النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11703 الجمعة 23 ابريل 2021 الموافق 11 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

فاكهة دورات كأس الخليج وملحها

رابط مختصر
العدد 9406 الجمعة 9 يناير 2015 الموافق 18 ربيع الأول 1436

ليس من المبالغة القول بأن دورات كأس الخليج تفقد الكثير من نكهتها وبريقها إن تخلف عنها هذا الرجل، الذي ظل على مدى السنوات الماضية منذ انطلاقة هذه البطولة في 1970 حريصا على حضورها والتفاعل مع احداثها والتعليق على مجرياتها بطريقة طريفة وبليغة في آن، بل واللجوء إلى النقد الساخر حينما تصل الأمور إلى نقطة لا يمكن السكوت عليها. وهل هناك عبارة ساخرة أفضل من الإجابة حول أسباب عدم حصول منتخب البحرين حتى الآن على كأس الخليج بالقول «لن يحصل منتخبنا على الكأس إلا بعد أن تـُستخدم كرة مربعة بدلا من الكرة المدورة». والمؤكد أن حلاوة لسانه وقدرته الفذة على النقد الساخر العفوي، معطوفة على ما تختزنه ذاكرته من أسماء وأرقام وتواريخ رياضية حولته إلى بؤرة تركيز للاعلاميين الرياضيين، بمعنى أنهم لا يتركونه وشأنه دون أن يحيطوا به من اليمين واليسار،أو يتدافعوا أمامه وخلفه أملا في الحصول منه على تعليق طريف مصور يصبح حديث المجالس لأيام وأشهر طويلة، أو يتم تداوله عشرات الآلاف من المرات عبر أدوات التواصل الاجتماعي. وللسبب نفسه تبارى الاعلاميون في صياغة الألقاب واسباغها على الرجل، فقيل عنه مثلا أنه «شمعة الجلاس»، و«زينة المجالس»، و«ملح دورات كأس الخليج»، و«الرجل الذي قد تجد من يختلف عليه، لكن لن تجد من لا يحبه». إنه الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة الذي جمع المجد من أطرافه نسبا وعلما ومؤهلات ومناصب وعلاقات، وطباعا انسانية. والحقيقة ان من لا يعرف الرجل لا يعرف البحرين، فهو البحرين ببساطته وكرمه وأخلاقه العالية، والبحرين هو بعراقتها وأصالتها وطيبة شعبها وتاريخها العطر. ولد الشيخ عيسى (أبوعبدالله) بالمحرق في 1938 لأب هو الشيخ راشد بن عبد الله بن عيسى بن علي بن خليفة بن سلمان بن أحمد الفاتح، وأم هي الشيخة مريم بنت شافي بن سالم آل شافي إبنة أمير قبيلة بني هاجر. وفي حوار له مع الموقع الالكتروني لقبيلة بني هاجر قال أبوعبدالله أنّ أخواله الأحياء يقيمون في قطر والسعودية والكويت وأن الزيارات متواصلة بينه وبينهم. تربى أبو عبدالله على يد والده ووالدته وجده الشيخ عبدالله بن عيسى في بيت العائلة في «براحة بن غتم» بالمحرق، ودرس الابتدائية في مدرسة الهداية الخليفية بالمحرق، التي كان يذهب إليها مشيا على الأقدام مرورا بفرجان «بن هندي» و»العمامرة». شهدتْ سنوات دراسته في الهداية تعلقه بالعمل التطوعي والنشاط اللاصفي ورياضة كرة القدم التي دأب على لعبها بحرية مع أقرانه في الأزقة والفضاءات المفتوحة، خصوصا وأن الشوارع والساحات كانت وقتذاك خالية من السيارات والإزدحام. وقد زاد تعلقه بكرة القدم بعد مرافقته ومشاهدته لأخيه الأكبر المرحوم محمد بن راشد الذي كان لاعبا في نادي المحرق في أواخر الاربعينات. وبعد إتمامه الشهادة الابتدائية في أوائل الخمسينات إلتحق بثانوية المنامة، التي كانت الثانوية الوحيدة في عموم البحرين، ليتخرج منها في 1955، لكن دون الحصول على شهادة التوجيهي المؤهلة لدخول الجامعة، والتي كان الحصول عليها متوقفا على الذهاب للدراسة في القاهرة أو بيروت. هنا بدأ أبوعبدالله في تلقي دروس مسائية خاصة في اللغة الإنجليزية استعدادا لما كان يتوقع حدوثه بثقة مفرطة وهو حصوله على بعثة دراسية إلى بيروت. لكن البعثة لم تأت بسبب التنافس الشديد، الأمر الذي اضطرت عائلته معه إلى إرساله إلى القاهرة على نفقتها الخاصة. وعن هذا المنعطف في حياته قال لصحيفة البلاد البحرينية (25/5/2014): «وصلتُ للقاهرة في 12 أغسطس 1955 للدراسة في مدرسة حلوان الثانوية، وسلمني جدي الشيخ عبدالله بن عيسى آل خليفة الى ابن عمي الشيخ عبدالرحمن بن محمد بن عبدالله، وطلبَ منه أنْ يصحبني إلى القاهرة ويعهد بي عند إخوانه عبدالعزيز، سلمان، إبراهيم، وعيسى أبناء الشيخ محمد بن عبدالله آل خليفة الذين كانوا يدرسون في جامعة القاهرة ويعرفون مصر أكثر مني» . ويضيف قائلا:«جلسنا في القاهرة يومين قبل أنْ نغادرها إلي حلوان، والحقيقة كانت القاهرة آنذاك جميلة وهادئة، وبالنسبة لحجم البحرين كانت كبيرة جدا جدا. في أول يوم وقفتُ أمام باب الفندق أنظر إلى المارة والشوارع ولا أجرؤ أنْ أغادره خشية أنْ أضيع ولا أعرف العودة للفندق». ويبدو أن قاهرة تلك الأيام شكلت صدمة حضارية لـ «أبوعبدالله» نستشفها مما قاله عن جمالها ونظافتها واتساع شوارعها وما كانت تعرضه من أفلام سينمائية وآخر صيحات الموضة، وما كانت تحتضنه من متاجر راقية ذات «فترينات» جذابة مثل متاجر «عمر أفندي»، و«صيدناوي»، و«شيكوريل»، و«شملا وجاتينيو»، بل تتجلى تلك الصدمة أكثر في ما كتبته صحيفة البلاد على لسانه (بتصرف):«جلستُ في مقهي جروبي، الواقع في شارع سليمان باشا، والذي بناه السويسري جياكومو جروبي في 1925 وكان وقتها أفخم دار للشاي في العالم قاطبة، فكان يتردد عليه الباشوات والأعيان وعلية القوم. وجروبي هو أول من أدخل الكريم شانتييه والآيس كريم إلى مصر، كما أنّ الشوكولاتة التي كان يقدمها كانت من نوعية عالية جداً جعلته مشهورا في العالم أجمع. أما الدخول إلى جروبي والجلوس فيه فكان يقتصر على طبقة معينة من الناس، إذ لم يكن يـُسمح لأي كان أنْ يدخل حتى لو كان جيبه مليئا بالنقود. وكانت النسوة المترددات على المقهى يرتدين فساتين السهرة الطويلة والفراء. وكان مطبخها يحوي أرقى أطباق الطعام الشهية والشهيرة. ومنذ سنوات قليلة زرتُ جروبي، وليتني لم أفعل، فقد حزنتُ على الحالة التي وصل إليها أشهر مقهى في تاريخ مصر». وإذا كانت القاهرة سحرته بأسواقها وارستقراطية أهلها، فإن حلوان أيضا سحرته بجمال قصورها وطبيعتها الخلابة إلى درجة أنه فضل الإقامة بها والتنقل بينها وبين القاهرة لبعض الوقت بعد تخرجه من مدرستها الثانوية وإلتحاقه بالجامعة. حيث أسكنه أبناء عمه بعد إلتحاقه بثانوية حلوان مع عائلة مسيحية، وظل مقيما مع هذه العائلة، لمدة خمس سنوات، قبل أن ينتقل الى القاهرة في مطلع الستينات للإقامة في حي الزمالك في شقة مستأجرة مع الشيخ عيسى بن محمد آل خليفة الذي كان يدرس الحقوق في جامعة القاهرة، وهو نفس التخصص الذي كان أبوعبدالله يدرسه في جامعة عين شمس. لكنه بعد عام واحد قرر الانتقال للسكن في شقة بشارع «سبيل الخازندار» في منطقة العباسية كي يكون أقرب إلى جامعته. وقد زامله في هذا السكن أخوه عبدالرحمن بن راشد الذي انتهى به المطاف طالبا بكلية الشرطة من بعد تجارب له في دراسة الطب وعلوم البترول. والحقيقة أن للقاهرة أفضال كثيرة على «أبوعبدالله» تتجاوز حصوله منها في عام 1963 على شهادة الحقوق وتعرفه فيها على مدهشات العصر المادية. ذلك أنه كان شاهدا على حقبة زمنية شديدة الخصوبة والثراء لجهة الحراك الثقافي والفكري من خلال الصالونات الأدبية كصالون العقاد، والحراك الفني والمسرحي الذي تجسد في مسرح الأوبرا، وحفلات أم كلثوم كل خميس من على مسرح الأزبكية، ومسرحيات فرق رمسيس والريحاني واسماعيل ياسين، ثم الحراك الرياضي الذي كان النادي الأهلي رائده وقائده. هذا إضافة إلى ما تميزت به تلك الحقبة من صراعات وأحداث سياسية مفصلية كالعدوان الثلاثي على بورسعيد وما استوجبه من استعدادات داخل المجتمع للتعامل مع تداعياته. أهـّـله تخصصه الأكاديمي في الحقوق لتقلد مناصب عديدة بدأت بتعيينه قاضيا في محاكم البحرين في الفترة ما بين عامي 1963 و1968، قبل أن يلتحق بقوة دفاع البحرين في بدايات تأسيسها للعمل مستشارا في دائرة الشئون القانونية برتبة ملازم أول. وفي مؤسسة قوة الدفاع التي كان يتولى قيادتها وقتذاك ولي العهد (صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين حاليا) راح الشيخ عيسى يتدرج في سلالم الرتب العسكرية حتى وصل إلى منصب نائب القائد العام، متوليا بعد ذلك منصب وكيل وزارة الدفاع حتى العام 1976. وطيلة هذه السنوات ظل «أبوعبدالله» حريصا على ألا ينقطع عن هوايتين من الهوايات الأقرب إلى قلبه وهما رياضة كرة القدم والشعر الشعبي، فتولى لسنوات رئاسة نادي البحرين بالمحرق الذي منحه لاحقا رئاسته الفخرية، كما انتخب في نوفمبر 1974 رئيسا للإتحاد البحريني لكرة القدم من قبل جمعيته العمومية خلفا للشيخ محمد بن خليفة آل خليفة، ونظم العديد من القصائد العاطفية الجميلة التي تلقفها الفنانون البحرينيون والخليجيون لغنائها بسبب عذوبة مفرداتها وصورها التعبيرية. في 1976 خلع الرجل زيه العسكري، وانتقل من قوة دفاع البحرين إلى وزارة الإعلام للعمل كوكيل لهذه الوزارة الجديدة حتى 1988 حينما اسندت إليه مهام رئاسة المؤسسة العامة للشباب والرياضة بدرجة وزير، لكن قبل ذلك بعام واحد كان قد عهدت إليه أيضا رئاسة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب اعترافا من بلده بجهوده ومساهماته المشهودة الأدبية والشعرية والثقافية في العديد من الفعاليات داخل البحرين وخارجها. وقد تجسد هذا الاعتراف مرات أخرى في صورة تقليده وسامين من أوسمة البحرين الرفيعة هما وسام الشيخ عيسى بن سلمان ووسام البحرين من الدرجة الأولى. وعلى المنوال نفسه حصل أبوعبدالله على وسام الدفاع الوطني من دولة الكويت، والوسام الفضي من اللجنة الأولمبية الدولية، ووسام التميز الأولمبي الذهبي، وذلك نظير جهوده وحضوره المتميز في الإتحاد العربي لكرة القدم والإتحاد العربي للألعاب الرياضية ولجانهما الإعلامية والتسويقية، ناهيك عن عمله الدؤوب من خلال لجنة التحكيم الدولية الأولمبية والمجلس الأولمبي الآسيوي لاتحاد غرب آسيا. المتمعن في شعر «أبوعبدالله» الشعبي يكتشف في بعضه امتزاج الوطني بالعاطفي بالتراثي، حيث المحبوبة في أغلب الأحيان هي مسقط رأسه (المحرق) أو تسكن في «فرجانها» العبقة بروائح المشموم والعود، أوتتباهى بملابسها التقليدية كثوب النشل. كذا الحال في قصيدة «أم البسايل» التي يقول مطلها: «نسلي البسايل ياحلوة .. وعلقي المشموم .. نشري النشل واضحكي .. يافرحة المهموم .. العين لو ابصرتْ غيرك ترى والله .. القلب ما قط خفق لغير شوفك يوم». وكذا الحال أيضا مع قصيدة «ولهان يامحرق» التي أداها الفنان إبراهيم حبيب في السبعينات. ومن كلماتها: «ولهان يامحرق .. وأطوف في السكة .. محد عرفني فيك .. يامحرق إيش دعوه .. خـِلـّي اللي واعدني .. بعد البراحة ببيت .. نطرته طول اليوم واقف ولا ملــّيتْ .. أيش فيه خلاني .. حاير ولا جاني .. ومحــّد في لمحرق ..إبيته دلاني». كانت هذه الأغنية بداية البروز الصاروخي لـ«أبوعبدالله» على ساحة الشعر الغنائي. فبعدها توالى ظهور قصائده ملحنة ومؤداة بأصوات مطربين من البحرين وخارجها، وكان على رأس هؤلاء الفنان البحريني صاحب الصوت الذهبي محمد علي عبدالله الذي كان قد احتل موقعا راسخا في قلوب العشاق الحيارى منذ تقديمه لرائعته الخالدة «كم سنة وشهور». إذ غنى الأخير من كلمات الشيخ عيسى بن راشد أغنيات «دعيت عليك من قلبي»، و«أطري عليكم يالربع». كما غنى من كلماته أغنيتين أخريين لاتزالان محفورتين في القلوب لما فيهما من معان وتعابير وجدانية صادقة. أولاهما أغنية «ما تدرين» التي يقول مطلعها: «يعني انتي ماتدرين .. يا كثر ما تسألين .. إيش كثر أحبك .. أحبك من سنين .. من فتــّحتْ عيني .. من شفتْ ها لدنيا .. وانتي وسط قلبي .. يا عمري إتنزلين». وثانيتهما أغنية «إشقد أنا ولهان» التي تقول كلماتها: «أشقد أنا ولهان .. حتى وأنا يمج .. أحس أنا حيران .. ودوم في حرمان ..عندي سوالف شوق .. اشلون أوصلها .. ياحبيّـبي حيران .. ودي لي شفتج أضمج بصدري .. وأغمض بعيني وأضيع مادري .. أضيع في شعرج .. أشم فيه العود .. في داخل عروقي .. مثل السحر يسري ..عندي حجي وايد .. عندي سوالف شوق». وإذا كان الكثيرون يرون أن أجمل ما قدمه أبوعبدالله للطرب الخليجي يكمن في قصيدة «يالزينة ذكريني» والتي غناها أحمد الجميري في السبعينات فقلب بها الدنيا ولم يقعدها لاشتمالها على معان وطنية صيغت في قالب رومانسي متناغم مع جمال الطبيعة وذلك على النحو التالي: «يا الزينة ذكريني .. لي غيبتني بحور .. وبْشوق ناديني .. يمكن الدنيا إتـْدور .. وآرد ويــّا الصيف .. ولا ّ الشتا لي رد .. ولا ّمع الأشواق .. وقتْ الربيع والورد .. وأنا بعيد بعيد .. ما عندي غير الآه .. حمـّلتْ نجم السما .. شوقي لكم وياه .. وصـّيت طير الفلا .. ولا حمل لوصاه .. حملت موج البحر .. سلامي ما وداه .. حلفت يا الزينة .. ما فارق البحرين .. في قلبي مزروعة .. ومحفوظة وسط العين .. اشتاق اشم العود .. واوله على الطيبين .. والحـِنــّا لي خطوه .. وساود على الكفين .. آرد ويــّا الصيف .. ولا ّالشتا لي رد»، فإن «أبوعبدالله»، على الرغم من اعتزازه بهذه القصيدة وقربها إلى قلبه، فإنه صرح ذات مرة أنّ أجمل ما قدمه للغناء الخليجي هو قصيدة أخرى كتبها بكامل أحاسيسه ووجدانه، هي «ولهان ومســيّر» التي يقول مطلعها: واقف على بابكم ولهان ومسير اسأل عن اللي سأل محبوبي لصغير يومين مروا علي سنتين لو أكثر ما قدرت يامنيتي عن شوفتك أصبر والمعروف أن هذه القصيدة غناها المطرب القطري المرحوم فرج عبدالكريم من ألحان مواطنه عبدالعزيز ناصر، فكانت سببا في انطلاقه إلى عالم النجومية. وللشيخ عيسى بن راشد، الذي هو عضو مؤسس لجمعية الشعر الشعبي في البحرين، ويشغل منذ 1999 منصب نائب رئيس المجلس الأعلى للشباب والرياضة، ومنذ 1979 منصب رئيس اللجنة الاولمبية البحرينية، ديوان شعر بعنوان «فيّ العصر» يضم 35 قصيدة من أجمل ما كتب. وللشيخ أيضا جهود مشكورة في رأب الصدع داخل الجسم الرياضي الخليجي. فبحكم علاقاته الطيبة مع قطب الرياضة السعودية الراحل الأمير فيصل بن فهد، وقطب الرياضة الكويتية الشهيد الشيخ فهد الأحمد الجابر، كان كثيرا ما يتدخل لترطيب الأجواء بينهما أثناء اشتداد المنافسة بين المنتخبين السعودي والكويتي في دورات الخليج وغيرها وخروج تعليقات نارية من هذا الطرف أو ذاك، على نحو ما حدث في الدورة العاشرة التي أقيمت في الكويت. ولعل ما لا يعرفه الكثيرون عن «أبوعبدالله» أنه يخشى السفر بالطائرات التي سماها المرحوم الدكتور غازي القصيبي بـ «ممتحنات الهمم». فالرحلة الجوية، وخاصة إذا كانت طويلة ــ تعكر مزاجه وتجعله في حالة قلق وتوتر. وقد لمستُ ذلك شخصيا في مرتين في الثمانينات قادتني فيهما الصدفة للركوب معه على متن طائرة واحدة في الدرجة الأولى. في المرة الأولى أخذنا طائرة طيران الخليج من نوع ترايستار من البحرين إلى بومباي. وأيامها لم يكن التدخين ممنوعا أثناء الرحلات الجوية، بل كانت الشركة الناقلة تدلل ركاب مقصورة الدرجة الأولى بالسيجار الكوبي الفاخر الذي يــُعتبر «ابو عبدالله» من هواة تدخينه. وأتذكر أنه كان معنا على الطائرة راكب هندي «ملقوف» من حملة الجنسية البريطانية، كثير الأسئلة، يبالغ في طلباته، ولا يكف عن الحديث والتعليق على أتفه الأمور، فما كان من «أبوعبدالله» القلق أصلا من الطيران إلا أن التفت إليه مفرغا فيه شحنة توتره عبر بضعة جمل بأسلوب طريف أثارضحك الركاب بمن فيهم الهندي نفسه. في المرة الثانية صعدتُ في أثينا إلى طائرة شركة طيران الخليج التي توقفت هناك في طريقها من لندن إلى البحرين، فوجدتُ أنّ «أبوعبدالله» من بين ركابها، فذهبتُ للسلام عليه، وقد رد الرجل التحية بأطيب منها لكنه قال بطريقته الفريدة في الكلام: ترا ما فيني شدة الحجي .. أنا بطني مختض من الصبح! وحينما حاولت معرفة السبب أجابني: «اشلون ما تبيني أخاف وأنا طاير من تشيلي إلى لندن فوق المحيط ومن لندن إلى أثينا ومن أثينا إلى البحرين على إرتفاع مادري جم ألف قدم». ثم أضاف: «من الصبح وأنا مـِتــْدُودِهْ .. حتى مفتاح الفندق ما عطيتهم إياه». هنا طلبتُ منه أن يتكرم عليّ بالمفتاح فقال: «وش تبي بالمفتاح؟ .. ليـْكون تبي تروح تشيلي وتسكن في الغرفة ببلاش من غير ما يدرون؟»، لكني طمأنته وأخبرته أني أريد المفتاح لأني أجمع مفاتيح الفنادق، فكان رده: «وش بتسوي فيهم حظي .. خبرنا الناس تجمع طوابع وقواطي، لكن ما خبرنا حد يجمع مفاتيح». بقي أنْ نعرف أن «ابوعبدالله» له إبنان هما عبدالله وسلمان، وأنه مقترن بصاحبة السمو الشيخة شيخة بنت سلمان آل خليفة عمة جلالة الملك.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها