النسخة الورقية
العدد 11036 الخميس 27 يونيو 2019 الموافق 24 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:13AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

فارس العرب.. عشت فارساً ورحلت عظيماً

رابط مختصر
العدد 9428 السبت 31 يناير 2015 الموافق 9 ربيع الآخر 1436

يصعب علي المرء أن يصف مشاعر الفراق لشخص يحبه، فما بالنا إذا كان الراحل في شموخ وعظمة الملك عبدالله بن عبد العزيز خادم الحرمين الشريفين ، فهو بحق فارس العرب العظيم . لا زلت اتذكر آخر زيارة لخادم الحرمين الشريفين للمملكة وبساطته المعهودة، فقد وجه مع الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله بتصرفاتهما الملكية العظيمة ، ملحمة فى حب الشعوب وتعريف معنى الإخاء ، عندما التحف الملك الراحل بالعلم البحريني وعرض بالسيف الأجرب مع شقيقه الملك حمد حفظه الله ورعاه وأمد له في عمره وسدد خطاه ، والذي التحف بدوره هو الآخر بالعلم السعودي، ليؤكدا معا « رسالة الوحدة والشراكة الثابتة « . ولكم كانت كلمات خادم الحرمين قوية في دلالتها ، حين أكد في كلمته على وحدة شعبي السعودية والبحرين، وأن ما يصونها هو روابط الدين والتاريخ والمصير المشترك، وقال مخاطبا مليكنا المفدي والشعب البحريني « تأتي زيارتنا هذه لا لتضيف جديدا، بل لتقول للآخر إننا وطن وشعب واحد». ولا زلت اتذكر مشاهد تسليم السيف «الأجرب» ، فكلمات الملك حمد عالقة فى أذهاننا وهو يعلمنا درسا فى إيثار النفس ورد الأمانة عندما أهدى السيف للملك عبدالله ليعود إلى مستقره بعد أن أمضى في البحرين نحو 140 عاما. وقال الملك حمد أثناء تقديمه السيف لخادم الحرمين الشريفين «كان لنا شرف الاحتفاظ به منذ أن أرسله الإمام سعود بن فيصل آل سعود إلى الجد الكبير الشيخ عيسى بن علي آل خليفة وحفظ كأمانة وظل رمزاً للعائلة الواحدة». ثم ليأتي رد الملك عبدالله :»إن سيف الإمام تركي الذي تقدمونه لأخيكم، يعبر عن مكارم الأخلاق والقيم التي حفظته وصانته وأكرمته عندما حل في وطنه الآخر البحرين ليكون لنا نموذجا يحتذى به في العزة». لقد أعادني رحيل فارس العرب العظيم عنا الي الذكريات، ففي واحدة من مقابلاتي الصحفية التي لا تنسي مهما حييت، كان لقاؤنا مع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز، وبكلمات بسيطة ومعبرة وصف الصحافة بأنها «ضمير الأمة، ولسانها الناطق بشجونها ومبتغيات شئونها ، ومقاصد آمالها، وترجمان حاضرها ، والسلم والأمن والأمان في ظلال التنمية الاقتصادية والفكرية والعلمية والأخلاقية، مستندة إلى إرثها التليد، وراسخ أمجادها ، وزاهر حاضرها ، ومنشود مستقبلها». وعلمنا فقيد العرب الراحل أن الصحافة هي القائم على أمانة الكلمة ونقاء الضمير، والبعد عن مزالق الافك والهوى والزيغ والغرض، وإبلغنا «أن الكلمة إلى جانب أنها أمانة فهي مسئولية وشرف وريادة وقيادة إرشادية ومعنوية، والرائد الحق لا يكذب أهله ولا يداهن ولا ينافق كل هذا في سياج العقيدة السمحة وثوابتها المنيعة». لقد كنت واحدا من مجموعة صحفيين يمثلون اتحاد صحافة الخليج ، الذين تعلموا تلك المعاني السامية، ضمن لقاء أعضاء اتحاد الصحافة الخليجية مع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيزرحمه الله الذي شهدت الدنيا برفعته ومكانته. لقد أوصانا الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز في هذا اللقاء النادر جدا، بوصية الأب العطوف الحريص على رعاية أبنائه بالحكمة والموعظة الحسنة وتنبيههم إلى مواقع الزلل حتى لا تهوى بهم أقدامهم فيما لا يحمد في الدنيا ولا في الآخرة ، وأوضح لنا بكلمات بسيطة مشرقة وعميقة عظم دور الصحافة والصحفي في تكوين وجدان الأمة وتبصيرها ، وضرورة تحليهم بالصدق والأخلاق والمصداقية وتجنب ما يسيء إلى أوطانهم ، وعدم الالتفات إلى الصحافة المسيئة للإسلام والعرب ، وان نمضي في رسالتنا دون التفات إلى تلك الصحافة التي لن تنال من مكانة الإسلام ولا مكانة العرب وتاريخهم وخطواتهم الواثقة نحو المستقبل. لقد تلقينا درسا من خادم الحرمين الشريفين عندما نبه نحن الصحفيين إلى التحري في المعلومة ومصدرها وهدفها قبل بثها قائلا في هذا الصدد : إياكم أن تظلموا أنفسكم أو تظلموا من يصدقونكم من شعوبكم لان أعداءكم يريدون تفرقتكم وتفرقة الإسلام مهما كان من شيعة أو سنة بشتى الطرق فانتبهوا. إن مقابلة بهذا الأهمية لا تتكرر كثيرا فى حياة الصحفى المهنية ، ولكم سعد اتحاد الصحافة الخليجية بلقاء خادم الحرمين الشريفين الراحل ، وهو اللقاء الذى اتسم بالعمق والبساطة والصراحة والوضوح ، وأكد فيه تقديره لدور الصحافة والصحفيين ، ووضع النقاط على كثير من الحروف المبهمة وزودنا بنصائح غالية صدرت عن قائد واع محنك نصطحبها زادا لنا في مسيرتنا نحو صحافة أمينة مخلصة نعضُّ بالنّواجذ على شرف رسالتها وتحمل مسئولياتها بكل قوة وصدق .. ويكفينا نحن صحفيو الخليج أن الملك عبدالله بن عبد العزيز أعرب لنا عن تقديره لمهمتنا التى يجلها ويحترمها. فقد عهدنا فارس العرب الراحل ملما بكل القضايا التي تهم العرب والإسلام وشرح بعمق المخاطر التي تحيق بالأمة العربية. لقد أمضي فقيد العرب حياته مناصرا للقضايا العربية والإسلامية ومدافعا عنها، وعمل على خلق أجواء عربية تستفيد من الطاقات العربية لرفع كلمة العرب على الساحتين الإقليمية والدولية.. فوقف ضد ظاهرة الإرهاب، ولكم آلمه أن تلصق صفة «الإرهابي» بالمسلمين والإسلام، فنادى الى عقد مؤتمر حوار الأديان للتوصل الى صيغة من التعامل والتفاهم بين العقائد وعدم وقوعها في فخ الوقيعة والضغائن والكراهية والتحريض. ولم تكن القضية الفلسطينية بعيدة عنه، فآثر على جمع الفصائل الفلسطينية المتنازعة في قمة مكة الشهيرة ليلم الشمل الفلسطيني ، وأثبت مدى حرصه على مصلحة الشعب الذي يئن بسبب اجراءات الاحتلال الإسرائيلي الوحشية والقمعية، وعلم جيدا أن الشعب يريد الأمن والاستقرار، فحاول ان يوفر له هذه عبر جمع قادته في مكة للتوقيع على الاتفاق الشهير. وللملك عبدالله أيادي بيضاء على الشعب اللبناني الشقيق، عندما لم يقف عند الصغائر وذهب الى سوريا ليجد حلولا عملية للازمات اللبنانية المتلاحقة. وكان قريبا أيضا من العراق في معظم أزماته، رغم ان ثمة بعض القيادات العراقية غابت فترة عن الوعي السياسي وطبيعة العلاقات بين الدول وخاصة العربية، لتعمل عكس ما تمليه الحقائق والتاريخ. ونتذكر الملك عبدالله في تناوله لأزمة تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2011، وكيف حاول الغرب توجيه التهمة الى الإسلام المعتدل، فانتفض الملك الراحل، ووجه رسالة قوية ومعبرة للرئيس الأمريكي آنذاك جورج الابن ، بأن الإسلام برئ من مثل هذه التهم الوضيعة، وان بعض التصرفات التي تقدم عليها الدول الغربية والولايات المتحدة هي التي تدفع مواطني المنطقة الى ارتكاب بعض الجرائم التي لا تستدعي توجيه التهمة للمنطقة كلها أو للإسلام تحديدا، فلكل دين متطرفوه وإرهابيوه. فنبذ الإرهاب في كافة أشكاله وصوره بغض النظر عن دوافعه ومسبباته. ومثلت العلاقات الخليجية – الخليجية أهمية قصوى خلال فترة حكم الملك عبدالله ، فكان خير مدافع عن الأمن الخليجي، بل والعربي أيضا، والتزمت المملكة في عهده بمبادئ الشرعية الدولية وحل النزاعات بالطرق السلمية ، في إشارة الى أهمية التوصل إلى حل سلمي للازمة الإيرانية - الغربية ، وعلى ان تلتزم إيران بمواصلة الحوار مع المجتمع الدولي و التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. واذا كانت الحقيقة تقول ان المرء لا يحقق كل ما يتمناه او يدركه ، بيد ان لهذه الحقيقة وجها آخر ، ويتمثل فى ان كل ما يدركه خادم الحرمين الشريفين ينجزه ولو بعد حين .. لانه من نوعية الزعماء التاريخيين الذين يدركون تماما حجم توقعات الشعوب وما تعكسه طموحاتهم بشكل كبير .. ولذا، فهو كان خير مثال للقائد والزعيم الذي يعمل على تحقيق هذه الآمال. ولا نغفل الانجازات التي حققها على امتداد الفترة الزمنية القليلة الماضية للشعب السعودي الشقيق ، والذي يجنى الآن ثمار إستراتيجية الملك عبدالله بن عبد العزيز ، بكل افرازاتها الايجابية على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية في مملكة السعودية الشقيقة وغيرها من المجالات . ليس على المستوي السعودي فقط ، لأن تحركات وجهود خادم الحرمين الشريفين من أجل فرض كلمة العرب على المجتمع الدولي ولتجاوز ما نتعرض له نحن العرب من محن، كانت لنا بارقة أمل للشعوب العربية وخطوة أساسية لمسار يفترض أن يستكمل بين الدول العربية حتى ينشأ موقف عربي موحد تشعر به الشعوب التى تتوق لمثل هذا التضامن . لقد كان فقيد الامة الراحل خادم الحرمين الشريفين خليفة الفرسان العظماء لآل سعود ، على رأس القيادات العربية والإسلامية التى ساهمت بأفكارهم واستراتيجيّاتهم وقراراتهم في تقديم صورة ايجابية عن العالمين العربي والإسلامي..لقد نجح فقيد العرب الراحل في نشر الاستقرار في بلاده والمنطقة، ويشهد له شعبه باصلاحاته السياسية والاقتصادية والتعليمية ، فقد كان اصلاحيا يرى ما لا يراه الآخرون، بحكم تربيته ونشأته في بيت خبر السياسة والحكم منذ الصغر. اللهم احفظ المملكة العربية السعودية وسدد خطى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز حامل راية الإسلام وحامي حمى الخليج، هذا الرجل المعروف عنه حكمته وحنكته وكرمه ومروءته .. اللهم ثبت شعب السعودية الشقيق على مصيبتهم ، اللهم آجرهم خيرا منها ، اللهم احفظ شعب وحكام السعودية ، من كل سوء ومكروه وأدم عليهم نعمة الأمن والآمان.. اللهم آمين. كاتب ومحلل سياسي بحريني

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها