النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11720 الإثنين 10 مايو 2021 الموافق 28 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:28AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:14PM
  • العشاء
    7:44PM

كتاب الايام

مصر والحبشة : المغامر والزعيم والمطران!

رابط مختصر
العدد 9419 الخميس 22 يناير 2015 الموافق 2 ربيع الآخر 1436

لا أعرف ما إذا كان اطفال هذا الزمان لا يزالون يلعبون بـ «حبشي ايطاليا» أم أنهم وجدوا ألعابا نارية أكثر من الألعاب التى انتشرت في اربعينات القرن الماضي، وكان يتمثل في شريط من الورق، تلتصق على حافتيه كرات سوداء اللون، يدخل في تركيبها الفسفور، كنا نحكها على أى سطح خشن، فإن كان الزمن ليلا أو المكان مظلما، أضاءت الحروف ـ أو الرسوم ـ التى نخطها، إلى أن ترتفع درجة حرارتها بفعل الاحتكاك، احدثت فرقعت يتصاعد معها تهليلتنا.. وفيما بعد استنتجت ان الاسم التجاري الذي أطلقه صناع هذه الألعاب النارية أو موزعوها عليها، كان محاولة لاستغلال عواطف التضامن والمساندة التي أحاط بها المصريون نضال شعب الحبشة ضد الغزو الايطالي لبلاده، الذي استمر لمدة ست سنوات، وانتهى عام 1941 باستمرار الحبشة لاستقلالها، وبعودة الامبراطور هيلاسلاسي إلى عرشه.. بحكم أن الشعب المصري كان يواصل نضاله أيامها ضد الاحتلال البريطاني لبلاده، وتتعاطف مع كل الشعوب التي تناضل ضد الاستعمار سواء كان ايطاليا في ليبيا والحبشة أو فرنسا في سوريا ولبنان أو بريطانيا في العراق وفلسطين، فضلا عن علاقات المودة التاريخية، التي تربط بين البلدين إذ كانت الكنيسة الاثيوبية تتبع آنذاك كنيسة الاسكندرية، التي أدخلت المسيحية إليها في القرن الرابع الميلادي، وكان البطريرك المصري هو الذي يختار أحد المطارنة لكي يتولى شئونها.. سواء كان من المصريين أو من الأحباش، بينما كان المصريون المسلمون يقدرون كغيرهم من المسلمين، الدور الذي قام به «النجاشي» ـ ملك الحبشة ـ في استقبال واستضافة الموجات الأولى من المسلمين الذين هاجروا من مكة إلى بلاده، هربا من اضطهاد مشركي مكة، فأجارهم وحماهم وسمح لهم بالقيام بشعائرهم الدينية. ولم تكن لعبة «الحبش ـ ايطاليا» هي الذكرى الوحيدة التي استعدتها، وأنا اتابع وقائع الزيارة التي قام بها إلى القاهرة في الاسبوع الماضي بطريرك الكنيسة الاثيوبية، البابا «ماتياس الأول»، وإلتقى خلالها بالمسئولين بالكنيسة المصرية، وفي الأزهر وهي وقائع تؤكد رغبة الطرفين في استعادة علاقات المودة التي جمعت بينهما على امتداد قرون، وتجاوز الظروف التي عكرتها المعالجة الخاطئة والمندفعة أحيانا لأزمة «سد النهضة»، وهي أزمة لا تزال تنشد حلا ينطلق من رؤية تمزج بين المودات القديمة وبين المحافظة على حقوق ومصالح كل الأطراف.. أما الذكرى الثانية التي دفعتني هذه الزيارة لاستعادتها، فهى واقعة تاريخية، ادهشتني حين قرأتها لأول مرة، منذ حوالي نصف قرن، حاولت خلاله، أن ابحث عن تفاصيل اخرى تؤكدها أو تضيف إليها ما يبدد غموضها .. فلم أجد حتى الآن. والواقعة رواها مؤلف كتاب «اعترافات حافظ نجيب» الذي صدرت طبعته الأولى عام 1947، وهو يضم مذكرات صاحبها المغامر المصري الذي برر اسمه خلال العقدين الأولين من القرن العشرين، وأصبح معروفا للأجيال المعاصرة، بعد أن اتخذ الفنان «محمد صبحي» والسيناريست «محمد بغدادي» من هذه الاعترافات موضوع لمسلسل تلفزيوني عرض من حوالي خمسة أعوام بعنوان «فارس بلا جواد». وبصرف النظر عن الضرورات الدرامية وغير الدرامية التي دفعت صناع هذا المسلسل لمزج الوقائع التى رواها «حافظ نجيب» في اعترافاته، بغيرها من الوقائع والشخصيات المتخيلة، فقد قدم الخطوط العامة لسيرة حياته العاصفة التي لن يدقق أحد من المؤرخين مدى صدق روايته لكثير من وقائعها، مع أنها كانت موضوعا لتحقيقات قضائية ومحاكمات، حين قرر ـ عام 1913ـ أن يتحدى الاتهامات التى وجهها إليه خصومه، وأن يكف عن المداعبات التي كان يقوم بها معهم، على نسق المداعبات التي كان يقوم بها «ارسين لوبين» مع رجال الشرطة في سلسلة الروايات التي ألفها الكاتب الفرنسي «موريس لبلان» وأن يظهر بشخصيته الحقيقية، بعد ان ظل لسنوات يستخدم اسماء تنكرية، ويتفرغ للكتابة والصحافة والترجمة، وهو ما فعله على امتداد اكثر من ثلاثين عاما تلت ذلك، وحتى وفاته عام 1946 .. فاصدر في النصف الأول من العشرينيات مجلتين اسبوعيتين هما :«الراوي» و«العالمين» وسلسلة روايات بعنوان «روايات حافظ نجيب». أما المهم، فهو أن «حافظ نجيب» يقول في اعترافاته، أنه في حوالي عام 1917 وفي اعقاب أزمة عاطفية مر بها، قرر أن يدخل إلى الدير ويترهبن لكي يختفي بين جدرانه عن أعين الشرطة التي كانت تطارده بسبب البلاغات الكيدية التي يقدمها ضده خصومه، والأدلة الملفقة التي كانوا يصطنعونها لتأكيد اتهاماتهم له بالنصب والاحتيال والسرقة، ولم يحل دون تفكيره في هذا الأمر، انه كان ينتمى لأسرة مسلمة، إذ لم تتح له حياته العاصفة والمتقلبة، فرصة لكي يعيش حياة أسرية مستقرة يتلقى خلالها تربية دينية تورثه معتقدات اسرته، وفضلا عن ذلك فقد بدا له أن دخوله الدير هي مغامرة من نوع جديد، فقضى على اي سبب لتردده! وفي قفزة غير متوقعة، يقول «حافظ نجيب» أنه قرر أن يعرض الأمر على بعض من سماهم «الزملاء المشتغلين بالسياسة من منشيئ الحركة الوطنية»، فحبذوا رأيه، وقال أحدهم: ـ يجوز أن يكون الدير وسيلة لذهابك في منصب مطران الحبشة وذلك البلد لا يزال مستقلا، ومنصب المطران هناك منصب عظيم جدا، واحترام الاحباش للجالس على كرسي المطرانية أعظم من اجلالهم للجالس على العرش وقال الثاني وهو على فراش مرضه الأخير: ـ وفي مقدور المطران المثقف ثقافة عالية أن ينشئ هناك جيشا يعلم ضباطه في النمسا أو ألمانيا فيصير في مقدوره اغتصاب السودان .. وانقاذ مصر من المحتلين؟ وقال الأول: هذا سر خطير فاحتفظ به لنفسك ولا تيسر لأي صديق معرفته من هما هذان الشخصان من «منشيئ الحركة الوطنية» آنذاك اللذان طورا هدف دخول «حافظ نجيب» للدير، من مجرد الهروب من مطاردة الشرطة، إلى محاولة الوصول إلى منصب مطران الحبشة، الذي كان يعين بقرار من البطريرك المصري، لكي يكون ذلك مقدمة لانشاء جيش حبشي يقود لتحرير السودان ومصر من الاحتلال البريطاني، وكان أحدهما في ذلك الوقت على فراش مرض الأخير؟ أليس من المحتمل أن يكونا زعيما الحركة الوطنية المصرية آنذاك «مصطفى كامل» و«محمد فريد»؟ كان ذلك هو السؤال الذي توقفت عنده، واخذت ابحث عن اجابة له تستحق الانتظار إلى المقال القادم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها