم وعضوية القاضي السيد محمد جعفر السقاف وقاضٍ أنجليزي يدعى ميلر. وبالعودة إلى الشيخ أحمد بن دلموك، نجد أن انهيار أسواق اللؤلؤ الطبيعي في عام 1929 قد أثر على نفسيته وصحته، خصوصا مع إفلاس بعض أقرانه التجار من أمثال محمد بن بيات، ووقوعه هو شخصيا تحت طائلة الديون لأن بيع اللؤلؤ في باريس لم ينجح في عام 1930 الذي يعد من أصعب الأعوام على تجار اللؤلؤ الخليجيين، ناهيك عن عدم استطاعة عشرات السفن من الذهاب إلى موسم الغوص بسبب عدم تسديد الديون ورفض «البانيان» الهنود تمويل هذه السفن كما جرتْ العادة. وهكذا مرض الرجل وتدهورتْ حالته إلى أن أسلم الروح لباريها في عام 1940 وهو لا يملك من حطام الدنيا شيئا، بل مات مدينا. وكان يوم وفاته يوم حزينا على دبي وبقية الإمارات، بل وعلى منطقة الخليج قاطبة لما عــُرف عنه من زهد وسخاء واريحية وورع وتقوى. سبق أن أشرنا في ثنايا هذا الحديث إلى نجل الشيخ بن دلموك الأكبر وهو محمد بن أحمد بن دلموك الفلاسي الذي قيل أن تجارته كبرت وفاقت تجارة والده بعد إنتهاء حقبة الكساد الاقتصادي ودخول دبي مرحلة الازدهار في الثلث الأول من القرن العشرين بفضل إعتمادها للسياسات التجارية الحرة، وتبني حاكمها الأسبق الشيخ سعيد بن مكتوم لجملة من الاصلاحات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الهادفة إلى انعاش الحركة التجارية، وتوسعة ميناء دبي وتطوير جمركها، وتوظيف الرجال الأكفاء في مرافق البلد. وعلى منوال والده ذي السيرة العطرة، كان بن دلموك الإبن كريما لطيفا متواضعا رحب الصدر، يقيم ولائم الإفطار المجانية للصائمين في شهر رمضان، ولا يقطع الزكاة، ويمنح كل من يدق بابه في الأعياد خمس أو عشر روبيات وهو مبلغ كبير بمقاييس وأسعار زمنه. وطبقا لما كتبته صحيفة الإتحاد عنه في ملحقها الثقافي (27/3/2014) فإن بن دلموك الإبن اقترن بإبنة خالته الشيخة عفراء بنت حشر بن مكتوم (الأول) وأنجب منها عبدالله وحشر وفاطمة وآمنة. وقد تزوج إبنه الأكبر «عبدالله بن محمد بن أحمد بن دلموك الفلاسي» من الشيخة موزة بنت سعيد آل مكتوم شقيقة الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي ما بين عاميّ (1958م - 1990) فأنجبت له الشيخة فطيم بنت عبدالله رحمها الله، والشيخة ميثا بنت عبدالله أرملة المرحوم الشيخ محمد بن حشر آل مكتوم. أما شقيقه»حشر بن محمد بن أحمد بن دلموك الفلاسي» المتوفى في عام 1989 فقد اقترن بالشيخة ميرة بنت سهيل بن بطي بن سهيل آل مكتوم حفيدة الشيخ بطي بن سهيل الذي تولى حكم دبي في الفترة من 1906 إلى 1912 وهو العام الذي آلت السلطة فيه إلى ابن عمه الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم جد سمو حاكم دبي الحالي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها