النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

التحصن بشعار «أكل العيش»!

رابط مختصر
العدد 9404 الاربعاء 7 يناير 2015 الموافق 16 ربيع الأول 1436

تلبستني فكرة، وأنا أتابع بعض ما يكتب في أعمدة الصحافة المكتوبة أو في جبهات الجهاد الالكتروني المتكالبة، مفادها أن من يكتب حقيقة هو (ضميرنا المستتر) إن صح التعبير.. أو هو ضميرنا الغائب -على الأرجح- نيابة عنا، فلكل واحد منا ضميره المستتر الذي ينوب عنه، ليس في الكتابة فحسب، بل حتى في الحفلات ثقيلة الدم وفي (العزائم) وتبادل الأحاديث.. فلا أحد تقريباً يكتب بنفسه، قد يفكر بـ(نفسه)، نعم، ولكنه لا يكتب إلا بالضمير المستتر.. وهذا الضمير قد يكون تقديره نحن أو أنت (الآخر) أو أنتم أو هم أو هي، ولكنه لا يكون – إلا فيما ندر- تقديره نفسه، هو ذاته.. فالصحفي القومي لا يجد ضميره الغائب أي حرج في الدفاع عن كامب ديفيد!! وكاتب العمود الماركسي يتعاطف ضميره المستتر مع الأصولية الطائفية الجديدة، والكاتب الليبرالي الحداثي المنفتح، لا يرى ضميره المستتر مندوحة من الدفاع عن التضييق عن الحريات الفردية والجماعية، ونشر الكآبة العامة ومعاداة الفرح، مجاملة وتقربا من الضمير الجمعي للتيار المحافظ، والكاتب الأكاديمي المتعالي في فضاء التفلسف لا يجد صعوبة كبيرة في استعارة الكلمات والأفكار والفقرات من كتاب «الأنوار الالكتروني»، بالكشف الركيك عن أصوله الماجنة.. وإذا كانت السياسة هي في أبسط تعريفاتها فن إدارة (اللحظة) وفق منطق المصلحة والممكن، فلا عيب في أن يكون لكل واحد منا رأيه و (سياسته) ولكن السياسة ها هنا لها وجهان: وجه يعني الوعي والتقدم ومحاولة الإسهام في كل ما هو حضاري، ووجه يسوده التلون والاضطراب وعدم الثبات. وانطلاقاً من المعنى الأول يكون المثقف غارقاً في السياسة فاعلاً فيها ومساهماً...لذلك لا يمكن نفي (السياسي) في كل ما هو ثقافي، كذلك (اللحظة) ما دامت تحمل بذور المستقبل والجمع بين ما هو حضاري في السياسة وما هو مستقبلي في (اللحظة). وميزة العقول الكبيرة انها تعاني وتقوى على تحويل كل جواب نهائي إلى سؤال بلا نهاية، في رحلة الفكر، تلك هي العقول الصادقة التي ارتبطت بأهداف الأمة وبحركة التاريخ. ولذلك فاللحظة الراهنة بتعقدها وعنفها وتشابك خطوطها لا يفيد معها التلاعب بالألفاظ وتحريك الضمائر المستترة.. والتحصن بشعار (أكل العيش) لأن من كان هذا شعاره فليكتب في فن التواشيح وأخبار الراقصات والراديحين، أو فلينشد السلامة من خلال الجلوس على روابي المقاهي.. وليدع مساحات الرأي لأهل الراي، لأنها لا تليق به ولا يليق بها. هؤلاء (المثقفون) الذين يقفون اليوم في مواجهة الأزمات القاتلة المتعلقة بمصيرنا المهدد، متسترين بالخطاب الخشبي البائس وبأحاديث الديمقراطية الزائفة، لا يخجلون من ترديد خطابات الشرق الأوسط الجديد والقديم، ومن تكرار شعارات الطائفية الجديدة المتسترة بالمطالب والمطالبات المتخفية، لبناء دكتاتورية جديدة يحكمها المقدس ... هؤلاء، بما يمتلكون من استعدادات متضاربة، قابلون للتلون والانتقال في المواقف باسم الحاجة حينا وباسم الأمن الذاتي حينا آخر، وبسبب ضعف في الموهبة والإمكانات والفكر الحر غالباً.. ولا يعني ذلك أنهم أمام خيار واحد يتخلص في المعارضة المطلقة، فالكثير من المعارضين في هذا المجال يكونون أبناء لحظتهم وراهنهم والكثير من مثقفي السلطة عبر العصور كانوا محملين ببذور المستقبل وبالمواقف المشرفة. أما مشعوذو الفكر والسياسة فاعتقد أن الدنيا بدونهم وبدون أسمائهم وأعمدتهم سوف تكون أجمل وأكثر نقاء.. واعتقد أن مملكة الصحافة العربية سوف تكون أكثر قابلية للتطور إذا اختفت منها بعض تلك الأصوات، وبعض تلك الشعوذات، لان (الحس العام)، بات يفهم أكثر منهم، يعي أكثر منهم، ينحاز إلى ما هو أقرب إلى روح الوطن بشكل غريزي.. وباختصار فإن الحس العام أرقى منهم مستوى ووعياً وقدرة على التمييز والفهم، والذين ينظرون إلى المستقبل هم الذين يؤمنون بأن الأمة تريد الحياة ولا يهادنون ولا يتضعون حتى وان أدى ذلك إلى السير على خطى غاليلي.. همس المثقف عندنا قليل الإبداع، لأنه لا يجد الوقت للإبداع، يقضي ثلاثة أرباع وقته في الجري وراء لقمة العيش أو تأمين الغذاء وتأمين الأمن البيولوجي له ولعياله، كما أن الإبداع يرتبط بمناخ الحرية وبمستوى النهوض الحضاري للأمة، وبمناخ المعرفة وبواقع المثقف العربي المنعزل حاليا عن حركة التغيير والتطلع الى إمكانية النهوض مجددا بالواقع الهزيل للأمة، المثقف باعتباره محرك هذا الإبداع وأداته ومولده مازال بعيداً، غير قادر عن مغادرة محطة التقليد التكرار، وذلك لان الإنسان السطحي والمقيد والمقلد لا يستطيع أن ينتج إبداعاً. والمشكلة هنا ليست مشكلة المثقف فحسب، بل هي أيضاً مشكلة مجتمعية وسياسية في ذات الوقت، فالنظام العربي يعيش في حالة فقدان وزن، والإنسان العربي هو الآخر يحيا حالة من عدم القدرة على فهم حركة التاريخ، فما بالك التأثير فيها، والرأي العام غير قادر تماماً على تحديد أهدافه بسبب الحيرة والفشل والجهل والتردد واضطراب الرؤى وتعدد المدخلات المتناقضة، ولذلك فهو إما غارق في البؤس اليومي وإما غارق في الاستهلاك القاتل لإنسانية الإنسان وذلك وجه آخر من وجوه ماساتنا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها