النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

فاتن حمامة.. وداعاً­ يا غرامي

رابط مختصر
العدد 9438 الثلاثاء 10 فبراير 2015 الموافق 19 ربيع الآخر 1436

رحلت «فاتن حمامة» الفتاة التى كانت بنت الجيران تشبهها، أو هكذا خيل إلىّ فأحببتها من طرف واحد، ولأن الاحتفاظ بصورة حبيبة القلب، لم يكن ممكنا فى ذلك الزمان الذى استقبل فيه جيلنا مراهقته الأولى، فقد اشتريت عشرات من صور «فاتن حمامة» الفوتوغرافية التى كانت تباع بنصف قرش أمام أبواب دور سينما الدرجة الثالثة، وعلقتها على جدران غرفتى، لأستعيض بتأمل ملامح وجهها البريئة والرومانسية، عن ملامح الفتاة التى أحببتها، والتى لم تكن تقاليد زماننا تتيح لى أن اقترب منها أو أتحدث إليها أو أدقق النظر فى ملامحها، وحين التقيتها صدفة بعد سنوات طويلة، وأتيح لى أن أتعرف على ملامحها الحقيقية، أدركت أن المشابهة الطفيفة بينهما فى الملامح تفتقد إلى ذلك السحر الغامض الذى كان يشع من كيان فاتن حمامة ويجذب إليها كل من رآها، وأننى كنت أخدع نفسى حين توهمت أنهما نفس الفتاة، وأن التى أحببتها هى فاتن حمامة وليست بنت الجيران. فى ذلك الزمن البعيد السعيد، كنت ما أكاد أعود من قريتى إلى القاهرة فى مطلع الخريف، لكى استأنف دراستى حتى يتكاثف إحساسى بالوحدة والغربة، وأفزع من أن أبيت ليلتى وحيدا فى هذه المدينة المزدحمة بالسيارات وعربات الترام ونداءات الباعة ولافتات المحال، والتى لم أكن قد ألفت بعد، لهجة سكانها أو تقاليدهم، لذلك كنت أحرص على أن أصل إليها فى وقت يتيح لى أن ألقى بمتاعى فى المنزل، ثم انطلق إلى واحدة من دور السينما التى تحيط بالمنزل، لأبحث عن فيلم من الميلودراميات التى كانت «فاتن حمامة» تقوم ببطولتها، ليتحول إحساسى بالغربة والوحدة إلى دموع غزيرة، تسيل فى الظلام، وأنا أتابع المعركة الباسلة، التى تخوضها الفتاة الطيبة البريئة «نعمت» - وهو الاسم الذى كان مخرج الروائع الميلودرامية حسن الإمام يطلقه على بطلات أفلامه تيمنا باسم زوجته - لكى تواجه كل شرور الدنيا التى تحيط بها وتتآمر عليها، وحين ينتهى الفيلم بانتصارها، أصفق بحرارة مع رواد الترسو لأنها استطاعت - على الرغم من ضعفها وقلة حيلتها وهوانها على الناس - أن تنتصر على وحوش الغابة وأشرار الدنيا، حتى أشعر براحة عميقة وأتخفف من إحساسى بالضياع والوحدة، وتزول عنى الكآبة فأعود إلى بيتى لأنام بلا كوابيس، تؤنسنى ابتسامة فاتن حمامة، ويطمأننى انتصارها على كل الشرور. كانت فاتن حمامة، واحدة من أوائل - إن لم تكن الأولى - نجوم السينما، الذين ظهروا لى على شاشتها مباشرة دون أن يقفوا على خشبة المسرح، ولأنها بدأت التمثيل وهى طفلة دون العاشرة، فقد اتسم أداؤها بالتلقائية والبساطة، على الرغم من الأدوار الميلودرامية العنيفة التى كانت تؤديها، وإلى هؤلاء يعود الفضل فى تخليص الأداء السينمائى من المبالغة فى الانفعالات، وعن مط الحروف والزعيق اللذين كانا يميزان أداء نجوم الجيل السابق عليها الذين انتقلوا من المسرح إلى شاشة السينما، مثل «فاطمة رشدى» و«أمينة رزق» و«دولت أبيض» و«عزيزة أمير» اللواتى كان يسود الاعتقاد بينهن، أن الممثل لا يستحق هذه الصفة، إلا إذا اقنع المشاهد أنه يمثل الدور ولا يعيشه، وأنه يقلد الشخصية ولا يتقمصها، وهو ما خلق لدى المشاهدين إحساسا بأنهم ليسوا أمام شخصيات حقيقية تعيش بالفعل بينهم، وتتصرف كما يتصرفون، وحال بينهم وبين التوحد معهم. وكان من بين أسباب ذلك أن تراث المسرح المصرى - فى بدايته - كان يعتمد على كلاسيكيات المسرح الأوروبى فى القرون الوسطى، مما خلق بين الممثلين انطباعا خاطئا، بأن عليهم أن يقدموا للمتفرج المصرى، شخصيات غريبة عنه، من حيث الزمان ومن حيث المكان. وما لبث هذا الأسلوب فى الأداء، أن انتقل من المسرحيات الكلاسيكية إلى المسرحيات العصرية، ومن المسرحيات المترجمة إلى المسرحيات المؤلفة، إلى أن ظهرت فاتن حمامة وجيلها، ليتغير أسلوب الأداء على الشاشة، وينتقل هذا التغيير إلى أسلوب الأداء على المسرح، خاصة بعد أن نشطت حركة التأليف له، وتطورت بعد أن ألف توفيق الحكيم مسرحياته التى جمعها بعد ذلك فى مجموعة «مسرح المجتمع».. يكُفّ الممثلون - فى المسرح والسينما - عن تمثيل الشخصية، وينتقلون إلى تقمصها وتجسيدها. ولم يكن هذا التجديد فى الأداء السينمائى، الذى اعتمدت فيه فاتن حمامة على موهبتها الفطرية، هو السبب الوحيد فى نجوميتها الطاغية، التى تواصلت لما يزيد على ستين عاما، مما جعلها واحدة من كبار الممثلين الذين يستطيعون بأدائهم أن يجذبوا المتفرج لكى يشاهد كل ما يقدمونه، ويقنعوه بأن يتوحد معهم، فى كل دور يقومون به، ويشعروه بأنهم لا يمثلون عليه، لكنهم يعيشون معه، بل كان هناك سبب آخر لتلك الجماهيرية الكاسحة والممتدة.. هو طبيعة الأدوار التى قامت بها.. خاصة فى بداية رحلتها السينمائية. ومع التسليم بأن «فاتن حمامة» لم تكن فى تلك المرحلة حرّة تماما فى اختيار أدوارها، وأن الاتجاه إلى «سينما الأنماط» الذى يحبس الممثل فى الدور الذى يعتقد صناع السينما أنه الرائج تجاريا، كان أحد أمراض السينما المصرية المتوطنة، إلا أن هذا لا ينفى أن ملامح فاتن حمامة البريئة والرومانسية وصوتها المميز الذى يختلط بنبرة شجن، وقد أهلها الدور النمطى الذى أدته فى كثير من أفلامها، خاصة الأولى منها: دور الفتاة النقية البريئة، التى تحيط بها الشرور من كل جانب، وتترصدها الفخاخ فى كل طريق، ويظلمها الجميع، لكنها تحتفظ ببراءتها وتقاتل فى سبيلها، وتجد من بين المظلومين والأبرياء مثلها، من يقف إلى جوارها حتى ينتصر الخير على الشر، وهو دور ينبغى الاعتراف بأن فاتن حمامة، كانت - كممثلة موهوبة - قادرة على التنويع فى أدائه على الرغم من نمطيته وتشابهه. أما المهم، فهو أن هذا الدور، كان يعكس جانبا من النفس المصرية والعربية، التى تراهن دائما على الخير، وتنتصر له، حتى لو لم تستطع - وسط ضغوط الحياة - أن تمارسه دائما، وتكره الشرّ وتزدريه حتى لو مارسته أحيانا، لذلك كان المتفرجون - بخاصة فى الدرجة الثالثة من دور السينما ومن طبقات المجتمع - يتوحدون مع أداء فاتن حمامة لهذا الدور، ويجدون فى انتصارها على الشر الذى يحيط بهم، كما يحيط بها، وفى هزيمتها لكل الأشرار المتجبرين، رغم ضعفها وقلة حيلتها وهوانها على الناس، نبوءة بأن زمنا سوف يأتى لكى يتحقق حلمهم بعالم يحكمه الأنقياء.. ويخلو من الأشرار والفجار. بينما أتابع جنازة فاتن حمامة تذكرت الأيام التى كانت ابتسامتها تؤنس وحدتى، وتمحو إحساسى بالغربة، جاء لى من الطريق صوت يغنى: يمامة بيضا / طارت يا نينة / عند صاحبها / ما خدها البلبل / وطار وياها / أصله يا نينة يعرف لغاها. لحظتها تساقطت من عينى دمعتان وقلت: وداعا يا غرامى!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها