النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

الحصيلة البائسة للحرب على الإرهاب

رابط مختصر
العدد 9418 الأربعاء 21 يناير 2015 الموافق غرة ربيع الآخر 1436

إن نهاية الحرب الباردة لم تؤدّ إلى تشكّل نظام دولي بديل مهما كان شكله، فقد بدا من الواضح أن خارطة العلاقات الدولية تتأرجح بين اتجاهات متباينة عصية على الحسم : قوّة أحادية (الولايات المتحدة) فاقدة لآليات الهيمنة الفعلية على باقي مناطق العالم (فشل استراتيجية الأنظمة الإقليمية الحليفة وإخفاق نهج تفعيل الشرعية الدولية من خلال نظام الأمم المتحدة لأن أمريكا هي اول من ينتهكه)، بقدر ما هي عاجزة عن تحمّل مسؤولياتها إزاء أزمات عالم لا منافس لها فيه- الى حد الان- وعلى رأس هذه الأزمات الحروب الأهلية والإقليمية، التي تزايدت وتيرتها وتفاقمت فظاعتها أكثر من حقبة الحرب الباردة، ومن تمظهراتها تصاعد الإرهاب واتخاذه طابعا عالميا عابرا للقارات. إن الإرهاب الذي ترسم صورته الإدارة الأمريكية المهوسة بخيالات العنف (الذي ينحصر في المجال الجغرا– سياسي العربي الإسلامي) ليس مظهر تحدّ حضاري، مثلما كان يكرر الرئيس السابق جورج دبليو بوش، إنما هو تعبير حادّ وجذري عن أزمة تواصل وتفاهم وعدم قدرة الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية الرئيسية على فهم العالم وعلى التعامل معه على نحو منصف وعادل والاستقرار على الاستمرار في نهج النمط الاستعماري. والدليل على ذلك أن سنوات عجافا مضت على بدء الحملة الأمريكية على «الإرهاب»، وما يزال هذا الإرهاب، ويضرب في كل مكان، بل وازداد شدة واتسع انتشارا في أكثر من مكان، بعد أن كان محصورا في بقع معزولة من المعمورة.. سنوات مضت على هذه الحملة الفاشلة، وها هي طالبان تعود بقوة إلى أفغانستان وتضرب في كل اتجاه ضربات موجعة، وها هي القوات الأمريكية تعود مجددا إلى الضربات العشوائية في باكستان تأكيدا لنفاد صبرها وحيرة أمرها، ولتتخلى مجددا عن أساسيات العمل مع الحلفاء بتجاوز السيادة الباكستانية كل يوم واختراق حدود بلد مستقل ذي سيادة.. سنوات مضت بدا خلالها الحلفاء الذين ساندوا الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث 11 سبتمبر الشهيرة متثاقلين في دعمهم لتلك السياسية الهوجاء وغير العاقلة، وكثير منهم ابتعدوا عن الحليف الأمريكي بعد إدراك متأخر بأنه بات يخبط خبط عشواء في حروب بلا نهاية، في ظل الإدارة المتناقضة إدارة المفارقات، بل إن كلا من الصين وروسيا قد تراجعتا تماما عن دعم الموقف الأمريكي في هذا المجال، بعد انكشاف الهدف الحقيقي من الحرب المزعومة، والمتمثل في استغلال الإدارة الأمريكية لتحقيق مصالحها الخاصة على حساب الآخرين، بمن فيهم الحلفاء، من خلال إقامة القواعد العسكرية والتمدد على حساب الدول الأخرى، وتجاوز القانون الدولي... سنوات عجاف مضت، الإدارة الأمريكية تغرق العالم في أزمات متتالية على أكثر من صعيد عسكري واقتصادي وسياسي، وما زالت نفس الأسئلة الحائرة تتردد على ألسنة الأمريكيين أنفسهم: لماذا كل هذا الحنق والحقد على أمريكا؟ وماذا ارتكبنا من أعمال مشينة والحال أننا حماة الحرية والديمقراطية في العالم حتى نكون مكروهين ومستهدفين في العالم على هذا النحو؟ إن الإدارة الأمريكية ما تزال لا تعترف بأنها أخطأت في تقديراتها وفي معرفتها بالعالم وتحولاته، ولا تعترف بان العالم قد تغير، وان منطق القوة وازدواجية المكاييل وانعدام القيم الأخلاقية في الموقف السياسي (انظروا الى الموقف من الحقوق الفلسطينية في مجلس الامن)، لم يعد مقبولا من احد، وان اللعبة قد انكشفت حتى للحلفاء.. وبالرغم من محاولات تمويه الصورة، من خلال الحديث عن «قوى الشرّ الخفيّة التي تحارب نمط الحياة الغربي»، ومساهمة الإعلام الأمريكي وبعض دوائر الفكر والرأي في تثبيت وهم «الصدام الحضاري» والخطر الناتج عن الإسلام العاجز عن التكيّف مع الواقع الجديد في العالم»، فإن الصورة قد انكشفت على حقيقتها، وتتمثل في الطابع العدواني للسياسة الأمريكية وقدرتها فقط على إدارة التناقضات على صعيد القيم والمواقف السياسية، حيث لم تكن أحداث 11 سبتمبر بداية لحقبة جديدة ولا هي قطيعة مع نظام دولي مندثر، وإنما هي مظهر دراماتيكي لأزمات تعاني منها السياسة الأمريكية والعلاقات الدولية الغربية تحديدا في صلب تحولات العولمة وآثارها، وما تسببه من آلام وتهميش وتدمير لقطاعات واسعة من المجتمعات المرهقة بالفقر والتهميش والجوع والاستبداد. إن الذين يعاينون اليوم حالات الإرهاب المتوحش المتنقل، بأشكاله الجماعية او الفردية، يعبرون عن اندهاشهم واستغرابهم من (هذا الوحش) -فقط عندما يحدث في العواصم الغربية-إلا انهم ينسون أنهم من أسهم في صنعه ورعايته، ووفر له السياق ومبررات النمو والانتعاش والانتشار، ولذلك يعمدون على صعيد الخطاب بفصل التوحش والارهاب من جذورهما، ويقفزون به مباشرة الى النتائج، وهذه أكبر عملية غش على الصعيد السياسي وأكبر عملية تزوير على الصعيد التاريخي. إن ما يتم تغييبه-تضليلا-هو التوحش الآخر الذي يدفع نحو أعماق الهمجية، كلحظة القاء القنبلة على هيروشيما ونكازاكي برؤية سينمائية هوليودية، وهو أيضا التدخل الاستعماري في البلدان البعيدة، واستخدام كافة أنواع الأسلحة ضد شعوبها المسالمة، إنها عدوانية خارج الحدود بتمظهراتها المتوحشة في غوانتنامو وفي أبو غريب – كرمزين دالين-ولذلك تكون الوجه الأكثر فظاعة لنوع اخر من التوحش « المتحضر»: لا احترام للإنسان حتى في ميتته الأخيرة. ومن تمظهراته أيضا التوحش الإسرائيلي الذي فاق الخيال في لا إنسانيته في غزة، والذي يلقى الغطاء والحماية والاحتضان والدعم!! ولذلك لم يعد لجميع الشعارات المتعلقة بالحريات مثل حرية التفكير والتعبير والتجارة والمعتقد والحق في الحياة والبحث عن السعادة والدفاع عن الأوطان في وجه المعتدين، لم يعد لها أي أهمية عندما يتحرك الجيش الأمريكي خارج أمريكا، إذ يبدأ الاحتقار والتجاوز والقسوة والاختطاف والضرب بالطائرات بدون طيار. جملة مفيدة اعتبر صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد نائب القائد الأعلى النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء في كلمته أمام اجتماع حوار المنامة 2014م أنه من الضروري تمييز حقيقة أن الإرهاب ما هو إلا أداة تتوارى وراءها الأيديولوجيات الثيوقراطية بطابعها المتطرف، ومن الواجب التصدي بشجاعة ونزاهة فكرية للب هذا الفكر وكافة أشكال استغلاله للأديان والمعتقدات.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها