النسخة الورقية
العدد 11153 الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 الموافق 22 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:38PM
  • المغرب
    5:04PM
  • العشاء
    6:34PM

كتاب الايام

الحاجة الملحة لمسحة من التفاؤل

رابط مختصر
العدد 9443 الاحد 15 فبراير 2015 الموافق 26 ربيع الآخر 1436

من يتابع بدقة الاعلام العربي، الرسمي منه والمعارض، التقليدي منه والإلكتروني، يكتشف أنه يعوم في مثلث يتشكل من زوايا حادة يقف اليأس في الأولى منها، وتقبع اللوعة في ثانيتها، ويستقر التشاؤم في ثالثة أثافيها. ويستحضر من يطوق نفسه داخل هذا المثلث ويأسر تفكيره الداخلي مجموعة من الشواهد التي تسيطر على المشهد السياسي/ الاقتصادي العربي، كي يبرر ذلك المتشائم ما وضع نفسه فيه. فعلى المستوى السياسي، يضخم من يسير في ركب قافلة هذه الحالة صور الحالات التالية: 1. أن مصر، وبعد كل التضحيات التي قدمها الشعب المصري على امتداد السنوات الأربع الماضية، تعود مرة أخرى إلى أحضان المؤسسة العسكرية، وأسوأ ما في الأمر أن من يلتقطها ليس شاباً ثائراً متحمساً، كما كانت عليه الحال في الخمسينات، عندما تقدم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر الصفوف كي يبشر بمشروعه النهضوي، بل هو أحد الأبناء الشرعيين غير البعيدين من الطغمة العسكرية التي انطلقت شرارة «ميدان التحرير»، كي تنتشل مصر من بين براثن فسادها، وتعثر مشروعاتها بفضل ذلك الفساد المستشري في مفاصلها. 2. أما العراق، فهو لم يعد العراق الذي نريده، أو حتى نعرفه. فسقوط عهد صدام لم ينتشله من واقعه المأساوي، بل دفعه نحو ثلاثة خيارات كل واحد منها أشد مرارة من الآخر: فهو مهدد إما بالسقوط كلية تحت نفوذ الحكم في طهران، أو الوقوع في أسر «الدولة الداعشية» أو التشظي إلى مجموعة متناثرة من السلطات الأثنية والعرقية، ليس الأكراد سوى أحد أشكالها. 3. ولا يحتاج المرء إلى التمعن كثيرا في المشهد السوري، فكل سيناريو مرسوم له أسوأ من الآخر. وحتى لو نجحت سوريا، بشكل أو بآخر من الخروج من نفق الحرب الأهلية المظلم الذي غرقت في ظلامات اوحاله منذ ما يزيد على أربعة أعوام، فهي ستكون حينها مثخنة بجراح تلك الحرب التي ستفرض عليها القبول بأي مشروع يقدم لها، لأنه سيكون طوق النجاة التي ينقذها من الغرق في لجة أوضاعها المتردية. 4. وعندما تأتي عدسة المشاهد إلى منطقة الخليج العربي، سيكتشف أن الخلافات الداخلية بين دوله، القائمة على نزعة تنافسية غير مبررة في معالجة القضايا العربية، بما فيها تلك الخليجية، تنشب أنيابها في جسد مشروعات التنسيق فيما بينها، وتخلخل خطط التكامل الداخلي بين أعضاء «مجلسها». فقد بات من الصعب، كما عودتنا المنظومة الخليجية، في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، الحديث عن سياسة خارجية خليجية متناسقة، أو تخلو من شوائب الصراعات بين هذه الدولة أو تلك. 5. وعند الوصول إلى اليمن، سنجد أنه لم يعد مهددا كما يقول الممثل الكوميدي دريد لحام، بالانشطار إلى «يمنين»، بل أصبح هو الآخر بين أمرين أحلاهما مر، فإما أن يتحول إلى «يمن حوثي»، تنفرد بالسلطة فيه فئة تدين بالولاء للخارج، وإما التشظي إلى «أيمان» (جمع يمن) كل واحد منها له مشروعه المحدود بضيق أفقه وشحة موارده، وصغر مساحته. 6. وليس حال دول الشمال الأفريقي بأفضل من واقع شقيقاتها العربيات. فما يجري في ليبيا لا يبشر بخير، وينذر بدخول ليبيا في أتون حرب أهلية متواصلة ومتصاعدة في آن، تتداخل فيها الصراعات القبلية، مع النزاعات المناطقية، مع الفئات المتناحرة المتباينة الولاءات لقوى خارجية. ومن ثم، فيصعب عليها أن تجد أي حل منطقي يخرجها من براثن الاقتتال الداخلي المتعدد الأوجه. وعليه فما ينتظرها هو حروب منهكة تضعضع بنيان مجتمعها من الداخل، وتضعف من قدرات دورها على صعيد الخارج. أما على المستوى الاقتصادي، فليس هناك مثال أسطع يدلل على تردي الأوضاع الاقتصادية العربية من التدهور الذي أودى بحياة أسعار النفط بتراجعها إلى ما يزيد عن النصف، والذي بموجبه ستفقد اقتصادات الدول المنتجة للنفط ما يربو على 50% من عائداتها السنوية لفترة لن تقل عن خمس سنوات قادمات. بطبيعة الحال سينعكس هذا الانتكاس المالي على الثقل السياسي للبلاد العربية في موازين القوى المتصارعة على الساحة الشرق أوسطية، هذا إلى جانب تعثر خطط التنمية التي وضعت على أساس سعر للنفط لن يقل عن 75 دولارا للبرميل. لكن يختفي بين ثنايا الألوان القاتمة لهذه الصورة المتشائمة العديد من العناصر التي لا بد لها أن تثير نفحة من الأمل والتفاؤل لمن ينظر للأمور من زاوية المستقبل. فعلى مستوى موازين القوى الدولي، ينبغي الالتفات إلى عوامل الوهن التي بدأت تدب في عضلات جسد الولايات المتحدة، الأمر الذي يحول دونها ودون قدرتها على استكمال تنفيذ العديد من مشروعاتها الخاصة بإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط، بما يخدم مصالحها، والتي تتعارض ومصالح الدول العربية. والحديث هنا ليس عن قوة مستقلة بحد ذاتها، وإنما موازين قوى بين الدول الفاعلة في المنطقة. العامل الثاني غير الواضح المعالم، لكنه هو الآخر من العناصر التي يفترض أن تشيع نفحة من التفاؤل، هو مظهر الضعف الذي بدأ يسري، وإن كان بوتيرة أبطأ في جسم الكيان الصهيوني، وليست معارك غزة الأخيرة سوى أحد المظاهر التي تؤكد هذه الملاحظة. هناك العديد من المظاهر الأخرى، لكنها تبقى ثانوية، وعلى من يريد أن يحمل في داخله نفحة من التفاؤل أن يفتش عنها. ربما تكون العوامل، صغيرة الحجوم، ضعيفة التأثير، لكنها تحمل في طياتها الكثير من عوامل النمو والتطور. وهذا ما يبرر دعوات التفاؤل التي نحن في أمس الحاجة لها اليوم، كي نحافظ على تماسكنا كعرب، ونتمكن من الحضور على المشهد السياسي العربي. في اختصار هناك حاجة ملحة لنفحة من التفاؤل تنتشلنا من لجة التشاؤم المحيط بتفكيرنا، والمسيطر على سلوكنا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها