النسخة الورقية
العدد 11026 الاثنين 17 يونيو 2019 الموافق 14 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

أوضاع غير منطقية شكلاً متكاملة جوهراً­

رابط مختصر
العدد 9436 الأحد 8 فبراير 2015 الموافق 17 ربيع الآخر 1436

إطلالة سريعة على المشهد السياسي العربي تكفي لإيهام أية نظرة سطحية على أن هناك حالة غير منطقية ترسم معالم صورة أحداثه. آخر تلك الأحداث كان إقدام تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» على إحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة حيا بعد إدخاله في قفص حديدي، ثم عرض شريط مصور له وهو يحترق. يسبق ذلك، ذلك الاجتياح الذي قام به الحوثيون في اليمن، مما أدى إلى استقالة الحكومة ورئيس الجمهورية اليمنية. بين هذين الحادثين، هناك أقدام سلطات العدو الإسرائيلي على نصب كمين لمجموعة من حزب الله، بينهم مسؤول عسكري إيراني برتبة عالية واغتيالهم جميعا. يرد حزب الله اللبناني بعملية عسكرية مضادة تودي بحياة ضابط إسرائيلي. وعلى نحو مواز لكل ذلك، هناك التصعيد في عمليات الإرهاب التي تشهدها دول عربية كبيرة مثل مصر والعراق، بل وحتى ليبيا. الجزم بعدم منطقية هذه الأحداث التي باتت تسيطر على ذلك المشهد من الناحية الشكلية المظهرية، يعود إلى الأسباب التالية: 1. طبيعتها العبثية، فهي تأتي في وتيرة متسارعة وتكرار متشابه، دون أن تفصح عن هدف أو أهداف سياسية مترابطة، إلى درجة تجعل المشاهد عاجزا عن الخروج باستنتاج يفسر المحرك السياسي لها. فرغم أنها تأتي مبعثرة، وتبدو غير مترابطة، لكنها تكشف، بشكل أو بآخر أن هناك ما يشبه حبل السرة الذي يشد بعضها إلى البعض الآخر، بما يوحي أن هناك حركة الأصابع التي توجهها متناسقة. 2. استمرار قوى غير شرعية مثل «داعش» في السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي، تختزن أراضيها سلعة استراتيجية هي النفط، دون الخشية من ردود فعل عربية أو دولية، باستثناء تلك الطلعات الجوية العسكرية التجميلية التي تقوم بها القوات الدولية، والتي ما يزال تأثيرها على موازين القوى العسكرية يكاد أن يكون معدوما. 3. ردود فعل القوى ذات العلاقة بها. فحكومات البلدان التي تتعرض لتلك الأحداث تكتفي بمواقف سلبية تنحصر في الاستقالة، كما شاهدنا في اليمن، أو التهديد الشفوي بالثبور وعظائم الأمور، كما هو الحال في مصر والأردن، أو الصمت المشبوه، كما نجده عند حكام تل أبيب، التي يصعب القبول بعدم ردها السريع والقوي على ما أقدم عليه حزب الله. 4. موقف الدول العظمى ذات المصلحة، وعلى وجه الخصوص منها الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا، فهي الأخرى اكتفت بالشجب اللفظي الذي لم يتجاوز حدود التعبير عن عدم الرضى بما يجري، والرغبة في وضع حد له من خلال «الطرق السلمية المعهودة». حتى تدخلها العسكري لم يرق بعد إلى مستوى الأحداث، كما يقول منطق العلاقات الدولية. القول بعدم منطقية تلك الأحداث لا يعني عدم وجود قوى تحركها، ولا يستبعد كونها جزءاً من مشروع، ولا نقول «مؤامرة»، فكل المؤشرات تؤكد أن خارطة الشرق الوسط الجديد التي تحدثت عنها العديد من دوائر صنع القرار في الغرب هي الآن في مراحلها النهائية، وأن فصولها الأخيرة باتت في صياغاتها الأخيرة. يؤكد ذلك مجموعة من الدعوات الواضحة والوقحة أحيانا، والخافتة والخجولة أحيانا أخرى، التي تطفو على سطح الإعلام السياسي الشرق أوسطي، المباشر أو غير المباشر. أول تلك الدعوات ذات الأصوات العالية، تلك الدعوة لصلح شامل متكامل، وبشروط مجحفة بحق العرب مع الدولة الصهيوينة. وهنا ينبغي التمييز بين الدعوات الخجولة المنادية بحل سلمي عادل مع ذلك العدو، وتلك الوقحة الرامية إلى القبول بشروط العدو الصهيوني والخضوع لمشروعه الشرق اوسطي. ثاني تلك الدعوات تلك الزارعة لحالة من اليأس في صفوف البلدان العربية، بما يشمل الحكومات والشعوب، وإيصالها إلى درجة من الإحباط الذي يضعها امام خيار سياسي واحد هو القبول بما هو قائم، والرضوخ لإعادة رسم خارطة الشرق الوسط السياسية، بما يضع العرب في أسفل قائمة الدول المستفيدة من ذلك الخيار. ثالث تلك الدعوات، هي المنادية، تحت شعارات واهية تلتحف بشكل مزيف بعباءات «حقوق الإنسان»، و«التعايش بين مختلف الأديان والملل»، وحفظ «حقوق الأقليات»، لتأسيس دول كرتونية قزمة، ليس لها أي دور سياسي سوى إضعاف أي شكل من أشكال الدولة العربية التي تتوفر لها كل المقومات التي تحتاجها، من مؤسسات قادرة على إدارتها من الداخل على نحو كفؤ، وحمايتها من أي عدوان خارجي محتمل. والمخاطب بهذه الدعوات هنا هي تلك الأقليات التي تبدأ بالمذاهب الإسلامية المختلفة أولا، وتعرج الطوائف الدينية على اختلاف عقائدها، ثم تتدرج في التقسيم التجزيئي حتى تصل إلى حقوق تلك الأقليات التي تقطن بعض المناطق العربية النائية. أمام هذه الصورة غير المنطقية في شكلها الخارجي، المرسومة المعالم بكل دقة في جوهرها الداخلي، هناك حاجة إلى تحرك عربي قادر على الفعل، البعيد كل البعد عن الانفعال العاطفي الآني غير المدروس بدقة وعناية. ولكي يكون هذا الفعل العربي قادر على مواجهة ما يحاك ضده من مشاريع تهدف إلى إضعافه، لا بد أن تكون منطلقاته الأساسية قائمة على رؤية عربية، تواجه تلك الرؤية «العربية» المضادة. ففي غياب تلك الرؤية العربية الشاملة المنطلقة من أرض الواقع، سيكون من السهل على تلك الرؤية المضادة أن تنفذ مشروعها المرتكز أساسا على الاستفراد بكل مكون سياسي عربي على حدة. حينها لن ينقذ من انخرطوا بوعي أو بدون وعي في الترويج لتلك الدعوات التجزيئية، فرؤوس العرب، دون أي استثناء هي المطلوب قطافها، دون اي تمييز بين واحدة وأخرى.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها