النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

المعارضة العقلانية باعتبارها ضرورة للحكم

رابط مختصر
العدد 9416 الاثنين 19 يناير 2015 الموافق 28 ربيع الأول 1436

المعارضة السياسية العقلانية ضرورة للحكم-أي حكم في أي بلد ديمقراطي- وترتبط أهمية المعارضة السياسية في أي بلد بكونها مظهرا من مظاهر التعددية السياسية، ورقيبا على ممارسة السلطة لصلاحياتها الدستورية والقانونية، بما يعنى أن وجود المعارضة حالة صحية مؤسساتية، وعدم وجودها يؤدي إلى قولبة المجتمع وإخراجه من مساره الديمقراطي السليم، لأن وجود المعارضة تعبير عن وجود السياسة ذاتها باعتبارها صمام الأمان ضد تحول الخلاف السياسي الى نزاعات وصراعات، فلا ديمقراطية دون تعددية ومن التعددية تنبثق المعارضة النشطة العقلانية الواقعية. بل إن السياسة في جوهرها نفي للعنف، والمعنى الذي تنعقد عليه وحدة المجتمع والدولة، ووحدة الحكم والشعب، ووحدة السلطة والمعارضة، والتعبير عما هو عام ومشترك بين جميع المواطنين: الفكر والمنطق والعقل والمجتمع المدني، ودولة القانون، هي جميعا مقولات تتقدم معاً وتتراجع معاً، ولذلك فالسياسي- معارضا كان أو مواليا أو مستقلا- يجب أن يتصف بالعقلانية والواقعية والرؤيوية، ونعتقد أن هذه الصفات لا تتوافر في اغلب المعارضة، لأنها لا تمارس فعل السياسة باعتبارها مجموعة من المسؤوليات والحقوق والواجبات السياسة كفاعلية اجتماعية، وكمشاركة إيجابية في الشأن العام كحق من حقوق الإنسان والمواطنة، وإنما فضلت أن تكون خارج هذا السياق، تعمل من خارج المؤسسات وتعمل على التغيير من خارج الأطر المستقرة.. بما يدفعها بالضرورة الى منطق المواجهة، بدلا من الشراكة، وهي لأسباب موضوعية وذاتية لا تعرف-الى حد الان-الوحدة الجدلية بين العقلانية والواقعية والقدرة على الرؤية، ولذلك لم تنجح في بناء نوع من الجدل المحاور مع السلطة، لانها- مثلما بينا في أكثر من مناسبة- تخاف من التوافق مع مكونات المجتمع السياسي الأخرى ( من خارج الفضاء الخاص بها)، مع انها الطريقة الوحيدة التي تفضي إلى الاستقرار الفعلي وإلى المشاركة الفعلية في السلطة. وحدها المعارضة العقلانية، هي التي تؤمن بالشراكة الوطنية وبالتوافق وبالتدرج في تحقيق الأهداف، ولا تستمد شرعيتها من مقدرتها على التغيير وقلب نظم الحكم، وإنما من قيامها بوظائف أخرى ضرورية حتى من دون العمل على تغيير النظام، في مقدمتها الاقبال على المشاركة السياسية من داخل المؤسسات الدستورية وبناء الشركات الوطنية من داخل السلطة النيابية نفسها، كمراقبة عمل السلطة التنفيذية ومتابعة سياستها، وبالتالي تحقيق التوازن المنشودة والمصالح المرسلة لجمهور المواطنين، وتشكل مراقبة الحكومة وتحليل سياستها ونقدها، مدرسة أساسية لتأهيل النخب الاجتماعية والسياسية، المشاركة في الحكم أو الموجودة خارجه، وتدريبها على تمثل مفهوم المصالح الوطنية والتعامل مع تعدد المصالح الاجتماعية، والتمرس على إدارة الشؤون العامة، هذا بالإضافة الى دور هذه المعارضة في التشريع- وهو امر جوهري- والذي من خلاله يتم تغيير وتطوير للعيديد من الجوانب السياسية والدستورية والاجتماعية والاقتصادية في توازن تام بين الإمكانيات والطموحات، ولكن قيادات المعارضة في البحرين ارتكبت أخطاء جسيمة تسببت لها في كوارث حقيقية، واسهمت في الاضرار بالبلد وتجربته الديمقراطية الفتية وعززت الاتجاه الى عدم الثقة فيها، وهي اليوم تتجرع نتائج هذا الخيار الخاطئ، حيث تخلى عنها الذين ورطوها في النزعات المشددة والمواقف العنترية، غذ لم تترك لنفسها ولا للسلطة مجالا او هامشا للمناورة السياسية بمواقفها غير الحصيفة من الحوار او من الانتخابات، ولذلك ليس أمامها اليوم سوى أحد خيارين: -أولا: إما أن تستمر في نفي السلطة والاخرين، ورفض الحلول الوسطى والتوافقات الوطنية، والاستمرار بالتالي في انتاج خِطاب مغلق ومتوتر قادر فقط على فتح أفق العنف والتوتر، خطاب مشغول باسترضاء المخيال الاجتماعي، ويوقد فيه نزعة العنف الغريزية، فتكون المعارضة بذلك مشروع سلطة استبدادية، وهذا بالضبط ما حدث في العراق وما يحدث حاليا في اليمن وسوريا وليبيا بدرجات متفاوتة. -ثانياً أن تختار طريق العقلانية والواقعية السياسية، فتعمل على القبول بالمنطق السياسي بدلا من المنطق الأيديولوجي، استنادا الى اعتبار المصلحة الوطنية مرجعية واقعية مشتركة لكل الأطراف، وباعتبار أن التقدم نحو التحول الديمقراطي يتم بالتدرج، خطوة خطوة، ودون إرغام او ابتزاز او ضغوط من الخارج، او من خلال قفزات في المجهول. لقد أصبح واضحا لكل عاقل تهمه مصلحة البلد أن الأمور لن تستقيم دون تطبيع للحياة السياسية بكافة أبعادها، ولن يحدث ذلك قبل المراجعة والتقييم والمحاسبة واستخلاص الدروس مما حدث، وهذا الأمر يحتاج إلى فضاءات مفتوحة من الحوار العام، ولا نقصد فقط الحوار بمعناه السياسي الضيق، بل الحوار الوطني الذي يستوعب كافة الأصوات الوطنية التي تؤمن بالحل السياسي التوافقي وبرفض العنف. وهذا يستدعي اتخاذ قرارات جريئة، وخطوات لتطبيع العلاقة، بما يعني التوقف عن الأعمال والأفعال والأقوال غير المنضبطة وغير المقيدة بالقانون وإخراج الخارج من اللعبة السياسية المحلية، التي يجب ان تبنى قواعدها وشروطها على أساس المصلحة الوطنية، دون غيرها، والتمسك بأسس التعايش الوطني. كما ان ما يمكن أن سيسهم في إخراج المجتمع من حالة الاستقطاب، وتحصين الجبهة الداخلية، والعمل على بناء إجماع وطني حول رفض الفوضى والعنف والخروج عن القانون، ورفض اللجوء الى الخارج في جميع الأحوال، والإقرار بالديمقراطية هدفا وأفقا، وبالتدرج في تحقيقها لتجنب الهزات والاضطرابات، ويفترض بالمعارضة الديمقراطية أن تنطلق في رؤيتها وبرنامجها، وممارستها من ثلاثة محددات هي: الوطن والقانون والحرية، ولذلك فإن أي حديث او مطالب او ممارسات لابد ان تراعي مصلحة الوطن، واحترام الحريات العامة والخاصة واحترام القانون والدستور، والعمل من داخل منطق القانون نفسه، وهي عملية مركبة وتحتاج نفسا طويلا في تعزيز التجربة الديمقراطية والتي نراها كل يوم تتطور، وتبقى المعارضة على هامشها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها