النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11931 الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 الموافق 2 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:29PM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

العماني صاحب صندوق البريد رقم 4

رابط مختصر
العدد 9427 الجمعة 30 يناير 2015 الموافق 8 ربيع الآخر 1436

الباحث في التاريخ الاقتصادي لسلطنة عمان سيجد حتما اسمه في صدر الصفحات لأنه برز كرجل أعمال في بلاده يوم لم تكن تلك البلاد جاذبة للأعمال أو تعيش حالة ازدهار اقتصادي، ثم لأنه أخذ على عاتقه مسؤوليات ومهام هي في صلب مسؤوليات ومهام الدولة، دعك من حقيقة أنه خاض غمار أنشطة تجارية وخدمية متنوعة. كل هذه الأمور مجتمعة حققت للرجل سمعة حميدة وشهرة واسعة عند مواطنيه معطوفة على ثقة وتقدير ولاة الأمر في السلطنة الشقيقة، ولا سيما في اعقاب مجيء جلالة السلطان قابوس بن سعيد إلى الحكم في الثالث والعشرين من يوليو عام 1970، ومعه رغبة عارمة في الخروج ببلاده من حالة العزلة والانكفاء والتخلف التي كانت تعيشها. تلك الرغبة التي تجسدت في تعهد جلالته في أول خطاب وجهه لشعبه بأنه جاء ليخرجهم من تحت وطأة حالة التخلف والجهل والانقطاع عن العالم. إنه رجل الأعمال وشيخ القبيلة ومالك الأراضي والعقارات ومؤسس الخدمات البريدية والمصرفية والبلدية في عمان الحاج «موسى بن عبدالرحمن بن حسن الرئيسي» المولود في الحي القديم من مسقط في عام 1902 والمتوفى في العاصمة مسقط في 27 إبريل 1987. وما بين هذين التاريخين عاش الرجل حياة حافلة بالانجازات لنفسه وبني وطنه. ولعل ما ساعده في ذلك أنه كان في تلك الحقبة ضمن القلة القليلة من مواطنيه الذين نالوا قسطا متقدما نسبيا من التعليم من خلال الدراسة في مدرسة الإرسالية الأمريكية. وعائلة «الرئيسي» التي ينتمي إليها الحاج موسى هي عائلة عمانية عريقة يتصل نسبها إلى بلى بن عمرو بن الحاف بن قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرة ‏بن زيد بن مالك بن حمْيــَر الأكبر بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن النبي هود عليه ‏الصلاة والسلام. و«الرئيسيون» يعتبرون من ضمن القبائل البلوشية التي يشكل أبناؤها أحد المكونات الرئيسية للشعب العماني متعدد الأعراق. ولمعرفة المزيد عن هذه الشخصية التي خلفت وراءها ارثا كبيرا من الانجازات والخدمات في المجالات التجارية والزراعية والمصرفية والاجتماعية والحكومية وبما استحق معه عن جدارة الوسام الذي منحه إياه جلالة السلطان قابوس في عام 1983، سنعتمد على عدد من المراجع والمصادر أهمها: كتاب «رحلة مع الزمن» من تأليف وزير التجارة العماني الأسبق محمد الزبير، والجزء الثاني من كتاب «تاريخ البريد في عمان» من تأليف عبدالله بن سعيد البلوشي، وكتاب البريطاني «جي. إي. بيترسون» الموسوم بـ «تنوع المجتمع العماني» أو «أومانس دايفيرس سوسايتي». بدأت الرحلة العملية للحاج موسى المكنى بـ «أبوعبدالله» في عام 1927 أي في سن الخامسة والعشرين حينما أسس شركة في مسقط لإمداد السفن التجارية والبوارج الحربية البريطانية بالفحم والمواد الغذائية والتموينية. وبمرور الوقت، وبروز مسقط كعاصمة وميناء لدولة معترف بها من القوى الأجنبية الكبرى وكمركز يربط ما بين شبه الجزيرة العربية وسواحل المحيط الهندي وموانئ شرق أفريقيا، وتزايد عدد السفن القادمة أو المارة بمسقط، كان على «أبوعبدالله» أن يجاري هذه التطورات فيوسع مصادر السلع التي يزود بها السفن وينوعها. ومن هنا راح يستورد من دول أفريقية وآسيوية مختلفة، ويتاجر بالفحم والكيروسين والخشب والحبوب والشاي والبن والسكر والتمور والأسماك المجففة وبعض الفواكه والكماليات، الأمر الذي ربطه بعلاقات مع كبار التجار في الدول الأجنبية ولا سيما الهند، وجعل منزله ومجلسه محجة للتجار العابرين. لاحظت شركة النفط البريطانية «بريتش بتروليوم» أن «أبوعبدالله» يساهم مساهمة فعالة في استيراد الكيروسين والديزل وتوفيرهما من خلال العديد من المحطات التي كان يمتلكها في مسقط وساحل الباطنة وكانت تجذب الناس على اعتبار أن هاتين السلعتين كانتا وقتذاك المصدر الوحيد للطاقة والطبخ والإنارة. ولهذا السبب، معطوفا على سمعته التجارية الحميدة، قامت الشركة البريطانية باختياره كممثل لها في عمان. غير ان شهرة «أبوعبدالله» في بلده ووسط مواطنيه لم تأت من هذا فقط، وإنما أيضا من أمر آخر لا يقل أهمية. ففي زمن السلطان سعيد بن تيمور بن فيصل البوسعيدي، أي في الفترة ما بين 1932 ـ 1970، والتي تــُعرف في التاريخ العماني بفترة انغلاق البلاد على نفسها وانقطاعها عن التواصل مع أسباب المدنية والتطور في الخارج، كانت الآلاف المؤلفة من أبناء عمان ينتشرون خارج بلادهم (خصوصا في البحرين وقطر والكويت والسعودية وإمارات الساحل المتصالح والعراق والهند ودول شرق أفريقيا) بحثا عن الرزق أو العلم أو كليهما، وكانت وسيلة الاتصال الوحيدة بينهم وبين ذويهم في الداخل هي الرسائل أو ما كان يـُعرف شعبيا بـ «الخط». وعلى الرغم من وجود وثائق رسمية في متحف البريد في مدينة دلهي الهندية تؤكد ان أول مكتب للبريد في عمان افتتح في مسقط في الأول من مايو 1864 تحت إشراف شركة الهند الشرقية، أي بعد ثمانية أعوام من بدء التطبيق الفعلي للخدمة البريدية في العالم، فإن خدمة توصيل الرسائل إلى أصحابها لم تتوفر بصفة رسمية منتظمة إلا بعد عقود طويلة من الزمن. لهذا شاع اسم الحاج موسى بن عبدالرحمن بن حسن، وصندوق بريده في مسقط الحامل للرقم 4، كعنوان يرسل إليه المغتربون العمانيون رسائلهم إلى ذويهم، فيتولى هو إيصالها إلى أصحابها كخدمة مجانية. ومن رحم خدمة توصيل الرسائل هذه طرأت في ذهن «أبوعبدالله» فكرة تقديم خدمة أخرى موازية كان العمانيون بحاجة ماسة إليها، ولم تكن متوفرة حينذاك. ولم تكن هذه الفكرة سوى جعل عنوانه البريدي كقناة أيضا للتحويلات المالية والمصرفية بين عمانيي الداخل وعمانيي المهجر. وقد باشر تقديم هذه الخدمة طوال الفترة ما بين عقدي الاربعينات والستينات من القرن العشرين أي في فترة لم تكن فيها خدمات شركات مثل «وسترن يونيون» وأخواتها قد وصلت المنطقة بعد. وهكذا صار عنوان «أبوعبدالله» ليس مجرد صندوق بريد وإنما رمزا وطنيا يشير إلى حقبة من حقب التاريخ العماني المجيد. ومما لا شك فيه أن خوض الحاج موسى غمار هذا المعترك الجديد أفاده كثيرا لجهة فهم أسرار ودقائق العمل المصرفي. لذا لم يكن غريبا أنْ يصبح عضوا مؤسسا في مجلس إدارة أحد أقدم المصارف في عمان ومنطقة الخليج بأسرها وهو البنك البريطاني للشرق الأوسط، وذلك حينما دشن البنك أعماله في عمان وافتتح أول فروعه في مسقط في عام 1948. وفي منتصف السبعينات، استثمر «أبوعبدالله» خبرته المصرفية في المساهمة في تأسيس بنك عمان والبحرين والكويت الذي كان عبارة عن شركة مساهمة بين بنك عمان وبنك البحرين والكويت (بي بي كيه)» قبل اندماجه مع بنك عمان التجاري. لقد سبق وأن أشرنا إلى العلاقة التي ربطت «أبوعبدالله» بشركة بريتش بتروليوم البريطانية وكيف أنه صار وكيلا لها في عمان، لكننا لم نشر إلى أن تلك العلاقة كانت مفتاحه للحصول على وكالات أخرى والدخول في شراكة مع مؤسسات بريطانية ذائعة الصيت مثل شركـــــــة «غري ماكينزي» ومؤسسات بريطانية ـ عمانية مشتركة مثل شركة «دبليو جي تاول عمان وشركاه» التي أسسها في مسقط البحار الامريكي وليم جاك تاول في العقد الثامن من القرن التاسع عشر قبل أن يبيعها إلى عائلة سلطان العمانية اللواتية. وكان من نتائج انضمام الشيخ موسى إلى الشركتين الأخيرتين ولادة كيان جديد اتخذ اسم مجموعة شركات «غري ماكينزي موسى تاول»، قبل أن يتغير اسمها إلى «الوكالات العمانية المتحدة». والحقيقة أن الاسم الأخير كان يطلق على شركة أسسها الحاج موسى في عام 1956. ولعل من عاش في عمان في تلك الفترة يعرف تفاصيل الأعمال التي أخذت «الوكالات العمانية المتحدة» على عاتقها القيام بها. وهي أعمال متنوعة شملت توريد الإمدادات واللوجستيات الخاصة بأعمال شركات النفط العاملة في الأراضي العمانية، وتوريد وتسويق المواد الغذائية المتنوعة، والقيام بأعمال حجز الرحلات الجوية والبحرية وإرسال الشحنات والطرود وتزويد الناقلات بما تحتاجه من وقود ومؤن. وفي سبعينات القرن العشرين، أي مع بدايات عصر الانفتاح والإصلاح والنهضة والبناء، أضاف الحاج موسى إلى أعمال شركاته قسما خاصا بالموبيليا والمفروشات والأثاث المكتبي. فتمكن من خلال هذا القسم المستحدث أن يحصل على مناقصات معتبرة لتأثيث معظم الوزارات والمؤسسات الحكومية الوليدة. وبالتزامن مع هذا النشاط الذي وطد اسمه وسمعته التجارية في السوق العماني، حصل الرجل على العديد من الوكالات الخاصة بالمنتجات والسلع والكماليات الفاخرة مثل وكالة كاميرات «كانون»، ووكالة ساعات «أترنا ماتيك» السويسرية وغيرها من الوكالات التي باعها إلى تجار عمانيين آخرين في ثمانينات القرن المنصرم، محققا أرباحا ضخمة. ولعب الحاج موسى دورا أيضا في تنفيذ مشروع لتزويد مدينتي مسقط ومطرح بالمياه من خلال شراكة مع إحدى الشركات البريطانية المتخصصة. وكان من جراء نجاحه في هذا المشروع أنْ حصل على حق تمثيل شركات بريطانية أخرى من تلك العاملة في قطاعات الزراعة والمياه والري، أو المنتجة للمكائن الزراعية ومضخات المياه وآلات حفر الآبار. وهكذا كان لتعاونه مع هذه الشركات والمصانع الأجنبية الرائدة أثر إيجابي على التنمية الزراعية ليس في سلطنة عمان وحدها وإنما أيضا في دولة الإمارات العربية المتحدة التي كان مؤسسها وقائدها الراحل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حريصا على زيادة رقعة المساحات الخضراء فيها، وكان بالتالي يستقطب الشركات العاملة في هذا الحقل، ومنها شركة الحاج موسى التي أنجزت بعض مشاريع التطوير الزراعي في العين وإمارة رأس الخيمة. وكان لكهربة المدن العمانية نصيب أيضا من اهتمامات الحاج موسى. فالرجل الذي ساهم في الماضي في تزويد العمانيين بالكيروسين من أجل الإضاءة، أسس لاحقا مع اثنين من رجال الأعمال المحليين أول شركة كهرباء في مطرح لمواجهة حاجات المواطنين المتزايدة للطاقة. ومن المجالات الأخرى التي خاضها الرجل بثقة واقتدار وحقق فيها النجاح والريادة مجال التنمية العقارية والانشاءات. إذ دخلت شركته في شراكة مع مؤسسة «كوستن» البريطانية للمقاولات التي أنجزت العديد من المشاريع الانشائية في السلطنة مثل بناء مبنى البريد في مسقط، والقيام بأعمال التوسعة في بيت الفلج بمنطقة روي في محافظة مسقط، وإنشاء معسكر الدفاع في بيت الفلج وولاية بدبد. كما قام الحاج موسى مع رجال أعمال عمانيين بارزين مثل المرحوم قيس بن عبدالمنعم الزواوي، وسهيل بهوان، ومحسن حيدر درويش بتأسيس شركة «القرم للمقاولات» التي كانت من أوائل الشركات المستثمرة في مدينة قابوس. وتعتبر «القرم للمقاولات» واحدة من أكبر شركات المقاولات العمانية بدليل امتداد أنشطتها إلى خارج الحدود وقيامها بأعمال إنشائية وتطويرية في دولة الإمارات العربية المتحدة ولبنان وبريطانيا وكندا وغيرها. ويذكر التاريخ التجاري لعمان أن الحاج موسى كان أول من حصل على وكالة للسيارات في عمان. حدث ذلك في خمسينات القرن المنصرم يوم كانت بلاده معزولة وسكانها فقراء وطرقها وعرة وغير معبدة. وقتها حصل الرجل من البريطانيين على وكالة سيارات «هولدن» الاسترالية ثم أضاف إليها في عقد الستينات وكالة شاحنات «بدفورد» الانجليزية التي كانت مطلوبة من قبل الجيش العماني لاستخدامات نقل الجنود والمؤن والمعدات العسكرية. وفي عقد الستينات أيضا صار وكيلا حصريا لسيارات «فوكسهول» البريطانية، وإطارات «سوبر» الهندية ليمضي قدما شيئا فشيئا نحو الاستحواذ في السبعينات والثمانينات على وكالة توزيع الكثير من ماركات السيارات العالمية مثل بونتياك وجنرال موتورز الامريكيتين، وأوبل الألمانية، وسوزوكي وكاوساكي اليابانيتين، وفوتون الصينية، ومانترا النمساوية لصناعة حاملات الجند. لم يكتف الحاج موسى بكل الأدوار السابقة، وإنما أضاف إليها أدوارا جديدا في بناء بعض المؤسسات والكيانات الإدارية، مثل دوره اولا في تأسيس أول مجلس بلدي في عمان في خمسينات القرن العشرين ودوره ثانيا في قيادة «مجلس نقد عمان» وهو المجلس الذي تأسس بموجب مرسوم سلطاني في عام 1972 وشغل فيه الحاج موسى منصب نائب رئيس مجلس الإدارة وامين سر المال، قبل أن يتم دمجه مع «سلطة نقد مسقط» المؤسسة في عام 1970 ويتحولا في الأول من ديسمبر 1974 إلى «البنك المركزي العماني» بموجب مرسوم سلطاني جديد، ودوره ثالثا في سبعينات القرن المنصرم ضمن اللجنة المكلفة بوضع أركان ولبنات أول غرفة تجارية وصناعية في سلطنة عمان، حيث رأت الغرفة النور بفضل جهوده وجهود زملائه من رجال الأعمال الوطنيين في 15 مايو 1973 كمؤسسة من مؤسسات النفع العام. هذا ناهيك عن مشاركته في عضوية لجنة حل المنازعات التجارية التي أمر السلطان قابوس بتشكيلها في مايو من عام 1972 منه ومن المرحوم قيس بن عبدالمنعم الزواوي والوجهاء محمد الزبير ومحسن حيدر درويش والمرحوم علي بن داود الرئيسي والمرحوم الحاج جعفر عبدالرحيم والمرحوم الحاج علي سلطان. ولاتزال مجموعة موسى عبدالرحمن حسن وشركاؤه تعمل إلى اليوم منذ تأسيسها في عام 1927، متخذة شكل الشركة ذات المسؤولية المحدودة تحت إدارة ولدي الحاج موسى (عبدالله وعلي)، بمركز رئيسي في مسقط وفروع متعددة في طول السلطنة وعرضها ابتداء من صور وانتهاء بصلالة. أما مجال عملها فينحصر تحديدا في تسويق وتوزيع المركبات المصنوعة من قبل شركتي جنرال موتورز الامريكية، وسوزوكي اليابانية بأشكالها المختلفة، إضافة إلى بيع تشكيلة واسعة من الرافعات ذات العجلات المطاطية من نوع كاوساكي، وتشكيلة أوسع من السيارات ذات الاستخدامات الخاصة كسيارات الاسعاف، ومكافحة الحريق، والطب الشرعي والفحص الجنائي، وعربات تزويد الطائرات بالوقود، ونقل السجناء، ونقل البضائع المجمدة، والعربات المستخدمة في رياضة الغولف.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها