النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

الثقافة لمواجهة الاستلاب والدجل والتوحش

رابط مختصر
العدد 9437 الأثنين 9 فبراير 2015 الموافق 18 ربيع الآخر 1436

تحتل الثقافة مكانة هامة في هويّة المجتمع والدولة، حيث لا تنهض بدون القوة المادية والقوة الثقافية – الروحية، فلا مناص لها من بناء ثقافة خاصة بها تميّزها عن غيرها من المجتمعات والدّول، والسعي إلى تشكيل أو تعزيز هويّتها وخصوصيّتها الثقافية في التّميّز والابداع والإنتاج المعرفي والفني، ويظهر حرص الدول على تشكيل ثقافاتها الوطنية من خلال جملة البرامج والمشاريع واستراتيجيات التنمية الثقافية المعلنة أو غير المعلنة، وفي هذا السياق يأتي سعيها إلى «رعاية الثقافة» وتوجيهها ونشرها، وتسويقها، ضمن الحديث عن «ثقافة الدولة» قولا وفعلا، لمواجهة تمدد الأيديولوجيات والأفكار المتطرفة التي تأخذ الشباب بعيدا الى فضاء التطرف والقتل والموت المجاني، في اهدار واضح للطاقة والحياة، فالحضارات تبنى وتصنع بالفكر وبالإبداع وبالحضور المتواصل في تأسيس ملامح الحداثة والابتكار والتجدد والتطور في تنمية نمط حياتنا في أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، إذ لا يمكن لحضارة من الحضارات أن تستمر في الحضور بدون تفجير طاقات تفكيرها وتعبيراتها الفلسفية والإبداعية في شتى مجالات الحياة، مهما كانت درجة تطورها الاقتصادي وحضورها السياسي. هذه الحقيقة والتي تبدو من أول وهلة بديهية، قد اختفت أو تراجعت على الاقل في وطننا العربي في العقود الأخيرة، تحت وقع عوامل عدة، واختفاؤها يشكل فاجعة تؤذن بأننا قد بدأنا نتدحرج إلى متاهات من الصعب الخروج منها. وقد يعتقد البعض أن نهايات الإيديولوجيات الكبرى تبرر وضعنا المتردي الحالي على صعيد الفكر، وقد يرى آخرون أن العصر هو عصر اقتصاد السوق واقتصاد المعرفة الذي يستبعد منه كل ما لا يمتلك فكرا مبدعا مجددا، وكل من لا يكون قادرا على الإضافة المجدية في هذا السوق العالمي. نعم، لا نشك في تحول الوضعية الثقافية التي لم تعد مؤمنة بالنظريات الكبرى الموحدة للمواقف والمنظرة للنضالات، ولم يعد هناك كلي يؤطر النظريات ويحلل الإبداعات ويشكل المنهج الأمثل لفهم صيرورة التاريخ وتجليات الحياة الفردية والاجتماعية. نعم لقد أصاب الفكر نوع من الريبة والشك المتواصلين في الأصول والظواهر على حد السواء، لاسيما بعد (حركات الحرية) والتحرر في العالم في أواخر الستينات من القرن الماضي، (مثل حركة (الهبيز) التي كثيراً ما اعتبرناها هامشية ولكنها غيرت مفهوم الفرد في المجتمع وقدمت للحرية تمظهراً جديداً كانت له انعكاسات كبرى، كذلك حركة مايو 1968 الطلابية في فرنسا التي لم تكن سياسية، بقدر ما تجذرت في التحرر الفكري والاجتماعي والثقافي والسيكولوجي والسلوكي الفردي. ورغم أن (حركات الحرية) هذه قد كانت تواصلاً لتيارين متناقضين: تيار تحرري يناضل ضد التبوهات الاجتماعية التي تحولت الى عائق امام التطور، وتيار يساري، يستمد قوته من التنظير للثورة، مما مهد في الغرب الى فتح الطريق للنضال من أجل الحرية في كل شيء، مما أعاد للفرد مكانته بعد أن ابتلعه النسق الاجتماعي أو المكننة الاقتصادية والنمطيات السياسية. اما اليوم فإن أهم إنجازات هذا العصر المعولم هو أن الثقافة فيه قد تحولت إلى بديل عن الإيديولوجيات الكليانية، إلا أن التحدي الأكثر أهمية والذي فرضته الوقائع الجديدة على الأرض، هو كيفية تحصين الأجيال الجديدة وحماية شخصيتها من الذوبان في نسق النمطية المعولمة، على نطاق واسع في السلع والأفكار وأسلوب الحياة؟ وكيفية حمايتها أيضا ضد محاولات الابتلاع الكاسحة، من الأيديولوجيات الدينية الرجعية المغرقة في التطرف والدغمائية المتصاعدة والطامحة إلى السيطرة على كل شيء: السياسة والاقتصاد والثقافة والمجتمع والحريات العامة والخاصة والفكر والروح والادب وحتى الحق في التنفس في الهواء الطلق، بحيث يتم تحويل الفرد إلى مجرد ببغاء او آلة ناسخة، ذات استجابة آلية لا واعية، تدور في فلك القداسة والتقديس، والعجز عن الرؤية والعجز عن طرح السؤال، وبذلك تم ابتلاع جميع المكاسب التي ناضلت من أجلها الأجيال السابقة في الفكر والسياسية والتحرر الوطني والهوية القومية والطموح الى الوحدة العربية، وعلى راسها الحرية وحقوق الانسان وتحرر المرأة من ربقة العبودية باسم الدين. والجواب في كل الأحوال يكمن في ضرورة نشر ثقافة الاستنارة والعقلانية ودمقرطتها، وجعلها حقا مشاعاً للجميع، والعمل على إيصالها للجميع، وجعل ثقافة النخبة ثقافة للجمهور، في مواجهة ثقافة الغش والنصب والكذب والاستلاب والدجل. ثقافة الدجالين والدجالات باسم الأيديولوجيا، مهما كان نوعها ومصدرها، بما في ذلك الأيديولوجيات المقدسة المتطرفة المولدة والمسوقة للإرهاب والتوحش والموت، والتي تبدو اليوم أخطر على الفرد وحريته وانسانيته من الأيديولوجيات الفاشية والنازية. همس دور الدولة في المجال الثقافي يتمثل في العمل على ربط الثقافة في بعدها الوطني وفي بعدها الإنساني، بالمشروع المجتمعي الجديد الذي يعتبر التّعدّديّة والتنوع والحرية أمرا أساسيّا، في كلّ عمل ثقافي وإبداعي، وما انسحاب الدّولة من عالم الإنتاج المباشر للثقافة، إلاّ من أجل فتح الآفاق أمام المبدعين ليكونوا دعامة للتّعدّديّة الإيجابيّة والقدرة على انتاج المعرفة والابداع.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها