النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

وكأنك يا بوزيد ما غزيت

رابط مختصر
العدد 9408 الاحد 11 يناير 2015 الموافق 20 ربيع الأول 1436

خلال الأيام القليلة الماضية تداول المغردون، وأصحاب مواقع الفيسبوك، وملاك صفحات الإنستغرام العرب محتوى يروج لموقفهم من حادثتين: الأولى خطابا ألقته وزيرة الداخلية البريطانية تيريزا ماي أمام محفل دولي في سبتمبر 2014، واستشهدت فيه بمجموعة من الآيات القرآنية مثل: «يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير»، و«لا إكراه في الدين» كي تستخلص من ذلك أن الإسلام «دين سلام وليس دين عنف»، ثم تنطلق من هذه المقولة فتصل كما جاء على لسانها «أن داعش ليست الإسلام وليست دولة أيضا». أما الثانية، فكانت تصريحات مسؤولين عرب يحيون الموقف الفرنسي من حادثة الاعتداء التي نفذها مسلمون عرب من الجزائر على مجلة «تشارلي»، ردا على ما جاء في المجلة من محتوى يحاول الاستهزاء بالإسلام، وعلى نحو خاص السخرية من النبي محمد عليه السلام. قبل تناول الظاهرة، وتحاشيا لأي شكل من أشكال سوء الفهم، ينبغي تثبيت مسألتين مترابطتين وهما في غاية الأهمية: الأولى ليس القصد هنا من تناول الظاهرة هو الدفاع عن «داعش»، تحت أي من المبررات. فالظاهرة «الداعشية»، وبكل المقاييس سلوك مدان من الأساس، ولا يمكن، بل ومن الجريمة، الدفاع عنها. والأمر ذاته ينطبق على الاعتداء على الصحيفة الفرنسية، التي مهما بلغت بذاءتها، لكن محاربة تلك «السفاهة»، لا يأتي بارتكاب عمل إرهابي لا يقل سفاهة عنها. لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد، فما يستدعي التوقف عنده هو ما ينطوي عليه ذلك الترويج المتلاطم الذي شهدته شبكات التواصل الاجتماعي، والذي حمل في جوهره، لمن يتمعن فيه، دعوتين متكاملتين: الأولى، في حالة الوزيرة البريطانية عكست التعليقات المصاحبة لشريط الفيديو، عبارات مبطنة تحاول أن توحي بصدق نوايا الوزيرة في موقفها المتعاطف مع الإسلام، والداعي، بصدق أيضا، كما تشير العبارات المصاحبة للخطاب، للتصدي له. أما الثانية فحمل إدانة مطلقة للعملية، وتأييد لا محدود لما أقدمت عليه السلطات الفرنسية من حملات تفتيش شملت بعض من ليست لديهم علاقة من بعيد أو قريب بالاعتداء الذي تعرضت له الصحيفة، وذهب ضحيته بعض العاملين الأبرياء فيها. في حقيقة الأمر، يعكس الموقف العربي من الواقعتين: الإعجاب بالموقف البريطاني، والتنصل من العملية ضد الصحيفة، حالة الإحباط المتدنية التي بات يعاني منها المواطن العربي، وصانع القرار العربي على حد سواء، والذي دفع بهما إلى التعلق بما هو أوهى من خيط العنكبوت، كي يوهم نفسه بأن هناك حالة تحول جذري صادق في الموقف الغربي من الإسلام عموما، والعرب خصوصا، يتجسد في الموقف المعادي للإرهاب مكرسا في «داعش»، وبعض العمليات الإرهابية المتناثرة التي باتت تشهدها بعض العواصم الغربية. ليس هناك ما يدعو إلى إثقال القارئ العربي بالأرقام، ولا الاستعانة بمادة غزية من الأحداث التي تثبت جميعها زيف المواقف الغربية، ومن بينها البريطانية عندما يتعلق الأمر بظاهرة «الإرهاب». وسوف أتحاشى الخوض في تفاصيل تكون «داعش»، من أجل إثبات وجود بصمات لأصابع الاستخبارات الغربية فوق عباءاتها، بل لن نعود إلى الماضي البعيد كي نكشف ما قامت به دوائر الاستخبارات البريطانية في تأسيس أكبر دولة إرهابية هي إسرائيل، وإصرارها على مواصلة الدفاع عنها. سواء تحت حراب ما يربو على 70 ألف جندي بريطاني في فلسطين في العام 1948، في حين لم يكن يتعدى حجم الحضور العسكري البريطاني في تلك الفترة في مستعمرة واسعة الأرجاء مثل الهند على 40 ألف جندي. واستمرت الرعاية البريطانية لأسوأ شكل من أشكال الإرهاب الذي يمكن أن تمارسه دولة، حيث لم نشهد موقفا بريطانيا ملموسا يدين ما قامت به العصابات الصهيونية في غزة، وبشكل متكرر على مدى الأعوام الستة الماضية، كان آخرها في أواخر العام 2014. وللتأكيد على صحة ما نذهب إليه من زيف الادعاءات الرسمية البريطانية عندما يتعلق الأمر بالإرهاب، تكفي الإشارة إلى أنهم بقدر ما أدانوا تنظيم «الإخوان المسلمين» في العام 2012، لكنهم كانوا قد تغاضوا عن ذلك الاجتماع الذي عقد مع جماعة الإخوان في العام 2006، في مدينة بروكسل، برعاية من حكومة بوش، ومباركة من العواصم الغربية الأخرى. فعندما كانت جماعة الإخوان غير متنافرة مع الاستراتيجية الغربية، لم تكن حينها «منظمة إرهابية»، لكنها عندما اختلفت معها انتقلت إلى خانة التصنيف الإرهابي. الأمر ذاته يبرز عند تحديد الموقف من الظاهرة الفرنسية، فما يدفع شباب عربي مسلم إلى التعبير عن سخطهم من خلال عمليات «إرهابية»، والتي ليس هناك من يجرؤ على التعاطف معها، دع عنك تأييدها. فلو وجد أولئك الشباب، ومثلهم عشرات الآلاف العرب المسلمين ممن يعيشون في البلدان الغربية، من يدافع عن حقوقهم المصادرة كبشر، لفشلت دعوات المنظمات الإرهابية من أمثال «داعش» وغيرها من التفشي في صفوفهم، ودفعهم نحو ممارسة الإرهاب، بدلا من الالتفات نحو مستقبلهم. مرة أخرى نعود للتأكيد على أن المقصود من وراء إلقاء الضوء على السلوك العربي من الحادثتين، يهدف إلى كشف حالة الإحباط العربي، وتخبطه أكثر من أي شيء آخر، الأمر الذي يستدعي من العرب، مواطنين وصناع قرار، قراءة الأحداث على نحو صحيح، واستخلاص نتائجها على نحو أكثر دقة، واستخدامها بشكل أكثر ذكاء، كي لا ينطبق عليهم المثل الشعبي « وكأنك يا بوزيد ما غزيت». أي أننا ما زلنا نصر أن نكون ضحايا سوء قراءتنا للسياسات الغربية، تماما كما حصل في الحرب العالمية الأولى عندما انضم العرب إلى الجبهة المعادية للدولة العثمانية، كي يكون نتيجتها تنفيذ اتفاقية سايسبيكو، ومعها تنفيذ وعد بلفور.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها