النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

حول إدارة التوحش عندما يلحق قطار الإرهاب بفرنسا

رابط مختصر
العدد 9411 الاربعاء 14 يناير 2015 الموافق 23 ربيع الأول 1436

لحق قطاع الإرهاب فرنسا مؤخرا في عقر عاصمتها باريس، وضرب اهم واعز ما يفخر بها الفرنسيون وهو « الحرية» وحرية الصحافة في مقدمتها، وكان ذلك إيذانا بأن يد الإرهاب قد أصبحت طويلة وقادرة على المساس بالجميع، في أي مكان، حتى في أهم عواصم الدول الكبرى الأكثر تحصينا ومراقبة. إن الخطير فيما حدث في باريس مؤخرا، ليس فعل الإرهاب ذاته، لأنه فعل منتشر على نطاق واسع، بل أصبح خبزا يوميا في حياة الملايين من البشر في أكثر من مكان في العالم-وخاصة في الدول العربية والإسلامية-الخطير ان هذا الإرهاب المتوحش، يتم تسويقه باسم الدين، باسم الإسلام تحديدا، ويجد – للأسف من يبرره او يؤوله بذات المنطق-في عملية خداع كبرى للمسلمين بوجه خاص، لأن الإرهاب المركب المتوحش لا يفرق بين أحد وآخر، بين الكبير والصغير، بين الظالم والمظلوم، بين الحاضن والمحضون، بين المسلم وغير المسلم. ويحيلنا منطقه الشنيع-الذي استهدف العاملين في صحيفة بغض النظر عن وجهة نظرنا في توجهاتهم ومواقفهم – الى الكتاب الشهير الذي يعتبر المرجع الفكري لتنظيم القاعدة «إدارة التوحش» والذي ينسب إلى مؤلفه أبي بكر ناجي، وما تضمنه من مفاهيم العقيدة القتالية للتيارات الجهادية المتطرفة وتأكيداتها على ضرورة «مقاتلة العدو القريب، المتمثل في النظم السياسية العربية والإسلامية التي تنعتها بالمرتدة، إلى مقاتلة العدو البعيد المتمثل بالغرب عموماً والولايات المتحدة الأمريكية رأس الأفعى وإسرائيل على وجه الخصوص». فها هنا الكل سواء، عرب ومسلمون وغير مسلمين فهم جميعا هدف للقتل والإرهاب والتوحش والنكاية والانهاك والانتهاك.!! لماذا تم اختيار فرنسا هذه المرة لتكون مسرحا للعدوان الإرهابي؟ في التحليل المباشر لا يخفى عن أحد أن اختبار فرنسا لإدارة التوحش الإرهابي لم يأت صدفة، لأن فرنسا لها موقف صريح وقوي ضد الإرهاب، وإرهاب الجماعات التكفيرية تحديدا، سبق لها أن تدخلت في أفغانستان وفي النيجر وفي ليبيا القذافي وفي العراق، وها هي تتأهب للتدخل مجددا ضد إرهاب الجماعات الاسلامية في ليبيا المهدمة. أما في التحليل الابعد عمقا فلا بد من النظر الى الموضوع – وبعيدا عن أي تبرير للإرهاب-نظرة تاريخية وسياسية في ذات الوقت، فالكراهية والأحقاد والإقصاء المتبادل بين الغرب وبين العرب خصوصا، على قاعدة من المعطيات الثيولوجية الإسلامية والمسيحية واليهودية التي عملت منذ القرون الوسطى كأنظمة ثقافية و(روحية) وأخلاقية وتشريعية للإقصاء المتبادل. لقد عملت هذه المنظومات التي ترجمتها المجموعات الدينية للادعاء بأنها قد اختيرت من قبل الله بشكل خاص لحمل الحقيقة (لوحدها)، وهي نفس تلك المنظومات التي مازالت الى اليوم تعمل كثوابت لتبرير حروب متكررة منذ سنة 1945م (حرب الجزائر بين 1954-1962م، حرب السويس في 1956م، حرب الأيام الستة في 1967م، حرب العبور في1973م، حرب الخليج 1991م، والحرب على العراق 2003م، والحروب على الإرهاب بطبعاتها وتعقيداتها ومسبباتها المختلفة.... جميع هذه الصراعات كانت تستحضر – بشكل او بآخر- ذلك الموروث الديني والثقافي الرمزي المشترك بين العرب والغرب بوجه خاص- منازلات التاريخ والحروب الصلبية- والخطوط العريضة للتاريخ تعكس مسار تشكل الذاكرات الجماعية المحفورة في القلاع الأسطورية –التاريخية، وهي تتغذى دائما من المضامين الجدلية المرتكزة على الدفاع عن (الإيمان) و(الخير) و(الحق) في مواجهة (الكفر) و(الشر) و(الضلال). وأصبح المعجم المستخدم من قبل (أوروبا-الغرب العصري المتقدم) يستحضر التمثلات والكنايات القروسطية في ذات الوقت الذي يتم فيه الإعلان عن التمسك، وبقوة، بالإنجيل-الأرثوذكسي للقيم (الغربية): الديمقراطية، اللائكية، الأنسوية والإنسانية، ولذلك، لا غرابة أن يتم التأكيد وباستمرار في العلاقات الثنائية بين الدول –الشعوب سواء على مستوى خطاب الوحدة الأوروبية، على وجود علاقات جوار تاريخية بين أوروبا المتوسطية وبين العالم العربي المنتمي إلى الحوض المتوسطي. وإذا ما أضفنا إلى ذلك موجات الهجرة داخل حوض البحر الأبيض المتوسط، سوف يكون بإمكاننا، وبشكل افضل، تقدير الحاجة الماسة بالنسبة لدول الوحدة الأوروبية لتجاوز مرحلة التبادل غير المتكافئ والتهميشي مع هذه الدول-الشعوب وضرورة معاودة التفاوض دون توقف من اجل بناء تاريخ مشترك بين الشعوب من التسامح والتعاون والتسامح والقبول المتبادل، على قاعدة الاحترام الصارم من قبل مختلف الشركاء لهذه (القيم) المرفوعة اليوم كأكبر رهان لتبرير الحروب الجارية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي كان مسرحها – في الغالب الاعم- البلاد العربية، بتداعياتها من العف والعنف المضاد. إن القضاء على الإرهاب والتوحش، يقتضي- بالإضافة الى التصدي الصارم له من قبل جميع الدول والشعوب- إعادة بناء العلاقات الدولية على أسس من العدل والاحترام المتبادل والتبادل المتكافئ، ووضع حد للانتهاك للبلاد العربية، ولحقوق العرب والمسلمين، هذا التاريخ التضامني الذي يفترض أن تجري حوله المفاوضات بين الدول-الشعوب التي تنتمي اليه، سوف يعني تدشين مرحلة جديدة من الديبلوماسية الوقائية، لتأسيس سياسة مشتركة من القيم والتفاهمات ذات الطابع الإنساني، والتوقف عن اعتبار العالم العربي- الاسلامي مجرد حديقة خلفية، أو قطعة من الجغرافيا التي يتم التلاعب لها. كما أن الفكر الإسلامي قد رفض باستمرار والى يومنا هذا القبول بالإنجازات التحررية وبالفكر النقدي المعاصر، وبالعكس من ذلك ظل منغلقا على نفسه داخل سياج منغلق مع منزع عدائي ضد الغرب المهيمن الواثق من نفسه، مع تضخيم المخيال المتعلق بالمقاومة والاحتماء بالهوية، كما أن جدلية الهيمنة والاعتداء السياسي والثقافي والسيطرة الاستعمارية من قبل الغرب يقابلها عند العرب والمسلمين إحساس متزايد بالضعف والإهانة والتخلف والقمع والإحباط، كما أن ردود الفعل العاطفية في كل مرة تقع فيها حوادث إرهابية واعتداءات مسلحة معزولة وغريبة، (منذ 11 سبتمبر 2001م وحتى اليوم) ليس من شأنها ان تقف عند هذه الاحداث وقفة موضوعية لمعالجة أسبابها على نحو جذري، ولا تتيح الفرصة للأصوات القادرة على فتح آفاق جديدة للفكر وللمعرفة وللعمل الإنساني المشترك لمواجهة الإرهاب والظلم والتعدي على الانسان بكافة الاشكال.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها