النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

الثقة في دولة القانون.. أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف

رابط مختصر
العدد 9446 الاربعاء 18 فبراير 2015 الموافق 29 ربيع الآخر 1436

إن العقلانية في السياسة تعني في المقام الأول، إحلالا للعقل في الحياة العامّة، وفي إدارة المؤسّسات العامة للدولة والحياة الجماعية، وتعني ايضا تقيّدا كاملا بالقانون، بما هو أعلى تمظهرات هذا العقل، لان العقلانية نوع من الرّشاد بواسطته تحلّ الفعالية في إدارة الحياة العامة، بما يحقّق علوية القانون واستقرار الحياة العامة والخاصة بإحلال الامن والتنمية، تجسيدا لوظيفة الدولة وفقا للمنطق الذي عبر عنه القران الكريم بالإطعام من الجوع والأمن من الخوف. وهذه المعادلة التي تختزل الوظيفتين الرئيستين للدولة. والدولة باعتبارها من يدير أعلى الأجهزة العقلانية، هي التي تضطلع بتأمين الشروط العامّة لممارسة العقل في الحياة الجماعية، حيث تمثّل الأداة الأرقى لتحقيق وظائف العقل في حياة الناس، إذ يكمن دورها ودور المؤسسات التي تتفرّع عنها، في تأمين ممارسة الحكم الرّشيد وفق منظومة القيم التي يتبناها مجموع المواطنين، ومثل هذا المعنى أكّدته دساتير الدول الديمقراطية، حيث تؤكد أن النظام الديمقراطي خير كفيل لحقوق الإنسان وإقرار المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، ولتوفير أسباب الرفاهية بتنمية الاقتصاد واستخدام ثروة البلاد لفائدة الشعب، وبهذا المعنى تجسّد الدولة خيارات العقل الكبرى، ومع تأكد سيادتها وأدائها الرشيد تحرص على وضع القيم الجماعية موضع التحقيق والتنفيذ. ومن هنا انبثق مفهوم «دولة القانون»، كمصطلح يشار به إلى النظام السياسي الذي ينهض على التقيّد بسيادة القانون وعلويته، بما يوافق مبدأ سيادة الشعب، وقد تبلور هذا المفهوم في أعقاب جدل سياسي حاد ساد خلال الحرب العالمية الثانية مع ظهور الدولة الشمولية والدكتاتورية التي استلمت الحكم باسم الديمقراطية الشعبية، في ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، وفي الدول الاشتراكية، وتعارضت مع ما تنهض عليه الديمقراطية من مبادئ وقيم وممارسات، وذلك لأن بين العقلانية والديمقراطية ارتباطا وثيقا، فلا حكم رشيد دون قوانين ناظمة ومقيدة للجميع، ودون ثقة في تلك القوانين وفي النظام الذي يسيّرها، حيث تتكفل الدولة بحماية الحرّيات جميعها وفق القوانين الضابطة للحياة الجماعية. إنّ تعريفا بهذا المعنى للدولة وجهازها العقلاني يتوافق كليا مع طبيعة المجتمعات الحديثة «مجتمعات العقد»، حيث أصبحت العلاقات الاجتماعية تنهض على ميثاق الثقة والذي يظهر عندما يضع الجميع ثقتهم في المؤسسات التابعة للدولة: الأمنية والتشريعية والمالية والتربوية وغيرها، والتي يسيرها النظام العقلاني الذي ينظّم علاقاتنا مقابل أن نتنازل ونضع ثقتنا كلّها في النظام والعقل والقانون، الذي يكون للناس فيه دور ومشاركة وضمان الحرية والمساواة بين الجميع، واحترام القانون والثقة فيه، حتى وان لم يعجبنا. إن دولة القانون في الخلاصة هي التي تقيم التوازن بين ضرورات السلطة وضمانات الحقوق والحريات العامة. لأن تغليب ضرورات السلطة يؤدي إلى الاستبداد، وتغليب ضمانات الحقوق والحريات العامة يؤدي إلى الفوضى، ولذلك أصبحت العلاقة بين الحقوق المدنية والسياسية وبين الديمقراطية متداخلة، فهذه الحقوق تؤمّن غايتين كبريين: الاولى الرقابة الشعبية والمساواة السياسية في صناعة القرارات ذات التأثير الجماعي، وثانيا تصبح هذه الحقوق بمثابة إطار ضابط للنشاطات الجماعية من خلال رسم الحدود التي يجب أن تحكم الحريات الفردية والتي تقع خارج نطاق قرار الاكثرية. ومن أمثلة ذلك الحرية الفردية حيث لا يمكن للأفراد الانضواء في نشاطات سياسية ما لم يتمتعوا بالحماية القانونية من خلال الحق المكفول قانونيا ودستوريا لممارسة الأنشطة السياسية والنقابية والمدنية المختلفة، بحيث يشعر الفرد بأن حريته وسلامته مصانتان وإن تعارضت حريته مع رغبة الأكثرية، وذلك لأن دولة القانون بالضرورة الدولة التي لا تقيد الحقوق والحريات العامة، إلا بالقدر الضروري لتأمين مقتضيات الأمن والاستقرار بما يؤمن حسن ممارسة هذه الحقوق والحريات «المناخ اللازم لعملية التنمية الشاملة وفق مفهوم الحكم الرشيد». كما لا يجب هنا أن نغفل الارتباط الكبير والوثيق بين حقوق الإنسان والديمقراطية. فإذا كانت الديمقراطية ترتكز على مبدأي المشاركة الشعبية والمساواة في الحقوق والواجبات، فإن المساواة تعبّر عن نفسها ديمقراطياً حين يتكافؤ الأفراد في فرص التعبير عن أفكارهم السياسية والفكرية بشكل سلمي، وفي إطار ما يسمح به القانون، ولذلك، ليس مستغرباً قراءة الديمقراطية من خلال تجسيدها السياسي في الدورات الانتخابية ولكن أيضا من خلال تجسدها الفكري في قدرة الأفراد على التعبير بحرية عن آرائهم، وباعتبار أن حماية الحرية الفكرية حق فردي مصان، ولكن دائما في حدود ما يرسمه القانون من ضوابط، حتى وان كان لا تعجبنا، تماما مثل قانون المرور الجديد الذي بات يفرض المزيد من القيود على حرية الافراد في قيادة المركبات، ولذلك يثير الكثير من اللغط والاحتجاج، بالرغم من كونه يستهدف مصلحة المواطن وامنه والحفاظ على حياته وسلامته الجسدية. وهو لا يعجب العديد من المواطنين الذين تعودوا على مساحة واسعة من الحرية في قيادة المركبات، إلا انهم ملزمون اليوم بالتقيد به تقيدا كاملا والثقة فيه، وإن لم يعجبهم، وبإمكانهم السعي إلى تغييره أو تعديله عبر المؤسسات الدستورية. أما إذا ما نظرنا الى هذا التلازم بين الديمقراطية وبين توافر حقوق الانسان في التجربة السياسية في البحرين، وجدنا ان هذه التجربة بالرغم من حداثتنا نجحت نسبيا في تحقيق التعددية السياسية المصانة دستوريا وقانونيا بما يمكن الجميع من التعبير السياسي السلمي دون الحاجة الى اللجوء الى السرية. وكذلك فإن الحريات الخاصة والعامة مضمونة لجميع المواطنين في ظل القانون، كحرية المعتقد والضمير وحرية التعبير والفكر ودون تمييز او قيود الا ما فرضه القانون. إضافة إلى ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين بشكل متساو ودون أي شكل من اشكال التمييز. همسة يقول أفلاطون: «القانون فوق أثينا»

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها