النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

إعلام 2015 يقرأ الطالع ويوشوش الودع!

رابط مختصر
العدد 9405 الخميس 8 يناير 2015 الموافق 17 ربيع الأول 1436

مع بداية كل سنة ميلادية جديدة تزدهر سوق التنبؤات بالمستقبل، وينشط من يسمون أنفسهم - على طريقة كل واحد يدلع نفسه - بـ«علماء الفلك»، وتسميهم مخطوطات العصور الوسطى بـ«المنجمين» و«العرافين» والمشتغلين بعلوم «اليازرجة والسيما» ويصنفهم علماء الاجتماع ورجال الشرطة بالدجالين والنصابين، ويعرفهم العوام بـ«قراء الطالع» و«فاتحى الفنجان» و«الرمالين» ونموذجهم الشائع هو المرأة الغجرية، التى تطوف فى شوارع القرى وعلى رأسها قفة صغيرة، وتنادى على بضاعتها بعبارة «نبين زين نبين.. ونوشوش الودع»، وبمجرد أن تناديها لكى تقرأ لك طالعك، تخرج من قفتها مجموعة من الودع - أى القواقع التى يرمى بها البحر إلى شاطئه - ومنديلا تصر فيه حفنة من الرمال، تصنع منها بساطا من الرمل، وتقدم لك أكبر هذه القواقع، وهو يسمى «الدكر» لكى تهمس له بما يشغلك من أمور المستقبل، ثم تتناوله منك، لكى تضيف إلى ما همست به بعض التمتمات، قبل أن تضيفه إلى أربع قواقع صغيرة لتهزها مجتمعة بين كفيها، ثم تلقى بها على بساط الرمل، وتتأمل فى شكلها، قبل أن تجيبك عما سألت عنه، دون أن تعرفه، مؤكدة لك أنك سوف تنال ما تمنيته وأن المراد سيتم بمشيئة ربّ العباد، وتأخذ ما تعطيه لها، فتدعو لك بالسعادة والرضا وبالبنين والبنات. الفارق الوحيد بين ما تقوم به هذه المرأة الفقيرة التى تسعى وراء قوتها وقوت أبنائها ببيع الوهم، ويبق ما يفعله من يسمون أنفسهم بـ«علماء الفلك» الذين تعودوا أن يطلوا علينا من شاشات التليفزيون وصفحات الصحف فى مثل هذه الأيام من كل سنة، ليثبتوا تنبؤاتهم هو أنها - على العكس منهم - لا تزعم لنفسها علما لا تملكه أو شهادة أكاديمية لم تحصل عليها، أو توحى لأحد بأنها درست علوم الفضاء فى وكالة ناسا الأمريكية المتخصصة فى هذا المجال، أو توهمنا بأنها صاحبة إنجاز علمى، ولولاها لما توصلت البشرية إلى غزو الفضاء، ولما صعدت إلى القمر، ولما حققت أحدث ثورات هذا العصر، وهى ثورة الاتصالات التى شملت اختراع الكمبيوتر واكتشاف الألياف الضوئية والكاميرات الديجيتال والتليفون المحمول والتقاط الصور والأصوات والبث التليفزيونى من الفضاء مباشرة، وغير ذلك من الاكتشافات والاختراعات التى جعلت من العالم قرية إلكترونية واحدة، تتبادل الأخبار والمعلومات والثقافات وأيضا الخرافات فى نفس لحظة حدوثها. والجريمة التى يرتكبها هؤلاء ويشاركهم فى ارتكابها الإعلام المرئى والمسموع والمقروء، هو أنهم يسيئون إلى العلم والعلماء والخبرة والخبراء، حين يدعون لأنفسهم هذه الصفات، فيحولون العلم إلى عملية نصب ودجل وشعوذة، وهم يزعمون أنهم يستندون إلى حقائق علمية تمكنهم من قراءة حركة النجوم والكواكب خلال العام المقبل، ويرصدون تأثيرها على ما سوف يشهده العالم خلاله من أحداث سياسية كبرى، وما تخبئه أيامه وشهوره لمواليد كل برج من الأبراج الفلكية الاثنى عشر على صعيد الحب والزواج والمرض والمال والعمل، مع أن المنطق البسيط يقول إنه ليس من المعقول أن يكون مستقبل مواليد كل برج من هذه الأبراج، الذين يصل متوسط عددهم إلى نحو نصف مليار إنسان، خلال العام الجديد متشابها أو متطابقا واحدا، لاختلاف الظروف بين كل بلد وآخر، وبين كل فرد داخل البلد الواحد، حتى لو كانوا قد ولدوا فى البرج نفسه، ولأن تواريخ الميلاد المدونة فى أوراقهم الرسمية ليست بالضرورة دقيقة.. وبالذات فى عالمنا العربى الذى تعودت فيه النساء، خاصة فى القرى والنجوع، أن يلدن فى بيوتهن وأن يتأخر الآباء فى تسجيل مواليدهم فى السجلات الرسمية لعدة أسابيع، قد تنقلهم من برج إلى آخر. وأسوأ ما يرتكبه هؤلاء، بعد الخلط بين العلم والخرافة، هو الخلط بين الدين والخرافة، وبينها وبين السياسة سمعت إحدى عالمات الفلك ترد على إحدى مشاهدات برنامج تليفزيونى كان يبث على الهواء مباشرة ليلة رأس سنة 2015، اتصلت بالبرنامج هاتفيا، لكى تشكو لها من أن ابنتها الصغيرة - وهى من مواليد برج الثور - تعانى مغصا دائما فى أمعائها، فنصحتها بعد أن تثبت من تاريخ ميلادها، بأن تقرأ فى أذنها كل صباح آيات من سورة البقرة حتى يختفى الألم، وشكا لها آخر - من مواليد برج القوس - أنه يعانى صداعا مزمنا منذ ثلاثين عاما، فأوصته بأن يتناول كل يوم ملعقة صغيرة من زيت الزيتون، وأن يقرأ بعدها سورة الضحى، ولم أعرف ما الصلة بين كل سورة من سور القرآن الكريم وردت فى روشتتها.. وبين المرض الذى تعالجه، ولم أتبين ما إذا كان هذا العلاج يصلح لمواليد بقية الأبراج الفلكية أم أنه قاصر على مواليد برج الثور فى الحالة الأولى.. وبرج القوس فى الحالة الثانية! ولست أريد أن أستطرد فى ذكر أمثلة من التنبؤات الفلكية السياسية لعام 2015، ومعظمها متشائم، ومن أبرزها أن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تنهار، وأن الرئيس «أوباما» لن يكمل مدته طبقا لما يؤكده الودع، وأن مصر سوف تشهد ثورة ثالثة، ويحدث بها محاولة انقلاب وتزداد أزمتها الاقتصادية استحكاما، وغير ذلك مما أحلاه الخيال الركيك على العالم الذى استمع لوشوشة «الدكر»، على نحو يوحى بأن الفلكى الذى أذاع هذه التنبؤات على إحدى الشاشات المصرية، ينتمى إلى التنظيم الدولى لجماعة الإخوان المسلمين. ولكنى أريد أن أتوقف أمام ظاهرة احتفاء الإعلام - خاصة الفضائى - بإذاعة مثل هذه الخزعبلات، وحرصه على استضافة هؤلاء الدجالين، وتقديمهم إلى المشاهدين باعتبارهم علماء ودكاترة وخبراء، وحرص العاملين فى الكونترول على توجيه أسئلة إلى العالم الجليل عبر الاتصال بالمذيع الذى يتحاور معه، وحالة الانبهار التى بدت على ملامح مقدمى هذه البرامج - وهم يستمعون - إلى نبؤاته، ويحرصون على الاستفادة من علمه.. فالذى أعرفه، ويعرفه هؤلاء أن كل مدونات السلوك المهنى للعاملين فى الإعلام، تحظر على الإعلاميين أن يروجوا للخرافة أو يشجعوا على ارتكاب الجريمة، وتفرض عليهم على العكس من ذلك، أن يذيعوا الأخبار الصحيحة، لا الكاذبة، وأن يحتفوا بالعلماء ويسألوهم عن توقعاتهم للمستقبل فى ضوء ما لديهم من حقائق علمية واقتصادية وسياسية، وليس الاستماع إلى الداجالين وهم ينادون: «نبين زين نبين.. ونخط بالودع.. ونوشوش الدكر». وكل سنة وأنت طيب يا عزيزى القارئ.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها