النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12140 الإثنين 4 يوليو 2022 الموافق 5 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

الاستحمام بنيران كتب سيد قطب!

رابط مختصر
العدد 9440 الخميس 12 فبراير 2015 الموافق 21 ربيع الآخر 1436

ذكرتنى الحملة التى شنتها بعض الصحف، وبعض القنوات الصحفية ومواقع التواصل الاجتماعي، تندد بالمسئولين عن معرض القاهرة الدولى السادس والأربعين، لأنهم سمحوا لبعض الناشرين، بعرض كتب ثلاثة من المؤلفين هم «حسن البنا» و«سيد قطب» و«يوسف القرضاوى» باعتبارها من أدبيات جماعة الإخوان المسلمين وتطالب بمصادرتها، بما حدث لى قبل حوالى نصف قرن! ففى الصباح المبكر من أمد أيام نوفمبر من عام 1966 وبعد أكثر من شهر على اعتقالى لأول مرة، فتح باب الزنزانة رقم 14 بمعتقل القلعة السياسي، فتبادر إلى ذهنى أن موعد أولى وجبات الضرب اليومية الثلاث، التى قرر الرائد «عاصم الوكيل» صرفها لى قبل كل وجبة، قد حلّ.. وكانت دهشتى بالغة حين تجاهل الأمر وطلب إلى الخروج من الزنزانة، لأجد عددا من زملائى وأصدقائى المعتقلين، أشار إلى أحد معاونيه فقادنا إلى الفناء الخارجى للمعتقل، حيث وجدنا سيارة نقل محملة بكمية ضخمة من ملازم الكتب على شكل حزم ربطت كل منها بخيوط من الدوبارة، وعلى امتداد ساعات بعد ذلك، أخذنا نحمل هذه الملازم من السيارة إلى مخزن المعتقل، الذى كان مزدحما بكميات ضخمة من ملازم الكتب التى لم يتم تجميعها ونسخ من الكتب التى جرى تجليدها. وخلال هذه العملية استطعت أن أدرك أن المخزن يضم نسخا من كتب لمؤلفين ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين، ضبط بعضها فى حملات التفتيش والقبض على المتهمين بعضوية الجماعة بعد اكتشاف مؤامرة «سيد قطب» عام 1965 وجرى مصادرة الآخر من المطابع بعد طبع ملازمه وقبل تجميعها وتغليفها، أو صودرت من المكتبات التجارية التى كانت تعرضها للبيع، أو من المكتبات العامة ومكتبات المدارس التي كانت تقتنيها، وكان معظمها من تأليف زعيم التنظيم «سيد قطب» وخاصة كتابيه الشهيرين «معالم على الطريق» و«فى ظلال القرآن» اللذين كانا من ضمن الكتب المقررة للتثقيف فى خلايا التنظيم.. لذلك صدر قرار بمصادرتها ومنعها من التداول. ولأننى كنت محروما منذ أسابيع من قراءة الصحف والكتب فقد استطعت فى زحام عملية النقل أن اختلس عدة ملازم من هذه الكتب وأن أخفيها بين ملابسى لأعود بها- بعد نهاية المهمة- إلى زنزانتى فأقرأها.. وفيما بعد كانت إدارة المعتقل تستخدم هذه الكميات الضخمة من نسخ الكتب المصادرة فى إشعال النيران لتسخين المياه التى كنا نستخدمها للاستحمام فى شهور الشتاء الباردة، وكنت أتأمل بحسرة النيران التى تلتهمها متمنيا أن تتاح لى فرصة لكى أواصل القراءة فيها، لكى أتعرف على الأفكار التى دفعت المنتمين إلى تنظيم «سيد قطب» إلى الاقتناع بأن تدمير كل مظاهر الحضارة الإنسانية المعاصرة هو عبادة لله عز وجل وتنفيذ لتعاليم الإسلام بعمارة الأرض. وبعد حوالى عشر سنوات وفى بداية عهد الرئيس السادات تغيرت الظروف السياسية وأفرج عن المعتقلين من المنتمين لجماعة الإخوان، وأعفى عن بقية المدد المحكوم بها على المسجونين من أعضاء تنظيم سيد قطب، وأعيد المفصولون منهم من وظائفهم الحكومية إلى أعمالهم، وسمح للجماعة بأن تستأنف نشاطها الدعوى مقابل أن تتصدى لمعارضى العهد الجديد من الناصريين واليساريين، وكان أول ما فعلته هو إنشاء سلسلة من دور نشر الكتب، أعادت على نطاق واسع طبع وتوزيع تراث الجماعة، الذى التهمته النيران، كان لافتا للنظر أن من بينها منظمات طلابية مما لا يدخل نشر الكتب فى مجال عملها، مثل الاتحاد العام للطلاب والجماعات الدينية فى الجامعات تنافست فيما بينها فى نشر كتيبات تضم فصولا مختارة من كتب «سيد قطب» و«حسن البنا» و«أبو الأعلى المودودي» و«أبو الحسن الندوى». وما لبثت طبعة مصرية جديدة من كتاب «معالم على الطريق» الذى كان أحد أدلة الاتهام فى قضية «سيد قطب» والذى صودر عام 1965 أن صدرت فى القاهرة عام 1976، كما صدرت طبعة كاملة من مؤلفه الشهير «فى ظلال القرآن» عام 1990 متضمنة تفسيره للسور القرآنية التى خلص من قراءته لها، إلى أن العالم قد عاد إلى جاهلية كالجاهلية التى سبقت البعثة النبوية وأن الوسيلة الوحيدة لتخليص الناس من عبارة الطاغوت البشرى وإعادة تعبيدهم لله عز وجل، هو تحطيم أوثان الحضارة المعاصرة من الأحزاب إلى البرلمانات ومن الدساتير إلى حرية المرأة ومن مبدأ الأمة مصدر السلطات إلى مبدأ حرية العقيدة مطلقة. وخلال الفترة التى صودرت فيها كتب «سيد قطب» و«حسن البنا» فى مصر، كانت هذه الكتب تطبع بوفرة فى معظم الدول العربية. وخلال السنوات الأربعين التى مرَّت منذ رفع الحظر عنها، كانت دور النشر التى تنشرها أو توزعها تعرضها فى أجنحتها فى كل دورة من دورات معرض القاهرة الدولى للكتاب أو غيره من معارض الكتب التى تنظم فى العواصم العربية الأخري، وتعرض بالإضافة إليها عشرات من الكتب التى أصدرها المعاصرون من منطِّرى الجماعة وغيرها من الجماعات التى خرجت من معطفها.. بينما تعرض أجنحة لدور نشر أخرى، كتبا يؤلفها المنشقون عن الجماعة أو المعارضون لها ممن ينتمون إلى هذا التيار نفسه أو ينتمون إلى تيارات تقف فى الضفة الأخرى، بما فى ذلك كتب تفند جانبا من أفكار «سيد قطب» الأساسية، كان من أبرزها كتاب «دعاة لا قضاة» الذى كتبه فريق من قادة الإخوان للرد على حكمه بتكفير عموم المسلمين، حكاما ومحكومين، ونشر - فى بداية سبعينات القرن الماضي- باسم المرشد العام الثانى للجماعة «حسن الهضيبى». فما الذى حدث حتى تثار هذه الضجة التى انتهت بقرار أصدره الناشر بسحب كتب الثلاثى «سيد قطب» و«حسن البنا» و«يوسف القرضاوي» من جناحه بالمعرض احتراما لإرادة بعض رواده؟ ما حدث هو أن انعقاد المعرض هذا العام، تواكب مع التصريحات التى أطلقها ثالثهم، يدعو فيها المصريين للتظاهر لإسقاط النظام الحالى فى مصر بمناسبة العيد الرابع لثورة 25 يناير، وهو ما دفع بعض الصحف للمطالبة، بسحب كتبه من المعرض مع أنه لا صلة مباشرة بين هذه الكتب وبين الدعوة ولا صلة بين أفكار القرضاوى وأفكار سيد قطب، إذ سبق له أن رد عليها وسفهها. والحقيقة أن الدستور المصرى الحالى لا يجيز مصادرة الكتب أو المطبوعات أو الصحف بأى وجه، كما لا يجيز توقيع عقوبة سالبة للحرية فى جرائم النشر، إلا فى حالات ثلاث هى التحريض على العنف أو الطعن فى الأعراض أو الدعوة للتمييز بين المواطنين، وكان باستطاعة كل من يجد فى شيء من كتب «حسن البنا» و«سيد قطب» و«يوسف القرضاوي» دليلا على ارتكاب جريمة من هذه الجرائم، أن يبلغ النيابة العامة لكى تتخذ الإجراءات القانونية ضد مؤلفها أو ناشرها، أو أن يبلغها ضد الشيخ يوسف القرضاوى لتحريضه المصريين على ممارسة العنف أو إسقاط النظام وكان باستطاعته أن يؤلف كتابا يرد به على ما ورد فى كتبه من أفكار، فإذا عزّ عليه ذلك، فقد كان لا يزال باستطاعته أنى يقرأ واحدا من عشرات الكتب التى ردت على أفكارهم ليزداد قدرة على مواجهة ما يشيعونه من أفكار خاطئة بين الناس وثقة بأنه على حق فى رفضها.. أما أن يطالب بسحبها من المعرض فذلك أسلوب سبق أن جرب... وأثبت فشله. واسأل مجرب.. ولا تسأل طبيبا

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها