النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12140 الإثنين 4 يوليو 2022 الموافق 5 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

المغامر.. والزعيم.. والمطران (2 من 2)

رابط مختصر
العدد 9426 الخميس 29 يناير 2015 الموافق 7 ربيع الآخر 1436

كان من بين الشواهد التى دفعتني لدراسة احتمال أن يكون من وصفهما حافظ نجيب فى اعترافاته بأنهما كانا صديقين له من منشئي الحركة الوطنية المصرية، شجعاه على أن يدخل فى سلك الرهبنة، هما الزعيمان مصطفى كامل ومحمد فريد، إنهما كانا الوحيدين اللذين تنطبق عليهما هذه الصفة فى التاريخ الذى حدده صاحب الاعترافات للواقعة، وهو عام 1907، كما أن إشارته إلى أن أحدهما كان آنذاك على فراش مرضه الأخير، تنطبق على الزعيم مصطفى كامل، الذى كان بالفعل مريضا آنذاك، إلى أن رحل عن دنيانا في فبراير 1908. وفضلا عن ذلك فإن التطوير الذي أدخله هذان الصديقان على الهدف من دخول حافظ نجيب الدير، بحيث لا يقتصر على الهروب من مطاردة الشرطة، بل يشمل- كذلك- القيام بدور سياسى ووطنى طموح، يمكن أن يحقق استقلال مصر والسودان، كان يتطابق مع التوجهات السياسية للحزب الوطني الذي كان الاثنان يتزعمانه، وهى توجهات كانت تستند - منذ تأسيسه - إلى استغلال التناقض بين قطبي الصراع داخل الجبهة الاستعمارية آنذاك وهى بريطانيا وفرنسا، للحصول على استقلال مصر، الذى ولما انتهى هذا التناقض بتوقيع الاتفاق الودي بينهما عام 1904، وافقت بريطانيا بمقتضاه على أن تطلق يد فرنسا فى مستعمراتها فى المغرب العربي، مقابل أن تطلق الأخيرة يد بريطانيا فى مصر، وتكف عن تشجيع الحركة الوطنية المناوئة لها، اتجه الحزب الوطني إلى محاولة استغلال التناقض الجديد، الذى بدأ آنذاك داخل الجبهة الاستعمارية، بين فرنسا وبريطانيا من جانب، وبين ألمانيا والنمسا من جانب آخر، بسبب سعيهما لتوسيع مستعمراتهما فى إفريقيا على حساب قوى الاستعمار التقليدية أملا أن تساعده الدولتان في تحقيق استقلال مصر والسودان. وكان هذا الاتجاه وراء فكرة تشجيع «مصطفى كامل» و«محمد فريد» لـ «حافط نجيب» على الانخراط فى سلك الرهبنة، والتدرج فيها، لكي يصل إلى موقع «مطران الحبشة» حيث يستطيع بنفوذه الروحي الذي يفوق نفوذ ملك الحبشة، أن يشكل جيشا - أو فرقا للمقاومة - يجرى تدريبه فى النمسا، ليحرر السودان.. وينطلق منها لتحرير مصر. وقد يبدو اعتماد «مصطفى كامل» و«محمد فريد» على مغامر مثل «حافظ أمين» كانت الشرطة تطارده آنذاك بتهم عديدة تتعلق بالنصب والاحتيال، للقيام بمثل هذه المهمة الحساسة، غريبا وعصيا على التصديق، والحقيقة أن «حافظ نجيب» لم يكن مغامرا من النوع التقليدي الذي يعرفه الناس، ولم تكن شخصياته خالية من المواهب والخبرات التى تؤهله للقيام بمثل هذا الدور، إذ هو فى الأصل ضابط تخرج فى المدرسة الحربية المصرية واستكمل دراسته فى فرنسا، وعمل بالمكتب الثانى الفرنسى (المخابرات) وكان يتقن عدة لغات منها الفرنسية والإنجليزية، أهلته - بعد اعتزال الشقاوة والكف عن المغامرات التى كان يقوم بها، وكانت أقرب إلى المقالب منها إلى عمليات النصب والاحتيال - لكى يكون صحفيا ومترجما ومؤلفا مسرحيا. وعلى العكس من حرص «حافظ نجيب» على إخفاء اسم الزعيمين «مصطفى كامل» و«محمد فريد» عند روايته لواقعة انخراطه فى سلك الرهبنة، فإنه لم يخف اسم الثانى عند روايته لواقعة أخرى ذات صلة بالموضوع، تؤكد صحة استنتاجنا بأن الزعيم «محمد فريد» - على الأقل - كان على صلة وثيقة به، وكان أحد اثنين شجعاه على هذه الخطوة، لتحقيق الهدف الذى أشار إليه. فقد حدث بعد شهور من التحاقه بالدير، أن أصدر الشيخ عبد العزيز جاويش - أحد أقطاب الحزب الوطنى ورئيس تحرير جريدته اليومية «اللواء» - رسالة بعنوان «الإسلام غريب فى بلاده»، انطوت على هجوم عنيف على الأقباط ردا على ما اعتبره تطاولا من أحد كتابهم على الإسلام والمسلمين، وأدت إلى تأجيج المشاعر الطائفية، وهددت وحدة الأمة، خاصة بعد أن تحولت إلى مبارزة بين المسلمين والمسيحيين على صفحات الصحف.. ورأى «حافظ نجيب» أن يخفف من الآثار الضارة على وحدة الأمة، فكتب مدير الدير خطابا خاصا إلى الشيخ وقعه باسمه الديني «الراهب فلتاؤوس»، دعاه فيه إلى تخفيف لهجته وإلى حوار هادئ حول ما ورد فى رسالته، وصاغها بأسلوب يستهدف إطفاء النيران.. عبر فيه عن احترامه لمكانة الرجل، ورد عليه الشيخ «جاويش» برسالة استجاب فيها لدعوته، ونشر مقتطفات من الرسائل المتبادلة بينهما على صفحات «اللواء». وبعد شهور استمرت خلالها الحملة، تنبه الزعيم «محمد فريد» إلى الآثار السيئة التى تركها كتاب «الإسلام غريب فى بلاده» فى نفوس الأقباط عموما، وفى نفوس أقطاب «الحزب الوطنى» منهم، الذين جمدوا نشاطهم فى الحزب، وكان مستحيلا عليه أن يفصل الشيخ «عبد العزيز جاويش» من موقعه كعضو فى قيادته ورئيس لتحرير جريدته، لأن ذلك كان سوف يؤدي إلى انقسام الحزب، كما كان صعبا عليه أن يضحى بالدلالة الهامة لوجود الأقباط فى قيادته، باعتباره الحزب الذى يمثل وحدة الأمة فى تصديها للاحتلال البريطانى، الذى كان يزعم أن بقاء مصر بين براثنه ضرورى لحماية الأقليات الدينية. وكان الحل الذكى الرشيد الذى توصل إليه، هو استدعاء «حافظ نجيب»، الذى كان قد ترك الدير آنذاك، بسبب خلاف بينه وبين الرهبان على طريقة إدارته، وتخلى عن اسمه الديني «الراهب فلتاؤوس»، وتقنع باسم مستعار جديد هو «الخواجة غالى جرجس».. ودفع إليه مالا لينفق منه على تحضير حفلة عشاء يدعو إليها جماعة من وجهاء الأقباط ورئيس الحزب الوطنى والشيخ جاويش، حيث تبادل الجميع خطبا وأحاديث، أعادت بعض الصفاء إلى العلاقات بين الطرفين، وتبرع خلالها الخواجة غالى جرجس بمبلغ من المال إلى الشيخ جاويش، دعما لمشروعين خيريين كان يرعاهما. ومع أن هذه الواقعة - تؤكد في تقديرى - أن حافظ نجيب كان يقصد بإشارته إلى أن صديقين من رواد الحركة الوطنية شجعاه على دخول الدير، كلا من «مصطفى كامل» و«محمد فريد»، إلا أننى ما زلت أبحث عن شواهد أخرى تؤكد هذا الاستنتاج، وتكشف الفصول الغامضة من تاريخ هذه العلاقة الغريبة بين الزعماء والمغامرين!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها